رحلة البحث عن عمل في اليابان: الفرص والتحديات

أوئهارا يوشيكو [نبذة عن الكاتب]

[20/07/2016] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS | ESPAÑOL |

تعج أحياء طوكيو مؤخرا بالسياح الأجانب حيث لا يمر يوم إلا وتصطدم بأحدهم هنا وهناك. ترى كيف يرى الأجانب الطلبة حديثي التخرج من الجنسين الذين يرتدون زيا أقرب إلى الموحد في بدل سوداء داكنة تختفي ورائها الصفات الشخصية أقل فردية من الصورة التقليدية للموظفون في اليابان؟ هؤلاء الشباب في الواقع يقومون بعملية البحث عن وظيفة، والتي تتسم بوحدة الزمان مثل المواسم السنوية، لتزدحم بهم الطرقات والشوارع والمواصلات العامة مما يثير علامات استفهام وتعجب السياح الأجانب.

عند البحث عن وظيفة في اليابان يقوم الطلبة في أغلب الحالات بما يطلق عليه باليابانية

”شوشوكو كاتسودو 就職活動“ أو اختصارا ”شوكاتسو 就活(*١)، حيث يبدأ الطلبة بالتفكير في وظيفة المستقبل في الصف الثالث من الدراسة الجامعية، ويقوموا بالاشتراك في العديد من الندوات سواء كان لها علاقة بالتخصص الذي يدرسونه أو تختلف اختلافا جزئيا أو كليا عما يدرسوه، ثم يقدموا طلبات التوظيف للشركات المختلفة التي يودون العمل بها في الصف الرابع، وبعد عملية الفرز والاختيار من قبل الشركات يفوز المتقدم بموافقة رسمية من الشركة 内定(*٢)، وكذلك في معظم الحالات يقوم الطالب بالتخرج والحصول على الوظيفة في نفس الوقت. وبخصوص الجدول الزمني الخاص بالتوظيف يقوم كل من القطاعين العام والخاص بتلك العملية جنبا إلى جنب دون تمييز وهو أمر معتاد عليه في اليابان منذ وقت طويل وربما تختص به اليابان عن غيرها من الدول.

يوجد بالجامعات اليابانية قسم للتوظيف ومركز للتطوير الوظيفي بمساعدة الطلاب الباحثين على وظيفة، يقوم بتقديم العديد من الخدمات مثل توفير المعلومات الخاصة بفرص التوظيف التي يتم الحصول عليها من الشركات المختلفة، كما يعمل على توفير الدعم المعنوي والتوجيه لندوات العمل، والمقابلات الفردية وغير ذلك بسعة صدر وترحاب. بمعنى أن الجامعة تقوم بالإضافة إلى التعليم والأبحاث، أصبحت تلعب دورا بالغ الأهمية في تربية وتعليم وإرشاد ”الشباب الصغار“ الذين يفتقدون للحس المجتمعي حتى يصبحوا ”بالغين“ في فترة زمنية قصيرة. ويقود مستشارون متخصصون عملية تقديم الدعم اللازم والضروري للطلبة بخصوص البحث عن وظيفة، حيث أن أعضاء هيئة التدريس في الجامعة بما في ذلك أنا شخصيا وعلى الرغم من شغلي منصب مدير التوظيف في الجامعة، من المستحيل أن نقوم بتقديم الدعم اللازم للطلبة في غياب الخبرة في عالم الأعمال التجارية والشركات. وفي ظل ظروف الوقت الحاضر من انخفاض في عدد المواليد أصبح أمر ضمان وتأمين الطلبة في الجامعات على المحك. وتقوم وسائل الإعلام المختلفة بتغطية وضعية التوظيف للطلبة في الجامعات اليابانية المختلفة حيث تصبح نقطة تسويق هامة للجامعات، مما يخلق جوا من التنافسية ويجعلها تقوم بتقديم الدعم اللازم للطلبة بكل قوة وترحاب شديدين من أجل حصول على وظيفة ـ (بالطبع، الدعم المبالغ فيه والإفراط في تشجيع الطلبة يعود برد فعل عكسي ويفقد الطالب استقلاليته).

وأثناء عملية البحث عن وظيفة، تصيبني الدهشة كل عام لتحول الطلبة الذين كانوا مستهترين ويتعاملون مع الأمور بمنطق المفعول به فجأة ليتحدثوا بلغة مهذبة وجادة، كما يبدأون في إظهار قدراتهم على القيادة. وربما يفقد الطلبة شيئا ما أثناء عملية تحولهم وتغيير جلودهم الشابة من مفعول بهم ليصبحوا أفرادا فاعلين في المجتمع، لكن على كل حال يولد ”رجل أعمال ياباني مبتديء“.

