القيمة الأساسية والقيمة الإضافية للأشياء (الجزء الثاني)

المؤمن عبد الله [نبذة عن الكاتب]

[17/02/2014] اقرأ أيضاً日本語 | 简体字 | 繁體字 | ESPAÑOL |

أذكر أنني عندما كنت أعيش بالقاهرة كان هناك محل لبيع الشطائر من سندويتشات ونحوه بالقرب من الحي الذي كنت أسكن به، وكان هذا المكان يتميز برخص أسعاره وبسمعة لا بأس بها. وكان في الحقيقة عبارة عن محل متنقل يتوسط مكاناً لتجهيز وإعداد الأطعمة، حيث كُنتَ تجد صاحب المَحّل دائماً يقوم بشوي وقلي الهمبرجر الساخن بداخله. أما إذا ما سألتني عن مدى جودة الطعم، فانّه في الحقيقة لم يكن ذا مذاقٍ مميز عن غيرهٍ على الإطلاق ! بل على العكس أستطيع القول إنه كان عادياً جداً. لكن الغريب في الأمر أنني كنت أفضل الذهاب إليه عن غيره من المحال الأخرى حتى أنني كنت أذهب بشكل شبه يومي! وكان حبي وانجذابي لهذا المحل ليس بالطبع لمُجرّد تذوق أطعمته فحسب بل كان لشوقي في كل مرة للاستماع الى قصص وحكايات صاحب المحل المشوقة، وبالطبع أيضاُ إلى تذوق طبق المخلل والمقبلات التي كان دائماً ما يقدمها لي كخدمة خاصة ودون مقابل.

وأودُّ التنويه انَّه لو قدر لي الآن أن أُقيم هذا المحل بمعيار القيمة الأساسية والقيمة الإضافية، فقد يخسر هذا المحل بمعيار القيمة الأساسية مقارنة بالمحال الأخرى وأقصد هنا بالقيمة الأساسية بالطبع كلاًّ من المذاق والطعم، لكن بمقاس القيمة الإضافية فانّ الأمرَ مختلفٌ تماماً. فحسبَ معيار القيمة الإضافية ربما تجده متميزاً عن أي من المحلات الأخرى وسبب هذا التميز هو وبكل بساطة ما يقدمه صاحب المحل من كلام وحديث شيق جذاب للمترددين عليه من الزبائن، علاوة أيضاً على أطباق المخلل / المقبلات اللذيذة والمفضلة للكثير من الزبائن ولعل ما أردت إيصاله من خلال هذا المثال هو أن تقييم الأشياء والأمور بمعيار القيمة الأساسية الفعلية ليس بالشيء الهين أو البسيط، بل هو أمرُ معقد للغاية، ومثال ذلك أيضاً “التعليم”، فتقييمه من الناحيتين القيمة الأساسية والقيمة الإضافية هو أمرٌ ليس بالهين أو البسيط.

أيضاً ومما لا شك فيه أن اليابان استطاعت أن ترتقي قمة سلم التقنيات الفنية والمهارات البشرية من خلال ادراك قيمتها الأساسية والفعلية على السواء وذلك في كافة العلوم الحديثة، مما جعل لها وجودا كبيرا في ميدان العلم والمعرفة بالعالم لكن السؤال المطروح هنا يكمن في مدى قدر ووضعية القيمة الإضافية المستفادة والمميزة لهذا النموذج الياباني؟ وهل استوعب العالم بالفعل قدر إمكانية الاستفادة من القيمة الإضافية لهذا النموذج التعليمي الياباني؟ وما هو مقدار القيمة الإضافية المستفادة من الدراسة والتعلُم في اليابان؟ وكذلك كيف وبماذا تستطيع أن تجيب إذا طرح عليك مثل هذه الأسئلة؟

