اليابان .. وبداية الحضارة

عصام حمزة [نبذة عن الكاتب]

[20/06/2013]

ربما كانت ”الكلمة المكتوبة“ هي أعظم منتج حضاري عرفته البشرية عبر تاريخها الممتد، عندما نقشها الإنسان القديم لأول مرة على الحجر، وخط حروفها على رق أو ورق، فقد نقل إلى الأجيال التالية معارفه وعلمه وثقافته، وبذلك أفادت منها شعوب وأجناس أخرى حين قرأت ما كتب. فلا يكون المنتج حضارياً إلا إذا تعدى تأثيره ثقافته الأولى التي أعطته الميلاد، لتكون له حيوات أخرى. وكم من شعوب عاشت ثم بادت، دون أن يكون لها ذكر، ولم تترك لنا من أدبياتها شيئاً مكتوباً يدل على أفكارها ومعتقداتها وآدابها .

وفي الشرق الآسيوي القديم كانت الصين تزهو على الشعوب المجاورة لها بما لديها من تاريخ مكتوب، وآداب مدونة، وقوانين محفوظة تحكم نصوصها المجتمع، وتدار بموجبها شؤون البلاد، وهذا ما كان يميز دولة الحضارة.

اكتشاف التميز الثقافي وحروف (كانا)

أما اليابان، فلم تتعرف على الحضارة إلا بعد القرون الثلاثة الأولى من الميلاد، عندما استعارت مقاطع الكتابة الصينية (الكانجي)، كي تحاكي النظم الصينية فى إدارة البلاد.

إلا أنه كان لابد من ابتكار حروف يابانية تعبر عن ثقافة وأفكار شعب عرف أن الكلمات المستعارة لن تستطيع التعبير عن مكوناته الثقافية، ولن يجد فى رموز كتابتها متسعاً لإظهار تميزه الفكري والثقافي. لقد كان الاكتشاف المبكر للاختلاف الفكري والثقافي هو ما دفع اليابانيين لابتكار حروف (كانا) وإن اشتقوها من أشكال المقاطع الصينية ـ حتى يمكنهم إظهار ذلك البعد الإنساني وما يتفرد به بعيداً ـ ولو قليلاً- عن تأثير الثقافة الصينية؛ لكنهم احتفظوا أيضاً بمقاطع (الكانجي) حتى لايمنعهم تفردهم الثقافي من التواصل الحضاري مع القارة الآسيوية.

وقد كان اكتشاف اليابانيين لتميزهم الثقافي مبكراً، بالمقارنة مع غيرهم من الشعوب المجاورة التي لم تنتبه إلى أبعادها الثقافية إلا منذ بضع قرون، كالكوريين على سبيل المثال الذين لم يصنعوا لأنفسهم أبجدية ”هانجول“ (han-gul) الخاصة بهم إلا في منتصف القرن الخامس عشر (١٤٤٦م).

الكلمة المكتوبة والتواصل الحضاري

من خلال المقاطع الصينية المكتوبة، استطاع اليابانيون التعرف على المنتج الحضاري الآسيوي والإفادة منه؛ فقد انتقلت إليهم ”الكنفوشية“ متسللة عبر كل مانقلوه عن الصين من معارف ونظم، و”البوذية“ التى استقدموها في القرن السادس الميلادي، وأفادوا منها في تحقيق نوعاً من التناغم والتوافق السياسي، الذي تبلور في ”دستورالسبع عشرة مادة“ الذي أصدره الأمير ”شوتوكو“ (٥٧٤-٦٢٢م).

استمر التلقي الياباني للمكونات الحضارية، والتعرف على خلفياتها الثقافية الذي ساعد على تطويعها لتناسب الخصوصية الثقافية لليابانيين، بل وساعدتهم على الإسهام فى الإضافة لها، والمساهمة في صنع تلك الحضارة.

