الكارثة الوشيكة للبنية التحتية في اليابان

نيموتو يوجي [نبذة عن الكاتب]

[07/03/2013] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS | Русский |

أخذت مشاكل شيخوخة البنية التحتية موضع الإهتمام منذ وقت طويل. وقد أثار حادثة انهيار نفق ساساجو مؤخراً قلقاً بالغاً بهذه القضية. يحاول هنا الأستاذ نيموتو يوجي من جامعة تويو، تحديد الطريق الذي يجب على اليابان أن تسلكه في المستقبل لمواجهة هذه المشكلة في ظل زيادة الأعباء المالية وتناقص عدد السكان.

 قمة جبل الجليد

أدىّ حادث السير الذي وقع في ديسمبر/ كانون الاول ٢٠١٢ داخل نفق السيارات ساساجو على اوتوستراد (تشوو) في محافظة ياماناشي إلى إثارة اهتمام كبير بمشكلة شيخوخة البنية التحتية في اليابان. ويرجح أن السبب في هذا الحادث يرجع إلى تآكل في الأجزاء المعدنية المستخدمة لتثبيت اللوحة الخرسانية المكونة لسقف النفق. وتُجرى الآن أعمال الفحص لهذا النفق، إذا اتضح من خلال هذا الفحص أن سبب تداعي النفق يعود إلى غياب الصيانة الكافية لتلك الأجزاء المعدنية على مدى الـ٣٥ سنة فإن ذلك سيعتبر مشكلة كبيرة.

ولا يقتصر هذا الموضوع على الانفاق فقط ولكنه ينطبق على كل أعمال البنية التحتية في اليابان التي جرت بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية. ووفقاً لمستندات مجلس فحص المنشآت العامة التابعة للبنية التحتية لوزارة النقل، بلغت أعمال البنية التحتية ذروتها في الفترة بين ١٩٦٠ و١٩٨٠. حيث تم إنشاء الطرق خلال النصف الثاني من الستينات، والجسور والكباري في النصف الأول من السبعينات، وأعمال القناطر والسدود على الأنهار في النصف الثاني من الثمانينات، والخلجان في النصف الأول من الثمانينات بينما تم تشييد الأبنية السكنية العامة في النصف الأول من السبعينات، بمعنى أن أغلب هذه المنشآت قد مر على بناءها زمناً تراوح من ٣٠ إلى ٤٠ عاما.

وهذا ما يعني أن الصيانة غير الكافية لتلك المنشآت، سوف تؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى حدوث انهيارات بها. وهكذا لم تكن حادثة ساساجو سوى قمة جبل الجليد التي ظهرت وما زالت تخبئُ تحتها الكثير. حيث تبيّن على سبيل المثال الفحوصات التي أجريت عام ٢٠١٢ على أول طريق سريع بالعاصمة والذي أفتتح في الربع الأول من عام ١٩٦٢، شقوقاً لا حصر لها. وقد تم الإعلان عن الحاجة للتجديد السريع لربع مسافة هذا الطريق. وحتى في المدن البعيدة عن البحر والتي لم تتعرض لأيِّ من مخاطر الزلزال أو التسونامي كما أُلّم بشرقيّ اليابان، تتوالى الأمثلة المتفرقة لانهيار سقف احدى القاعات أو وضع أحد المباني الإدارية خارج الخدمة. وعلى الرغم من أنه من الطبيعي ألا تنهار المباني في بلد يحدث به الكثير من الزلازل مثل اليابان وهو الأول على العالم باتخاذ الإجراءات المتبعة للحماية من الزلازل. كما لم يكن التسونامي الذي حدث في شرق اليابان سوى القشة التي قصمت ظهر البعير حيث أن السبب الحقيقي يكمن في معالجة شيخوخة البنية التحتية في اليابان.

بنية تحتية متهالكة

إن الحل الأمثل لظاهرة شيخوخة البنية التحتية هو الاستثمار في مشاريع التجديد. لو كان يتم الاستثمار العام بنفس المستوى في كل عام، لأمكن تجديد البنية التحتية القديمة بتخصيص نفس الحصة من الإستثمار. والسبب في عدم ظهور مشكلة الإستثمار في تجديد البنية التحتية قبل الأن وعلى مستوى العالم، يرجع إلى أن عملية صيانة تلك المنشآت تمت على مدى عشرات السنين. وبفضل ذلك لم يحدث أيّ عجز في الميزانيات المخصصة لها.

