الوجه الآخر للمونديال: فقر ومظاهرات وقمع

ياناي يوميكو [نبذة عن الكاتب]

[27/06/2014] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | ESPAÑOL |

عند كتابة هذا المقال كان قد مر أكثر من ١٠ أيام منذ انطلاق نهائيات كأس العالم التي تقام بالبرازيل في ١٢ يونيو/ حزيران. حيث بدأت البرازيل البلد المضيف للمونديال بالفوز على كرواتيا في المباراة الافتتاحية، كما فازت كل من الأرجنتين وألمانيا وهما مرشحتان بقوة للفوز باللقب العالمي، في حين وَدّعت إسبانيا بطلة النسخة الأخيرة البطولة مبكرا في مفاجأة من العيار الثقيل بعد هزيمتين أمام كل من هولندا وتشيلي. أما المنتخب الياباني فهو في وضع صعب للغاية بعد الهزيمة من ساحل العاج والتعادل مع اليونان. ومع سطوع الـ ٣٢ الدولة المشاركة تدريجياً حاولت هذه المَرّة تسليط الأضواء على الأحداث والقضايا الإيجابية والسلبية خارج أسوار الملعب.

الإشادة بأخلاق الجمهور الياباني لجمعه النفايات بعد المباراة

المشجعون اليابانيون يجمعون القمامة بعد انتهاء مباراتهم مع اليونان. (الصور مقدمة من جيجي).

لقد كان من الواضح في هذا المونديال التشجيع المتزايد لليابان والذي كان حاضراً بقوة في المدرجات. و يقال أن ما يقرب من الـ ٧٠٠٠ مشجع حضروا مباراة ساحل العاج، لكن العدد الفعلي كان أكثر من ذلك في المدرجات كَمَا قام البرازيليون الذين ينحدرون من أصل ياباني أيضاً بتشجيع المنتخب الياباني، وكذلك العديد من المشجعين البرازيليين للمنتخب الياباني مما أضفى على الإستاد طابعاً يابانياً طاغياً. وكان هناك العديد من المشجعين البرازيليين الذين وضعوا عصبةَ الرأس التي تحمل ألوان العلم الياباني المميزة والتي قام المشجعين اليابانيين الذين جاءوا من اليابان خصيصاً لتشجيع منتخب بلادهم بتوزيع آلاف منها مجاناً. وجدير بالذكر أن هنالك عدد كبير من المثقفين البرازيليين ذوي الأصول اليابانية ممن يحظون بقدرٍ عالٍ من العناية والاحترام، لكن هذه المرة كان هناك حدث رفع الأسهم اليابانية بشكل ملحوظ. حيث تلقى المشجعون اليابانيون الثناء والإشادة من كافة أنحاء العالم على تصرفاتهم بعد نهاية المباراة الأولى للمنتخب الياباني أمام ساحل العاج والتي انتهت بخسارة اليابان رغم تقدمها في الشوط الأول. فقد قام المشجعون اليابانيون بأخذ زمام المبادرة في جمع القمامة والنفايات من المدرجات دون توجيه من أحد. في حين غالباً ما يقوم المشجعون في أوروبا أو أمريكا الجنوبية بإلقاء وبعثرة القمامة والنفايات في حالة هزيمة فريقهم. إلا أن اليابانيين قاموا بجمع القمامة والنفايات بشكل دقيق حتى بعد الهزيمة. وقد استمر هذا السلوك في المباراة التالية ضد اليونان، حيث أشارت التقارير الإخبارية أن البرازيليين قاموا بجمع القمامة والنفايات جنباً إلى جنب مع اليابانيين ولم يكن هذا السلوك مرتبطاً بشكل أو بآخر بمباريات المنتخب الوطني فقط، لكن يمكن ملاحظة نفس السلوك في بطولة الدوري المحلي أيضاً. حيث كان مشهداً يعبر عن تصدير الثقافة وهو الأمر الذي تفخر به اليابان تجاه البرازيل.

عدد الجرائم يزداد بوتيرة متسارعة

وبينما يتواصل توافد المشجعين على مدن البرازيل الـ ١٢ التي ستحتضن مباريات المونديال من كافة أنحاء العالم قبل أيام قليلة من افتتاح المونديال، أصبحت مدينة ساو باولو – التي تعد مدخل البرازيل – وكراً للعصابات وللصوص. وقد أخذ ظهور الضحية تلو الأخرى في كل من مطار غواروليوس في ساو باولو، واستاد كورينثيانز الجديد الذى يحتضن الجولة الافتتاحية، وكذلك بشارع باوليستا الشهير بوسط المدينة.

