سياسة أوباما في آسيا بعد رحيل كلينتون: هل هي نهاية الواقعية؟

أوكازاكي هيساهيكو [نبذة عن الكاتب]

[14/02/2013] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS |

يقدم الدبلوماسي المخضرم أوكازاكي هيساهيكو تحليلاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ستتابع توجيه وتركيز سياستها الخارجية تجاه شرق آسيا بعد مغادرة هيلاري كلينتون وزارة الخارجية الأمريكية أو عمّا سيحدث في المستقبل.

في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما للشروع في بدء ولايته الرئاسية الثانية يُطرح في اليابان تساؤلاً عما إذا كانت واشنطن ستستمر بوضع منطقة آسيا المحيط الهادئ على قمة أولويات سياستها الخارجية. وهل سيستمر تركيز الولايات المتحدة على منطقة آسيا بعد مغادرة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون من منصبها؟

ليس بوسعي الإجابة عن هذا السؤال بثقة مطلقة، ولكني أتمنى أن ألقي بعض الضوء على هذه القضية بمراجعة التطور في سياسة واشنطن الحالية وعلاقتها بالمشهد العالمي الحالي.

النفعية وعواقبها

تشير كل الشواهد إلى أننا ندين بالفضل في إعادة توازن السياسة الخارجية الأمريكية إلى قيادة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون.

ومن الممكن تصنيف السياسة الأمريكية تجاه الصين خلال الأشهر العشرة الأولى من ولاية الرئيس أوباما كواحدة من التسويات فائقة السرعة. ففي سبيل ضمان نجاح الزيارة الأولى لأوباما إلى بكين والتي قررت في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٠٩، علقّت الحكومة أي عمل أو تصريح من الممكن أن يؤدي إلى تنفير القادة الصينيين. فقد أجّل البيت الأبيض بيع السلاح إلى تايوان كان سيجري في ذلك الصيف. كما رفض أوباما مقابلة الدلاي لاما في أكتوبر/ تشرين الأول ليصبح بذلك أول رئيس أمريكي يرفض الاستماع إلى زعيم التيبت الروحي بعد تكلفه عناء السفر إلى واشنطن. كما امتنعت إدارة أوباما بشكل مدروس عن الادلاء بأي انتقاد صريح لسجل الصين في حقوق الإنسان.

إلا أنه لم يتم إلغاء مقابلة الدلاي لاما أو بيع السلاح إلى تايون بشكل كامل، فما إن انتهت زيارة أوباما إلى بكين حتى سارعت الإدارة إلى اتخاذ إجراءات على هذين الصعيدين. وكردة فعل على تلك الخطوات المباغتة، علقت الصين التبادل العسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية،  كما اتجهت العلاقات الثنائية بينهما بسرعة للتوتر والجمود. ولايزال الجدل قائما بين المحللين حول الأسباب الدقيقة لردة فعل بكين الغاضبة، إلا أن التفسير الأكثر شيوعاً يُعزى إلى تنامي الصراعات الداخلية على السلطة قبل تغير القيادة في الحزب الشيوعي في ٢٠١٢ مما قد خلق جوا يميل فيه إلى المواقف المتشددة. كما أن النفعية الواضحة التي استخدمها الرئيس أوباما قبل زيارته يمكن أن تكون قد قوَّت من مواقف صقور بكين لجعل الولايات المتحدة تبدو ضعيفة. 

سياسة كلينتون في تطويق الصين

وطوال ذلك الوقت، احتفظت كلينتون برأيها دون الإفصاح عنه، في الوقت الذي أبدى فيه الرئيس رأيه في جملة من قضايا السياسة الخارجية سواء أكانت في السعي للحوار مع ديكتاتوريين مثل الرئيس الإيراني محمود أحمدى نجاد، الدعوة التخلص من الأسلحة النووية في براغ، إعلان النية الحسنة تجاه العالم العربي في القاهرة أو الدعوة إلى بذل الجهود لإعادة بناء العلاقات مع موسكو. بالفعل لم تقل وزيرة الخارجية الكثير خلال العام الأول حتى بدأت أعتقد أنها لا تحب إلقاء التصريحات بخصوص السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

ولكن كل ذلك تغير في يناير/ كانون الثاني ٢٠١٠ مع كلمة كلينتون السياسية في هونولولو. منذ ذلك الحين أخذت كلينتون بالكلام بصوت عال وواضح وكان إعادة التركيز على شرق آسيا ومنطقة آسيا المحيط الهادئ أكثر المواضيع التي أصرت عليها. حيث كان الهدف الاستراتيجي الضمني هو تطويق الصين، بالرغم من أنها لم تقل هذا صراحة. (لم تكن هذه السياسة في منحاها العام بعيدة عن ”قوس الحرية والازدهار“ الذي اقترحه رئيس الوزراء السابق السيد آسو تارو Asō Tarō في ٢٠٠٦ عندما كان وزيراً للخارجية).