ومما لا شك في أن صعوبة الإجابة على هذه التساؤلات سوف تتضاعف عندما يكون السائل شخصاً أو مؤسسةً أجنبيةً. وانني لا أعتقد أن كثير من الناس لا تدرك الإجابة، بل وربما أيضاً في نفس الوقت قد لا تعي كيفية الإجابة. لذا دعونا نعود إلى أصل معنى مصطلح القيمة الإضافية ونُعالجه، وسوف نَجِدُ للتَّو أن جوهر هذا المصطلح يكمن في خلق قيمة جديدة من شيء موجود ومستخدم بالفعل، وبذلك يتحقق معنى المصطلح بمعناه الفعلي من خلال إضافة قيمة جديدة إلى شيء ما موجود ومتاح بالفعل. فعلى سبيل المثال، تجدنا جميعاً متفقين وبلا جدال على حقيقة إبداع اليابان في مجال التقنية والعلوم، ولكن الوجه الآخر لهذه الحقيقة أيضاً هو أن اليابان ليست هي البلد الوحيد المتميز بمجال العلوم والتقنيات الحديثة! لكن من المفترض أنه يوجد شيء ما تختلف به اليابان وتمتاز به عن غيرها من الدول الأخرى.

بعبارة أخرى ماذا لو قُدِّر وأُتيحت لي الفرصة لدراسة هندسة الميكانيكا في اليابان، هنا يكون سؤالي عن الفارق بين دراسة الميكانيكا في بلدي أو في دولة أخرى كدِرَاسَتها في اليابان مثلاً، وأعتقد أن التفكير من أجل تقديم إجابة عن هذا السؤال هو مفتاح الوصول إلى التعرف على الشيء الفعلي الذي تتميز به اليابان فقط عن غيرها من دول العالم في مجال الدراسة والتعلم بالخارج.

الدراسة في اليابان وماذا نتعلم منها ؟

هل تعتقد أن تجربة الدراسة في اليابان كانت جيدة بالنسبة لك؟ وهل يمكن أن تخبرني لماذا ؟

– سؤال معتاد ومتكرر وكثيراً ما يستخدم في استبيانات الرأي العام للتعرف على ما تعلمه الشخص وما اكتسبه من خلال تجربته الدراسية باليابان، وكان الامر كذلك بالنسبة لي وأردت أن أطبق ما تعلمت فقمت بسؤال عدد من الأصدقاء والطلبة الدارسين باليابان فوجدت بعض الإجابات على النحو التالي:

١- عندما كنت أعيش ببلدي السعودية، كنت لا أٌبالي كثيراً بما يعتقد الآخرين تجاه ما أقوم به من أفعال وأقوال. ولكن بعد مجيئي لليابان والدراسة بها، أدركت أنه ينبغي على الانسان أن يرى العالم بأعين الآخرين أيضاً وليس فقط من خلال ما يراه هو، مما جعلني أتعلم أن أكون قادراً على التحكم فيما أقول وأفعل. (طالب بكلية الهندسة. سعودي).

٢- خلال فترة دراستي باليابان أدركت شيئاً هاماً من خلال تواصلي ونقاشي مع اليابانيين، وهو أنّ التشبثَ برأي الشخص والتصميم على إقناع الآخرين به هو شيٌء غير جيد في كل الأحوال وأنه بخلاف الطريقة الغربية في التواصل مع الآخرين والتي تقوم على مدى القدرة على إقناعهم بالرجوع الى مفاهيم العقل والمنطق، سيما وانه توجد طريقة أفضل – وهي الطريقة اليابانية في التواصل – والتي تعتمد على أن تكون قادراً على التواصل مع الآخرين من خلال مراعاة مشاعرهم حتى وإن اختلفوا معك ( طالب بكلية الدراسات العليا. مصري).