المقر المؤقت للقنصلية اليابانية الذي تم إعداده في منطقة الوصول بمطار ريسيفي. (الصور مقدمة من الكاتبة).

وقد دعت القنصلية العامة لليابان في ساو باولو المسافرين من اليابان للبرازيل لتسجيل عنوان البريد الإلكتروني وتقوم بإرسال المعلومات المحلية الخاصة بالبرازيل، لكنيّ عند مجرد الاطلاع على أعداد الضحايا والتفاصيل الخاصة بتلك الحوادث أُصبتُ بإزعاج شديد. وقد تعرض معظم الضحايا للنشل والتي كان بعضها بسبب عدم توخي الحذر، وأصبح من الواضح أنها ليست مجرد بسبب عدم وعي اليابانيين بالمخاطر. فلم يقتصر استهداف الضحايا من اليابانيين فقط بل شمل كل الأشخاص من كافة دول العالم. ولم يستهدف المشجعين العاديين وحدهم فقط بل وصل الأمر لاستهداف العاملين بالمجال الإعلامي على الرغم من اعتيادهم على البلدان الأجنبية. كما كان عدد حوادث السرقات في حد ذاته أمراً مذهلاً أيضاً. ومن بين الـ ١٢ مدينة التي تحتضن منافسات المونديال فإن مدينة ريسيفي تعد واحدة من أكثر المدن في معدل حدوث الجرائم، لذلك يقوم موظفو السفارة اليابانية بتوزيع منشورات تحذيرية بمنطقة الوصول الخاصة بالمطار. وهو شيء لم يحدث في كأس العالم بجنوب أفريقيا المعروفة مسبقاً بمعدل جريمة مرتفع للغاية.

مقاومة المجرم ولو كان طفلاً قد يشكل خطراً على الحياة

وكما وَرَد بمنشورات التحذير: ”البرازيل من الدول التي تحدث بها الجرائم بوتيرة مرتفعة للغاية على مستوى العالم. كما تستخدم الأسلحة النارية في أغلب الجرائم، وإذا ما أظهرت الضحية أي نوع من أنواع المقاومة هناك احتمال أن يتم قتلها والتخلص منها“. وعلى عكس المتوقع فإن الأطفال خاصة هم الأكثر خطرا. لماذا؟

وفقا لبعض المواطن البرازيليين من أصول يابانية ”طلبت الحكومة من عصابات الجريمة المنظمة التحلي بالهدوء أثناء منافسات البطولة“. لكن ”لا يمكن فرض السيطرة على الأطفال“ لكن الأمر كان كذلك كما اعتقدت. وقد كُتب بوضوح في المنشورات التي تم توزيعها بمدينة ريسيفي ”إذا تعرضت للسرقة بالإكراه لا تقاوم أبداً الخصم حتى لو كان طفلاً و اخرج ما لديك من مال وناوله إياه ببطء وتؤدة“.

إضراب عمال النقل يصيب حياة المواطنين بالفوضى

وقد كان هناك العديد من أشكال المظاهرات التي تنادي بمجانية وسائل المواصلات وكذلك المظاهرات المعارضة لاستضافة المونديال أثناء بطولة كأس العالم للقارات التي أقيمت أيضا بالبرازيل في يونيو/حزيران ٢٠١٣، يذكر أن اشتباكات دامية جرت في شارع باوليستا بالذات الصيف الماضي خلال مظاهرات عارمة منددة بتنظيم كأس القارات، كما شهد الشارع أيضا تجمع نحو ٢٠٠ ألف متظاهر في الفترة ذاتها ضد تنظيم كأس العالم الذي كلف عملاق اقتصاد أميركا اللاتينية أكثر من ١٥ مليار دولار. وقد اتسعت رقعة تلك المظاهرات الآن أثناء المونديال.

ويشارك في المظاهرات بشكل عام العديد من التجمعات والأطراف. ويكون محورها الأساسي مجموعات من المواطنين العاديين والمجموعات المتطرفة، لكن أحياناً تندلع مظاهرات لمثلي الجنس والسكان الأصليين للبلاد. كما تجري هناك أيضاً احتجاجات من قبل طلاب الجامعات. وعلى الرغم من كل تلك الاضطرابات فإن سلطات الشرطة في جميع أنحاء البلاد تقوم بجمع المعلومات مقدما عن المظاهرات، وتقوم بإرسالها إلى كل القنصليات والسفارات الأجنبية. ولقد سبق لي أن شاهدت مسيراتٍ عنيفة للمتظاهرين بعد أن قاموا بغلق الطريق السريع وحرق الإطارات خلال بطولة كأس العالم للقارات عام ٢٠١٣. لكن ضباط الشرطة الذين هرعوا للمكان كانوا يرقبون الموقف عن بعدٍ فقط. ومع انتهاء إحراق الإطارات يبدأ المتظاهرون في التفرق والمغادرة في نفس الوقت. وفي نهاية الأمر عندما تنتهي المظاهرة فإنها لا تترك أثاراً تذكر سوى على حركة المرور وذلك نظراً بسبب غلق الطرق.