وفي يوليو/ تموز ٢٠١٠ وخلال المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا ”أسيان“ في هانوي Hanoi تحدثت كلينتون عن حنق وغضب الجانب الصيني من خلال الخوض المعمق في قضايا النزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي. وفي سبتمبر/ أيلول من نفس العام وعقب تصادم بين سفينة صيد صينية وسفن يابانية تابعة لخفر السواحل بالقرب من جزر سينكاكو Senkaku المتنازع عليها أكدت كلينتون للحكومة اليابانية أن الجزر مشمولة بالاتفاقية الأمنية بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي وقت لاحق من خريف ٢٠١٠، قام كل من أوباما وكلينتون بشكل منفصل بجولة لمنطقة آسيا المحيط الهادئ عند مشاركتهما في قمة آسيا المحيط الهادئ للتعاون الاقتصادي في نوفمبر/ تشرين الثاني، ليرسما معاً دائرة رمزية كبيرة حول الصين. وقد بدأت جولة كلينتون في نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول، تضمنت توقفاً في كل من جزر هاواي وجوام وزيارات إلى فيتنام، ماليزيا، أستراليا، ونيوزيلاندا. بينما بدأت جولة أوباما بعد ذلك بعدة أسابيع والتي ركزت على الهند، إندونيسيا، كوريا، الجنوبية، واليابان.

وقد دافعت كلينتون طوال جولتها عن مباردتها للتركيز على آسيا حتى عند تأكيدها بلباقة على أن آسيا المحيط الهادئ تشكل أولوية لإدراة الرئيس أوباما الديمقراطية منذ اليوم الأول. وفي هونولولو بولاية هاواي على وجه الخصوص، أوجزت كلينتون سياسة إعادة الارتباط بشرق آسيا وتطويق الصين (بشكل ضمني). إلا أن أوباما لم يعلق كثيراً حول موضوع التركيز الجديد على آسيا، بعيدا عن افتتاحية مقالة في صحيفة شدد فيها على أهمية الصادرات إلى بلدان مثل الهند وأندونيسيا كمفتاح لزيادة الوظائف في الولايات المتحدة. والسؤال الذي يثير فضولي هل  كل من أوباما وكلينتون فعلاً يتشاركان نفس وجهة النظر فيما يتعلق بسياسة أمريكا الخارجية في آسيا؟

لقد وجدت الإجابة أخيراً على تلك الشكوك في خطاب أوباما في البرلمان الأسترالي في نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١١. لكنه جاء بعد عامين تقريباً من إيضاح كلينتون لرؤيتها.

التحول في السياسة الخارجية لأوباما

من السهل اكتشاف ازدواجية أوباما فيما يتعلق باستراتيجية كلينتون. فمنذ حملة الانتخابات الرئاسية في ٢٠٠٨، راهن أوباما على تبني نهج تحرري مثالي في السياسة الخارجية مؤكدا على فتح صفحة جديدة في العلاقات الروسية الأمريكية (التي أصابها التوتر في عهد الإدارة السابقة  بقيادة جورج بوش الإبن نتيجة لخطة الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء درع صاروخي في أوربا الشرقية وكذلك التدخل الروسي في جورجيا) وإجراء حوار مباشر مع قادة إيران وكوريا الشمالية، بالإضافة لخفض عدد الأسلحة النووية حتى التخلص منها تماماً في النهاية وبناء الثقة مع الدول العربية في الشرق الأوسط. 

وعلى النقيض، فالتركيز على آسيا كان سياسة محافظة بشكل أساسي ترتكز على الواقعية وتستند إلى سياسة ومنطق القوة. لم تكن تلك السياسة جزءاً من برنامج أوباما الأصلي، بل هي مبادرة كلينتون التي ترسخت بعد عامين من دعم وزيرة الخارجية الأمريكية لها.

إلا أن كلينتون أعلنت أنها سوف تتنحى في نهاية الولاية الرئاسية الأولى لأوباما، كما من المتوقع أن يغادر كورت كامبيل Kurt Campbell الذي نفذ سياسات كلينتون كمساعد لوزيرة الخارجية لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ. وإنني قلق من أن يفقد المحور الآسيوي الاهتمام بمغادرة داعميه الرئيسيين. ولكن هل سيستمر أوباما في سلك هذا الطريق الواقعي.