ولكن في حالة اليابان، وكما ورد آنفاً فقد تركز بناء هذه البنية في فترة محددة هي النصف الأول من السبعينات، وتضاءلت الاستثمارات بصورة كبيرة منذ عام ٢٠٠٠. وبينما يزيد هذا من الحاجة الملحة لتجديد تلك الاستثمارات، فإن الميزانية اللازمة لاستثمارات الأشغال العامة بقيت صغيرة لحد كبير. أيّ عدم توفر الموارد الكافية لتمويل استثمارات التجديد اللازمة ووفقاً لمعلومات الكاتب، فقد حدث نفس الشئ في الولايات المتحدة أيضا. ففي فترة الصفقات الجديدة في ثلاثينات القرن الماضي في الولايات المتحدة حيث تم بناء الجسور والسدود والطرق في أنحاء الولايات المتحدة. وقد هرمت معظم تلك المنشآت بعد ٥٠ عاماً وخلال ثمانينات القرن الماضي حدثت انهيارات في بعض الكباري والجسور في نيويورك. لذا قامت حكومة الولايات المتحدة بإنشاء نظام تفتيش على الكباري عن طريق رفع الضرائب على الوقود وذلك عندما شعرت بخطورة هرم وشيخوخة البنية التحتية. ورغم ذلك استمرت حوادث انهيار الكباري في الولايات المتحدة ولكن يجب القول أنه لولا الإجراءات التي اتخذت في الثمانيات لأصبح الوضع أكثر مأساوية، وتتشابه اليابان اليوم مع الولايات المتحدة في الثمانينات من حيث هِرم البنية التحتية. ولكن الوضع في اليابان الآن أكثر خطورة منه في الولايات المتحدة وذلك بسبب توقف النمو الكبير وازدياد ظاهرة المعمرين في المجتمع وتناقص التعداد السكاني. وإضافة إلى عدم قدرة اليابان على زيادة ضرائب الدخل وظهور مشكلة زيادة الانفاق على التأمينات الاجتماعية.

كما قام معهد آسيا للشراكة العامة والخاصة في جامعة تويو، بتطوير برامج حسابية لتحديد مبالغ الاستثمارات المطلوبة من أجل تجديد البنية التحتية في كل بلدية على حدة بالإضافة إلى الميزانية التي يمكن توفيرها. فقام هذا البرنامج بحساب العجز في ميزانيات الأشغال العامة لحوالي ٣٠ بلدية، فكانت نتيجة الحساب تدل على عدم وجود ميزانية لصيانة البنية الموجودة حاليا في أي من هذه البلديات. وتبدو هذه النتيجة منطقية في ظل تزايد عدد الإستثمارات اللازمة لتحديث البنية التحتية وقلة الميزانيات المتاحة.

لتغطية هذا العجز في الميزانيات، فانه لا مفر من اللجوء إلى الاستدانة، لكن نسبة الدين العام في اليابان تفوق ٢٠٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وذلك بسبب انخفاض عوائد ضريبة الدخل التي ظلت تدعم الاقتصاد لتوسيع الأشغال العامة حتى بعد انهيار اقتصاد الفقاعة في اليابان. وإضافة إلى ذلك اضطرت اليابان إلى اصدار المزيد من السندات الحكومية لتغطية نفقات الضمان الاجتماعي بسبب الشيخوخة، ليصل الدين إلى ضعف المتوسط  للدول الاعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بما في ذلك اليونان. في حال تزايد الديون لتتخطى الوضع الحالي فإن ذلك سيؤدي إلى تزعزع ثقة العالم باليابان أكثر فأكثر.

ثلاث وصفات سحرية للتغلب على المشكلة

على الرغم من كون اليابان في مأزق حرج إلا أنه هناك حلول للخروج من هذه الأزمة.

الطريقة الاولى: اعطاء الاولوية للاستثمار في البنية التحتية من تجديد وصيانة للمرافق التي هرمت وصارت عرضة للتآكل، مع الاخذ بعين الاعتبار تقليص الاستثمارات الجديدة قدر الامكان. إن ٩٠٪ من البنى التحتية في البلاد تابعة للبلديات وليس للحكومة ومع ذلك فإن للحكومة دور في تقديم العطاءات لدعم مثل هذه المشاريع، لذلك يمكن للحكومة أن تضع الشروط التي يمكن أن ترفع من فاعلية تلك المشاريع.