لكن ما يتسبب في المتاعب أكثر من المظاهرات هي الإضرابات، خاصة الفوضى التي حلت بالمرور في البلاد قبل بدء فاعليات المونديال بسبب إضراب عمال النقل العام. وقد ارتفعت أصوات الجماهير القادمة لمشاهدة المونديال بالشكوى قائلين ”لا أستطيع أن أذهب إلى أي مكان“ وقد سبق وقامت شرطة مدينة ريسيفي بالإضراب في شهر مايو/أيار، مما حول المدينة كلها إلى منطقة ينعدم فيها القانون، فانتشرت أعمال السلب والنهب التي جرت دون رادع. بالطبع ولحسن الحظ لا يوجد مثل تلك الحوادث بعد بدء المونديال، ولكن لا يسعنا سوى أن نأمل أن يستمر الوضع كما هو حتى النهاية  بطريقة أو بأخرى.

حياتنا أهم من تتويج البرازيل باللقب !

يوجد في أنحاء البرازيل بائعون ممن يبيع قمصان البرازيل. ويوجد على القمصان اسم اللاعب نيمار ومزينة بالرقم ١٠ . (الصور مقدمة من جيجي).

وقد اتخذت من مدينة ايتو بولاية ساو باولو قاعدةً معسكر المنتخب الياباني وكانت بالنسبة لي منها نقطة أساسية للحياة في البرازيل. ويوجد في تلك المدينة العديد من الشركات اليابانية مثل تويوتا وكيرين للبيرة، كما أنها تعد من أغنى المدن بولاية ساو باولو. وفي أول يوم أحد الذي يوافق ١٥ يونيو/حزيران وبعد افتتاح فاعليات البطولة ذهبت للتجول في مركز تجاري كبير بالمدينة، وكان مزدحماً بعدد كبير من المتسوقين. وبالنظر لنوعية السلع التي تباع في المتاجر وكذلك ملابس الزبائن ونحو ذلك، تأكدت أنها مدينة غنية جدًا. ثم فجأة نادتني سيدة في منتصف العمر بالإنكليزية. وحيث أن عددَ من يستطيع التحدث باللغة الإنكليزية في البرازيل قليلٌ فقد توقفت وتجاذبت معها أطراف الحديث في العديد من الأمور، وقد أكدت لي تلك السيدة معارضتها القوية لإقامة المونديال بالبرازيل قائلةً: ”لقد فازت البرازيل في مباراة الافتتاح، ولكن لا يوجد من هو سعيد لذلك. فانا لست الوحيدة التي لا تتمنى فوز البرازيل بكأس العالم فلو فازت البرازيل باللقب فسيتم إعادة انتخاب الرئيسة الحالية ديلما روسيف لفترة رئاسية جديدة في شهر أكتوبر/ تشرين الأول القادم. ما الذى يمثله الفوز بكأس العالم؟ إن حياتنا أهم من كأس العالم. يجب على الدولة أن تضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد وقطاع التعليم“. لقد كان ذلك وقتاً ثميناً تَّمكنتُ خلاله من سماع أصوات المواطنين وصرخاتهم الحقيقية. ومع ذلك، فإني أعلم أيضا أن هناك الكثير من البرازيليين الذين فرحوا بالفوز وبطبيعة الحال منهم من يأمل أن تتوج باللقب العالمي في نهاية المطاف. وفي نفس الوقت عندما تلعب البرازيل يأخذ المواطنون إجازة من العمل ويتحمسوا ويشجعوا بحرارة أثناء المباراة، وهي حقيقة لا يوجد بها أي مجال للشك أيضاً.

(المقالة الأصلية باللغة اليابانية بتاريخ ٢٣ يونيو/ حزيران ٢٠١٤، الصورة في أعلى الصفحة : مشجعون برازيليون من أصل ياباني أثناء المباراة مع ساحل العاج، وهي مقدمة من جيجي برس).

  • [27/06/2014]

كاتبة متخصصة بالرياضة. ولدت عام ١٩٦٦ في هوكايدو. عملت بعد تخرجها من جامعة هوكايدو في جريدة سبورت نيبون. لها العديد من المؤلفات الخاصة بدوي كرة القدم الياباني (J.League).

مقالات ذات صلة
الأعمدة الأخرى

المقالات الأكثر تصفحا

مدونات المحررين جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)