لكن هنالك بعض العوامل التي تدعو للتفاؤل في هذا الشأن:

العامل الأول هو الوضع الفعلي في العالم اليوم. إن أي شخص يوافق بالتأكيد على أن التحدي الأكبر في الشؤون الدولية في القرن الحادي والعشرين هو صعود الصين وما نتج عنه من تغير في موازين القوة على المستوى العالمي. لقد أعطت حادثة جزيرة هاينان(*) Hainan في أبريل/ نيسان ٢٠٠١ لمحةً عن نوع المشاكل التي يمكن أن تتصاعد في العقد القادم. ولكن بعد الهجمات الإرهابية في ١١ سبتمبر/أيلول من نفس العام حولت الولايات المتحدة الأمريكية اهتمامها ومصادرها إلى أفغانستان والعراق. إنها مفاجأة نادرة خصوصاً إذا أخذنا تأثير أحداث ٩/١١ على العقلية الأمريكية. لكنه تسبب بالفعل في إغفال واشنطن لاتجاهات أكبر في العلاقات الدولية. فقد توسعت الصين اقتصادياً وعسكرياً بشكل غير مسبوق، ومع انتهاء الحرب على العراق وانسحاب الجنود الأمريكيين من أفغانستان يتحول التركيز في السياسة الخارجية الأمريكية إلى الصين وشرق آسيا. من وجهة نظر موضوعية، سيكون من الصعب تبرير انعكاس التوجه الأمريكي هذا ببساطة بسبب مغادرة كلينتون وكامبيل.

العامل الثاني، التعديلات المحتملة في فريق أوباما الجديد للسياسة الأمريكية هو سبب آخر يدعو للتفاؤل. فبالرغم من أن التشكيلة النهائية للحكومة لم تتحدد بعد إلا أنه من المتوقع أن يقوم أوباما بتعيين صديقه الحميم توماس دونيلون Thomas Donilon بمنصب رئيسي علما انه يشغل حاليا منصب مستشار الأمن القومي وأن يبقي على مارك ليبيرت Mark Lippert كمساعد لوزير الدفاع للشؤون الأمنية الآسيوية والمحيط الهادئ. هذا وإنّ كلاً من دونيلون وليبيرت داهية سياسية ولكن لا تحكمهما أية أيديولوجية سياسية صلبة. فليس هنالك أي سبب يدعو للاعتقاد أنهما من أنصار اليابانيين بشكل قوي أو أنهما يناصران الأيديولوجية الصينية على نمط روبرت زوليك Robert Zoellick الذي ساعد في صنع السياسة الصينية-الأمريكية خلال الفترة الرئاسية الثانية لجورج بوش الإبن. باختصار، إنهما من الأشخاص الذين يمكن لطوكيو أن تعمل معهما، وهذا ما يطرح خيارات سياسية معقولة.

في الواقع إن سياسة اليابان الخارجية يمكن أن تكون القضية الأكبر في المستقبل. فللإبقاء على ارتباط الولايات المتحدة الأمريكية بآسيا لابد لنا من أن نبقيها مرتبطة باليابان. وعلاوة على ذلك، فهذا يعني بناء أساس صلب للتعاون الثنائي من خلال ترسيخ حق اليابان الدستوري للمشاركة في الدفاع الذاتي المشترك (وبالتالي تعديل الإرشادات التوجيهية واتفاقيات التعاون الدفاعي الأمريكي-الياباني) وعبر لعب دور نشط في خلق شراكة عبر المحيط الهادئ.

(المقالة الأصلية باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية، ٢٤ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٢. صورة خلفية العنوان مأخوذة من سانكي شيمبون Sankei Shimbun)

(*) ^ نزاع بين واشنطن وبكين نجم عن تصادم في الجو بين طائرة استطلاع تابعة للبحرية الأمريكية وطائرة نفاثة مقاتلة صينية قبالة هاينان في ١ أبريل/ نيسان ٢٠٠١.

  • [14/02/2013]

سفير سابق ورئيس حالي لمعهد أوكازاكي. ولد عام 1930 في داليان Dalian في الصين. حصل على شهادة الماجستير في الاقتصاد من جامعة كامبريدج. عمل كسفير لليابان في تايلاند والمملكة العربية السعودية. أعماله الحالية تتضمن Nijūisseiki o ikani ikinuku ka—Kindai kokusai seiji to Nihon (كيف تفوز في القرن الواحد والعشرين- السياسات الدولية الحديثة واليابان).

مقالات ذات صلة
أحدث المقالات

المقالات الأكثر تصفحا

منوعات جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)