حالة من الغموض حول عملية البحث عن وظيفة

أصابت حالة عارمة من الفوضى عملية ”البحث عن وظيفة عام ٢٠١٦“ والتي انكشفت للعيان في صيف العام الماضي ٢٠١٥. حيث تم تأخير مواعيد التوظيف وفقا لـ”المباديء التوجيهية للتوظيف“ التي تقدم بها اتحاد الأعمال الياباني. تقليديا، تبدأ عملية الإعلان عن الوظائف المتوفرة لدى الشركات (الاجتماعات التوضيحية وتقديم الطلبات وما إلى ذلك) في الأول من شهر ديسمبر/ كانون الأول بالنسبة لطلبة الصف الثالث الجامعي. ومع بداية الفصل الدراسي الجديد في شهر أبريل/ نيسان تبدأ عملية فرز المرشحين للوظائف بشكل عملي (المقابلة الشخصية) والتي تم رفع الحظر عنها. لذلك تتداخل عملية البحث عن وظيفة خلال فترة دراسة الطلاب في الصف الرابع مما يتسبب في خلل في العملية التعليمية. لذلك فقد قامت الحكومة بالتدخل استجابة لنصيحة الجامعات واقترحت قيام الشركات والمؤسسات المختلفة بالبدء في الإعلان عن الوظائف المتوفرة في الأول من مارس/ آذار، وتأخير المقابلات الشخصية لتبدأ خلال الإجازة الصيفية في الأول من شهر أغسطس/ آب، وبناء على ذلك قامت الشركات والمؤسسات من الأعضاء باتحاد الشركات اليابانية والتي تأتي في المقدمة بتعديل الجدول الزمني الخاص بترتيبات عملية البحث عن وظيفة.

ومع ذلك سرعان ما وقع هذا النظام في حالة من الفوضى. فبطبيعة الحال تريد الشركات والمؤسسات المختلفة من جانبها ضمان الفوز بالطلبة المتفوقين مبكرا، لكن في نفس الوقت يجب عليها والامتثال الإجباري للمبادئ التوجيهية التي تم إقرارها. من ناحية أخرى، فقد قامت الشركات الأجنبية التي لا تقع تحت مظلة اتحاد الأعمال الياباني والغير ملزمة بالمباديء التوجيهية في نفس الوقت بتوظيف الطلبة الموهوبين والأكفاء مبكرا. كما قامت الشركات الصغيرة والمتوسطة الغير أعضاء باتحاد الأعمال الياباني ببدء عمليات التوظيف في وقت مبكر، ولكن خلافا للشركات الأجنبية والتي يتوقع أن تقوم بدفع أجور مرتفعة وفقا لقدرات كل موظف، فقد عكست رغبة الطلبة في العمل بالشركات المعروفة والشركات الكبرى تطلعهم للاستقرار، لذلك وجدت الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبة في الحصول على الطلبة رغم المغريات والميزات التي توجد بها.

وبالتالي يتم إنهاك واستفاذ الطلبة بسبب إطالة أمد البحث عن وظيفة، كما أن الشركات لا تستطيع تحقيق العدد المستهدف من الموظفين، ولم يتبقى سوى الإحباط لجميع الأطراف. ونتيجة لذلك، في ”البحث عن وظيفة عام ٢٠١٧“، تم تقديم مواعيد التوظيف شهرين لتبدأ في الأول من يونيو/ حزيران. ومع ذلك، فحتى لو اختار أي توقيت ستظهر المشاكل. ويمكننا القول إن نموذج التوظيف في وقت واحد له حدود في التعامل معه.

نقص القوى العاملة والضغط على الباحثين عن عمل

في خلفية هذا الارتباك هناك حالة من ”توافر فرص العمل“ جنبا إلى جنب مع انتعاش الاقتصاد الياباني. لقد تغير سوق العمل في اليابان في السنوات الأخيرة بشكل كبير بكل تأكيد. حيث بلغت نسبة العمالة الغير المنتظمة إلى ٤٠٪، في حين تشهد اليابان تراجع في متوسط الدخل، ونقص في العمالة بسبب مشكلة نقص المواليد الحاد وشيخوخة المجتمع والأخذتان في التصاعد والتفاقم. حتى أن حكومة آبي المعروف عنها الاتجاه المحافظ قامت بوضع سياسات ”مجتمع يستطيع كل أعضائه ١٠٠ مليون أن يكونوا فاعلين“ وتعيين وزير مسؤول عن تلك السياسات من أجل مكافحة النقص الحاد في عدد المواليد، كما قامت أيضا بتخفيف العديد من الإجراءات البيروقراطية من أجل استيعاب وقبول المهاجرين. إنها مشكلة وشيكة ستتعرض لها الشركات اليابانية.