وبالطبع أعلم أن هذا ليس إلا جزءاً يسيراً من الآراء وليس بالضرورة أن يكون معبراً عن كل الآراء، ولكن يتضح لنا أيضاً أن الطلاب الذين مرو بتجربة العيش والدراسة باليابان يبدوا وأَنَّهم مهتمون بالجوانب الفكرية والروحية للثقافة اليابانية مثل روح الجماعة واحترام مشاعر الآخرين وبناء الثقة معهم وفكر الولاء والإخلاص والاهتمام بعنصر الجمال في كل شيء من حول الانسان وعلى نحوٍ أكثر بكثير من اهتماماتهم التي يولونها تجاه القيمة الاساسية من الدراسة في اليابان من اكتساب العلوم والتقنيات الحديثة. 

هذا وقد سعت الحكومة اليابانية في الآونة الاخيرة ولاتزال لجلب الدارسين الأجانب من كافة أنحاء العالم ووضع استراتيجية جديدة من أجل عولمة الجامعات اليابانية، حيث أطلقت في إطار ذلك خطة قومية تحت اسم “خطة الثلاثمائة الف طالب أجنبي”، حيث تهدف من خلالها استحداث (innovation) أنظمة جديدة مبتكرة بقطاع التعليم الدولي المرتبط باستقطاب وجذب الطلاب الأجانب. ولكن يبدو لي أنه ماتزال هناك مشكلة تكمن في وجود عدد كبير من الجامعات الغير قادرة على وضع تصور فعلي لتلك المتغيرات والاستحداثات المطلوبة.

ولكن قبل ذلك ما الذي تعنيه كلمة استحداث أو ابتكار في الأصل؟ حسب التعريف المتفق عليه فإن ما تعنيه كلمة (innovation) في الأصل هو خلق قيمة إضافية جديدة لشيء ما، ولكن إذا ما فٌسر مفهوم الـ innovation كما ما نراه الان والذي يتجلىّ على شكل محاولات تقوم بها الجامعات اليابانية عن طريق استخدام طرق معتادة زهيدة الثمن مثل تطعيم الأقسام الدراسية باللغة الانجليزية من أجل خلق وبيع سلعة غالية الثمن تتميز بها اليابان فقط، الا وهي التعليم الجامعي حينذاك لن نستطيع القول أن المعنى المنشود من هذه الكلمة قد تحقق وبالتالي لن تكون أيضاً القيمة الإضافية لها على مستوىً عالٍ.

لذا أرى أنه يجب أن تكون فرص الدراسة والتعلم باليابان وفيرةً وبحيث يجب أن تكون هذه التجربة ناجحة أو السلعة رابحة إذا استخدمنا مجازياً التعبير التجاري يجب أن تتميز بقدرتها على إثراء حياة هذا الانسان أو ذلك الطالب من خلال امداده بقيَمٍ فكرية وفلسفية جديدة الى جانب القيمة العلمية، وذلك حتى تستطيع اليابان بيع تلك السلعة لكافة دول العالم، نعم المطلوب الان هو أن تعمل المؤسسات والجامعات اليابانية على إيجاد واستحداث هذه القيمة الفريدة لنموذج التعليم الجامعي الياباني والتي يجب ان تكون مرتبطة بشروط كل من الدراسة والعيش في اليابان.

يمكنك قراءة الجزء الأول بالضغط على هذا الرابط

كلمات مفتاحية:
  • [17/02/2014]

أستاذ مشارك بجامعة طوكاي ومسؤول قسم الإشراف الأكاديمي بسفارة المملكة العربية السعودية بطوكيو. ولد بمحافظة القاهرة عام ١٩٧٥. حصل على درجة الدكتوراه في علوم اللغة اليابانية وآدابها من جامعة Gakushuin اليابانية، كما عمل على ترجمة أخبار الجزيرة التي تم بثها على نفس القناة مثل تصريحات الامبراطور الياباني وعدد من الرؤساء العرب. وعمل كمستشار للملحق الثقافي في السفارة السعودية. عمل بهيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية NHK من خلال برنامج تعليم اللغة العربية. وله العديد من المؤلفات الخاصة بتعليم اللغة العربية والمقارنة بين الثقافتين العربية واليابانية.

مقالات ذات صلة
الأعمدة الأخرى

المقالات الأكثر تصفحا

مدونات المحررين جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)