الكلمات الدخيلة تهدد اللغة اليابانية

إيهاب أحمد عبيد [نبذة عن الكاتب]

[09/07/2014] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | Русский |

لفت انتباهي في القطار وأنا في طريقي للجامعة كالمعتاد محادثة بين تلميذين في المرحلة الإعدادية، استعمل فيها واحد منهما كلمة ”nostalgic“ للسخرية من ملابس الآخر مما جعلني أفكر كم عمر هذا الصبي الصغير حتى يستعمل كلمة مثل ”nostalgic“، ومتى سيتوقف استعمال الكلمات الأجنبية في الحياة اليومية في اليابان.

وعلى صعيد آخر نشاهد ونسمع في الأخبار عن ياباني في الحادية والسبعين من عمره من مدينة ”ناغويا“ بمحافظة ”أيتشي“ قام في شهر يونيو/حزيران من العام الماضي برفع دعوى قضائية على هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية ”NHK“ طالب فيها بتغريمها مبلغ مليون ين ياباني تعويضاً عن الأضرار النفسية التي يسببه الإفراط في استعمال الكلمات الدخيلة في اللغة اليابانية. حيث أنه يعاني من الصعوبة في فهم الكلمات الأجنبية الدخيلة التي تتدفق بلا توقف في اللغة اليابانية. وبسبب حرصه الشديد على اللغة اليابانية أقام تلك الدعوى ليس بهدف الحصول على مبلغ التعويض، بل ليقوم بتوصيل رسالته لمحطة التلفزيون القومية الوحيدة فى البلاد  ”NHK“.

اللغة اليابانية حالة خاصة بين لغات العالم

الكلمات الدخيلة في اللغة اليابانية هي كلمات يرجع أصلها إلى لغات أجنبية وتكتب بصفة عامة بحروف ”الكاتاكانا“ وأقدمها كان من اللغة البرتغالية والهولندية أما الآن فمعظمها مأخوذة من اللغة الانكليزية.

على سبيل المثال كلمة ”Smart“ والتي تعني ”ذكي“ في اللغة الإنكليزية ولكن أصبحت تعني ”نحيف القوام“ في اللغة اليابانية الآن. كما أن اليابانيون يستخدمون كلمة ”Strawberry“ عندما يريدون التعبير عن علكة أو أيس كريم بنكهة الفراولة بينما يستخدمون كلمة ”ichigo“ عندما يريدون الإشارة إلى الفراولة كفاكهة فقط! أو الإشارة إلى حقل فراولة، مما يعني أن اليابانيين يميزون في استعمال تلك الكلمات حسب السياق أو الموقف الذي ذكرت به. ويمكنك أن تقيس على ذلك العديد من الكلمات في مجالات أخري.

فاستعارة اللغة اليابانية كلمات من لغة أخرى لم تكن موجودة بها أو أن تلك الكلمات تعبر عن مفاهيم خاصة بتلك اللغة الأخرى شيء مقبول ومنطقي. لكن أرى أنه لا داعي لاستعمال أو استعارة كلمات أجنبية في اللغة اليابانية طالما أن هناك البديل أو كلمات تكفي تماماً للقيام بالغرض في اللغة اليابانية. فهل فعلاً اللغة اليابانية باتت فقيرة وعاجزة عن توفير كلمات تستخدمها بدلاً من الكلمات الدخيلة التي لا يتوقف تدفقها على اليابان مثل أمواج التسونامي.

تتكون مفردات اللغة اليابانية من حوالي ٣٣٪ كلمات يابانية الأصل تسمى ”wago“ وحوالي ٤٩٪ كلمات من أصل صيني تسمى ”kango“ وحوالي ١٨٪ كلمات دخيلة من أصل أجنبي غير صيني. تحتل اللغة الإنكليزية الصدارة فيها حيث ينتشر استعمالها في كل المجالات مثل الانترنت وعناوين الأفلام. ولا أنكر أن استعمال كلمات دخيلة أو أجنبية يزيد من ثراء تلك اللغة ولكن في حدود، حيث أن الكلمات الدخيلة طوفان عارم يهدد اللغة اليابانية بشكل كبير.

هل اللغة اليابانية عاجزة عن توفير كلمات ؟

من الغريب أن كلمة ”دخيل“ تستعمل في مواضع أخرى في عالم النبات والأسماك عند التعبير عن الخطر الذي يهدد تلك الأنواع الدخيلة للأنواع اليابانية. ولكن لا ينطبق هذا الكلام على اللغة اليابانية بل يكاد الخطر أن يتلاشى بل لا يكون هناك خطر من الأصل عند التحدث عن الكلمات الدخيلة في اللغة اليابانية.