وفي خلفية توافر فرص العمل نجد أن العديد من الطلبة المميزين يحصلون على موافقات رسمية للتوظيف من قبل الشركات والمؤسسات. ومع ذلك، فإن إدارة الموارد البشرية في الشركات لديها من المشاكل ما يزعجها ويجعلها في حالة قلق. فبينما تسعى الشركات لتوظيف الطلبة المميزين، يقوم الطلبة برفض الالتحاق بالشركة دون أدنى اكتراث حتى بعد وقوع الاخيتار عليهم، مما يؤدي لعدم الحصول على الموارد البشرية التي تحتاجها الشركات. وفي نفس الوقت هناك أصوات قوية تقول ”إذا كان من حق الشركة أن تختار الطالب، فمن الطبيعي أن يختار الطالب الشركة“.

في ظل تلك الظروف المحيطة انتشرت كلمة ”Owahara“ وأصبحت كلمة طنانة والتي تعني إجبار الطالب على إنهاء بحثه عن وظيفة بمجرد قبوله في إحدى الشركات. حيث تجبر إدارة الموارد البشرية في الشركات الطلبة الذين تم قبولهم بالتوقف عن البحث في شركات أو مؤسسات أخرى وهو ما يعد نوعا جديدا من التحرش والمضايقات على مستوى العمل. ويعد هذا التصرف مضايقة وتحرش بالنسبة للطلبة، لكنه أمر بالغ الأهمية والضرورة بالنسبة للشركات أو الطرف الذي سيقوم بالتوظيف. في نهاية ثمانينات القرن الماضي وقت أن كانت اليابان في أوج ازدهارها الاقتصادي أن الشركات اليابانية تقوم باصطحاب الطلبة الذين تم توظيفهم أو وقع الاختيار عليهم إلى منتجع بعيدا عن أي احتكاكات خارجية تحت مسمى التدريب حتى لا يهرب أحد منهم لشركة أخرى وهو شيء خيالي بالنسبة للأوضاع الآن، حيث أن الشركات اليابانية ليس لديها القدرات المتاحة لتقوم بذلك حاليا. كذلك كان عندما يذهب أحد الطلبة للاعتذار عن وظيفة بعد قبوله بها يقوم المسؤول عن الموارد البشرية بسكب الشاي على وجه الطالب. لكن في العصر الحالي زاد لدى الشركات الوعي بأن المتقدمين للحصول على وظيفة في الشركة هم في نفس الوقت عملاء محتملين للشركة وأصبحت الشركات لا تستطيع أن تتعامل بخشونة مع الطلبة. حيث يمكن للطالب أن يغرد على تويتر أو أن يكتب ما حدث له في أحد المنتديات على الشبكة العنكبوتية على الفور، مما يعرض الشركة لمخاطر كبيرة تتعلق بسمعة الشركة أمام الرأي العام واسمها في السوق.

(*١) ^ عملية البحث عن وظيفة بالنسبة للطلبة الجامعيين بشكل أساسي، يقوم الطلبة بحضور ندوات العمل الخاصة بالشركات التي يودون الالتحاق بإحداها، ثم يدخلون امتحانات القبول للشركات وهي تختلف بطبيعة الحال من شركة لأخرى، ثم المقابلة الشخصية التي تصل في بعض الحالات إلى ٥ مقابلات، بعد ذلك تصل ورقة رسمية بالموافقة على التوظيف من الشركات التي تم التقدم لها ليختار الطالب المكان الذي يريده.
(*٢) ^ هي ورقة رسمية تصدرها الشركات بعد الموافقة على توظيف المتقدم للوظيفة ويكتب فيها الاسم، تاريخ إصدار الورقة، عنوان الشركة. وتعامل هذه الورقة معاملة العقود الرسمية من الناحية القانونية ما لم يحدث تغير في موقف الطرفين. وفي حالة تراجع أحد الأطراف عن محتوى هذا العقد يجب أن يخبر الطرف الآخر بذلك قبل مدة كافية محددة سلفا.
كلمات مفتاحية:
  • [20/07/2016]

أستاذة في قسم الدراسات العالمية والتبادل بين الثقافات في جامعة فيريس. ولدت في مدينة فوكوكا في عام ١٩٦٥. متخصصة في تاريخ العلاقات الدولية الفرنسية. تخرجت عام ١٩٨٩ من قسم الآداب في جامعة طوكيو النسوية المسيحية. حصلت على شهادة الـ DEA في دراسة تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة من جامعة بانثيون السوربون. وتشمل الأعمال المنشورة مساهماتها في كتاب عام ٢٠١٢ بعنوان ”التوحيد الأوروبي وفرنسا: البحث عن العظمة“ وكتاب عام ٢٠٠٨ بعنوان ”المصالحة والشهامة بعد الحرب“. وقد نشرت عددا من الأوراق العلمية حول موضوعات مثل الوحدة الأوروبية والسياسة والدبلوماسية الفرنسية في عصر العولمة.

مقالات ذات صلة
الأعمدة الأخرى

المقالات الأكثر تصفحا

مدونات المحررين جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

أحدث المواضيع

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)