مرحلة التلقي

على الرغم من تأخر اليابان في ابتكار الأبجدية، وبداية التعرف على الثقافات الآسيوية، إلا أن الإفادة منها كانت سريعة. ففي أوائل القرن الثامن الميلادي نجح اليابانيون في أن يكون لهم تاريخ مدون، وتراث شفاهي تم تجميعه وتدوينه؛ فقد نجحوا في تجميع ماكان متواردا شفاهياً من الأساطير، ومن الأشعار وجمعوها في كتب مثل ”كوجيكي“ (سجل الأحداث القديمة ٧١٢ م)، ثم ”نيهون شوكي“ (تاريخ اليابان ٧٢٠ م) و”مانيوشو“ (مجموعات القصائد الشعرية ٧٥٩ م).

مرحلة الإسهام الحضاري

كان عصر هييان هو الذى بدأ اليابانيون فيه إبداعهم الأدبي مستخدمين أبجديتهم التي يستطيعون بها تحقيق هويتهم الثقافية، تلك التي تمنحهم تميزهم وتوضح اختلافهم عن من سواهم. إلا أن استخدام حروف (كانا) في الكتابة كان غير مفضل، بل يمكن القول أنه كان شيئاً معيباً لمن يعملون في الدولة وتابعيهم فى الأقاليم المختلفة أن يستخدموها في أعمالهم ومراسلاتهم؛ كما لم يكن بين الناس كثيرون يقرأون حتى يكتب لهم؛ لذلك كان مستخدميها من نساء البلاط ووصيفاته اللاتي أبدعن لليابان أعمالها الكلاسيكية الأولى مثل ”قصة إيسيه“ ٩٠٥ م، و”قصة ياماتو“ ٩٥٠ م، حتى ”قصة جينجي“ في بدايات القرن الحادي عشر.

إلا أننى أعتقد أن المساهمة الحقيقية في الإبداع كانت حين تحرر ”كينو تسورا يوكي“ (٨٦٨-٩٤٥) من عمله الحكومي، وانطلق يعبر عن مشاعره وأفكاره بل وأحزانه فى مذكرات رحلته من مقاطعة ”توسا“ حيث أنهى حياته العملية عائدا إلى العاصمة على ظهر مركب صغير تتقاذفه الأمواج، ولأول مرة يكتب رجل بالأبجدية اليابانية (كانا) في كتابه الأشهر ”مذكرات توسا“ (٩٣٤ م)، ويفتح بذلك عصراً جديداً أمام المساهمات اليابانية في الحضارة الإنسانية، ويفتح أمامنا أيضا صفحة للمعرفة نرى فيها فكر ومعتقدات اليابانيين في القرن العاشر وقد خرجت إلينا بلا قيود أو تكلف فرضته حياة القصور، أو تابوهات الوظائف الرسمية. كانت عبارته الشهيرة: ”أحاول كإمرأة أن أكتب مذكرات، والتي أسمع أن الرجال أيضاً يكتبونها“. فى رأيي، كانت هذه هي بداية المساهمة الحقيقية في الحضارة الإنسانية.

  • [20/06/2013]

أستاذ الدراسات اليابانية بكلية الآداب جامعة القاهرة، ولد بمحافظة دمياط عام ١٩٥٦، حصل على ليسانس الآداب من قسم اللغة اليابانية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة عام ١٩٧٨، ماجستير في الآداب من كلية الآداب جامعة أوساكا عام ١٩٨٢، شهادة إتمام مرحلة الدراسات العليا(الدكتوراه) جامعة أوساكا عام ١٩٨٧، دكتوراه الآداب جامعة أوساكا ١٩٩١، أشرف على العديد من الأبحاث الخاصة باللغة اليابانية والشأن الياباني وله العديد من الإصدارات والمؤلفات بالعربية والإنكليزية واليابانية.

مقالات ذات صلة
الأعمدة الأخرى

المقالات الأكثر تصفحا

مدونات المحررين جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)