وهنا أتساءل هل استعمال الكلمات الأجنبية من الأناقة لهذه الدرجة! هل استعمال الكلمات اليابانية مخزٍ لهذه الدرجة؟ هل تبدو الكلمات الأجنبية الدخيلة أكثر جاذبية من اللغة اليابانية؟ لقد أسس مجمع اللغة اليابانية عام ٢٠٠٢ لجنة للتصدي لتلك القضية وقامت اللجنة باقتراح كلمات بديلة للكلمات الدخيلة لما يقرب من ١٧٦ كلمة. ولكن للأسف لم ترى محاولات تلك اللجنة النور ولم يكن لها أي صدى على الإطلاق.

ولنحاول تقريب الموضوع للقارئ بعرض بعض الأرقام. تضم الطبعة السادسة لأكبر معجم للغة اليابانية يحظى بشعبية كبيرة بين اليابانيين ما يقرب من ٣٤٠٠٠٠ مفردة بينما نجد أن قاموس الكلمات الأجنبية في اللغة اليابانية يضم ٥٦٣٠٠ كلمة أجنبية تكتب بالكاتاكانا بالإضافة إلى ٨٢٠٠ مفردة تعبر عن اختصارات تستعمل في اللغة اليابانية مما يدل على توغل الكلمات الأجنبية ومدى تأثر اللغة اليابانية بها.

أنا لا أزعم كما يروج البعض أن اللغة اليابانية ستندثر أو أنها لغة مهددة بالانقراض، ولكن بوصفي شخصاً عاشقاً للغة اليابانية أوجه رسالة إلى كل مواطن ياباني يغار على جمال لغته أن يعيد التفكير في مواطن جاذبيتها، وأن يحاول التقليل من استعمال الكلمات الدخيلة. لا شك أن دخول الكلمات الأجنبية يزيد من مرونة اللغة اليابانية، ولكن في نفس الوقت لدي قلق بالغ من الإفراط في استخدام تلك الكلمات دون داع. كما أدعو المسؤولين في وزارة التعليم بأخذ زمام المبادرة من أجل العمل على زيادة الوعي للتلاميذ بداية من المرحلة الإعدادية لاستخدام الكلمات اليابانية البديلة المتاحة، والتقليل من استخدام الكلمات الدخيلة. كما أقترح إدراج ذلك على شكل فوازير في برامج المنوعات اليابانية بهدف الحث على استعمال الكلمات اليابانية البديلة.

  • [09/07/2014]

ولد بمحافظة الجيزة عام ١٩٧٠، حصل على ليسانس الآداب من قسم اللغة اليابانية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة عام ١٩٩١، ثم ماجستير من قسم الدراسات اللغوية والثقافية بجامعة أوساكا عام ١٩٩٧. تدرج في العمل من مدرس مساعد بقسم اللغة اليابانية كلية الآداب جامعة القاهرة، ثم مدرس زائر بجامعة طوكيو للدراسات الأجنبية في الفترة ما بين ٢٠١١ حتى ٢٠١٥، يعمل الآن كمدرس بالمعهد العربي الإسلامي في طوكيو التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. قام بتأليف وترجمة قاموسين ”ياباني عربي“ بالإضافة إلى كتب تعليمية لخدمة دراسي اللغة العربية من اليابانيين.

مقالات ذات صلة
الأعمدة الأخرى
  • Hesham Saad

    أشاطرك الرأي أستاذ إيهاب..أنا مقيم باليابان منذ 28 عاماً و لدي إبن و إبنة من زوجة يابانية ولدا و ترعرعا في اليابان..لقد درست اللغة اليابانية في جامعة ناجويا وأستخدمها بطلاقة و بدون مشاكل.. ومع هذا أشعر بغربة عند التحدث مع أبنائي أو خلال ركوب وسائل المواصلات و السماع لمحادثات تلاميذ المدارس الثانوية و الجامعات و حتي الشابات..أشعر أنني في بلد آخر..حتي أن أبنائي يطلبون مني العودة لإستذكار اللغة لأن لغتي موضة قديمة و لا تستعمل اليوم!! و الحقيقة أن برامج التليفزيون ووسائل الإعلام المقرؤة تلعب دوراً سلبياً في نشر كلمات و مفردات و عبارات غريبة بين الأطفال و الشباب.. ولك أن تري العبارات التي تثير الضحك و المطبوعة علي ملابس البعض.. كما تعلم أن ثقافة اليابانيين تتوقف علي عبارات المديح كثيراً و لذلك فإن الأهم هو المظهر الخارجي..فهم يحكمون علي الطعام من شكله قبل أن يتذوقوه و هكذا الملبس و كل شيئ..و إستخدام كلمات و عبارات أجنبية غير مألوفة و أحياناً حروفاً أجنبية تكتب بشكل كوميدي حتي حروف اللغة العربية و تطبع علي الملصقات و الملابس بغرض جذب أعين الناس..أما المحتوي فلا يهتم به أحد كثيراً.. نحن نعيش عالم السرعة في كل شيئ..وأجيال العصر الحالي ليس لديهم الصبر علي سماع أغان طويلة و لعب الطاولة أو الشطرنج مثلاً هم يريدون الضغط علي زر الكمبيوتر أو الريموت كنترول لتغيير المشهد و تحويله لما يرغبون فيه..و حب التغيير السريع قد أصاب اللغة..وهي مشكلة عالمية و ليست في اليابان فقط..أنظر إلي كلمات العرب أنفسهم لا تفهم معظمها.. الكل يستخدم عبارات بدون وعي و لا فهم لمعانيها لمجرد أن شكلها جذاب و غريب..اللغة اليابانية لن تندثر إلا إذا إندثر الشعب الياباني.. سيكبر هؤلاء الشباب و يزدادوا عمراً و يشعرون بالغيرة علي لغتهم و سيعملون للحفاظ عليها.. ليت شعوبنا العربية تقوم بنفس الفعل..أيضاً برجاء ألا تنسي أن أعداد المتجنسين بالجنسية اليابانية سواء من أصل ياباني أو غيره يزداد بشكل مضطرد كل عام و يأتون معهم بكلمات من البلاد الأصلية التي ولدوا و نشأوا بها.. الثقافة اليابانية تسمح بدمج كل شيئ و إستيراده ثم إذابته في بوتقة واحدة و إعطائه الشكل اليابني وهذا السر العجيب في إستمرار و توحد الشعب متعدد اللهجات و الثقافات..

  • يابانية ك

    السلام عليكم
    أعجبتني كثيرا مقالة أستاذ إيهاب وتعليق أستاذ هشام أيضا، وأشكركما في الكلام بصراحة. أنا يابانية وموافقة لآرائكما تماما. فأنا كل يوم وطول الوقت أصيب بشعور غير مريح حين سمعت التلفاز وحين قرأت ما كُتب على الانترنيت وحتى حين قرأت الجريدة بسبب هذه المشاكل في اللغة اليابانية ، ليس فقط الكلمات الدخيلة بل كلمات جديدة غريبة وكلمات مختصرة جديدة مع أن الاختصار غير ضروري ، كما أخطاء في القواعد وأخطاء في لغة الاحترام وتنبير خاطئ ولفظ غريب إلخ.
    أتذكر أن الياباني قام برفع دعوى قضائية على المحطة التلفزيونية. كنت أشجعه داخل قلبي. وأنا أيضا أكتب رأيي أو أشير إلى أخطاء في بعض الأحيان، ولكن تدريجيا تعبت من أن أقول رأيي. أشعر بأن لم يعد يمكننا أن نوقف تغيير سريع اللغة اليابانية هذا.
    ولكن إذا أنتم الأجانب طلبوا اليابانيين بشدة من أن يهتموا بلغتهم أكثر، من المحتمل أن يكونوا أحسن، فاليابانيون يحبون أن يعرفوا ما يشعرون به الأجانب عنهم. أتمنى لكم ذلك.

  • خوله

    انت حافظ على اللغة الفصحى الاول التي بدأت تنقرض بمصر تماما.. بعدين حل مشاكل اليابانيين ومصر هي بلدك وهي اولى واترك اللغة اليابانية لليابانيين هم يحلوا مشكلتهم وهم اعرف فيها..لا يمكنني التدخل في حل مشاكل بلد بمجرد ااني ادرس لغتها او سبق ان عشت بها

  • http://www.coolkora.com Ayman Gaber

    يعني وقت ماجي اتعلم ياباني .. الاقي المقالة دي :D
    انا شايف اساسا ان الشعب الياباني من افضل الشعوب محافظة على تراثة و حضارتة و عاداتة و تقاليدة
    بالرغم من انه الاكثر مواكبة لاحدث التكنولجيا و الاحداث العالمية التي تعتبر دخيلة
    لا اظن ان اللغة اليابانية ستندثر … و لا الحضارة و التقاليد اليابانية

المقالات الأكثر تصفحا

مدونات المحررين جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)