وغالباً ما تعزز الوعود باستثمارات جديدة مواقف رؤساء البلديات وأعضاء المجالس التشريعية خلال حملاتهم الانتخابية. لكن إذا ما علم غالبية المواطنين حقيقة عدم استطاعتهم حتى على صيانة البنية التحتية القائمة فسوف يدركون أنه لا يوجد مجال للقيام بمشاريع طرقات أو أشغال عامة جديدة. وقد أشرف كاتب هذا المقال على استطلاع لرأي المواطنين في خمس من البلديات. تبيّن أن نحو ٨٠٪ من السكان يحبذون تقليص عمليات الاستثمار الجديدة وذلك بعد أن تم تقديم شرح كاف لمشكلة البنية التحتية وتآكلها وصعوبة عمليات التمويل.

الطريقة الثانية، تكون بجعل المباني العامة مبان ذات وظائف متعددة ووضع المدارس في جوهر هذا النوع من التحديث. فحتى الآن نجد أن معظم المؤسسات التعليمية كالمدارس والحضانات وروضات الأطفال وأيضا المراكز الإجتماعية ومباني المناسبات ومكتبات الأحياء ومراكز الرعاية قد تم تشييد كل منها على حدة. فأدى ذلك إلى زيادة التكاليف لإنشاء خدمات عامة منفصلة لكل مؤسسة كمرآب السيارات، والواجهات، والغرف المكتبية، ودورات المياه والسلالم والممرات. ولذلك فإن عند إعادة بناء المدارس يجب جعل هذه الخدمات مشتركة بينها وبين المؤسسات الأخرى. وبذلك لا نضطر إلى تخصيص خدمات خاصة لكل مؤسسة على حدة ونستطيع بذلك استغلال المساحات بطريقة مرنة تتلاءم مع عدد السكان وحاجاتهم. وهذه الطريقة الهيكلية هي تقنية معمارية متداولة وفعالة.

والطريقة الثالثة، هي الإدارة الوقائية الفعًالة لكل من الطرق، الكباري، الأنفاق، أنابيب المياه وأنابيب الصرف. حاليا، يعد نمط الصيانة اللاحقة بعد وقوع الاضرار كإصلاح الحفر التي تظهر في الطرق هي النمط السائد في تعامل البلديات مع البنية التحتية التي تديرها. ومن الطبيعي أن يلزم لذلك مصاريف للصيانة الوقائية، ولكن سيساعد ذلك على الحد من مصاريف الصيانة اللاحقة بشكل كبير ومن المؤكد أن المصاريف على المدى الطويل ستكون أقل. إن أشغال الصيانة اليومية مهمة جدا ويمكن إتاحتها للشركات الخاصة المتخصصة مقابل مصاريف مناسبة. ويفضل إدارة البنية التحتية للمنطقة بشكل شامل وذلك لتقليل النفقات. تم مؤخرا تطوير تقنيات فاعلة لرصد الفراغات الموجودة تحت الأرض والمسببة لانهيار الأنفاق.

فإذا ما تم تفعيل الطرق المذكورة أعلاه بشكل أكيد، يمكن عندئذ صيانة جودة الخدمات العامة المقدمة مع تقليل الأعباء المالية بحوالي ٣٠-٤٠٪. ولعل ما تحتاجه اليابان الآن هو تحديث المبادئ التي كانت دارجة في مرحلة الفقاعة ابّان فترة النمو السريع الاقتصادي والتي كان فحواها  ”مهما كانت الأعباء المالية، فمن المهم إمتلاك بنية تحتية كبيرة لحياة أكثر رفاهية“ والتحول إلى تفكير أكثر حكمة يقضي بـ ”توفير بنية تحتية ذكية ذات جودة عالية مع أعباء مالية قليلة“. وهذا يتطابق تماما مع فضيلة التواضع لدى اليابانيين والتي لا زامتهم حتى الحرب العالمية الثانية. حيث يؤمن كاتب المقال بإمكانية علاج هذه المشكلة. وهكذا فانّ هِرم البنية التحتية ليست مشكلة خاصة باليابان وحدها، بل تشترك معها كل الدول النامية في آسيا وأفريقيا. ومن المفارقات هو أنه كلما كان النمو الإقتصادي سريعا كلما زادت حدة هذه المشكلة. ولعل التعامل معها بدّقة في اليابان، سيتيح المجال لتقديم حلول لهذه المشكلة التي قد تتحدى العالم اجمع في المستقبل.

(المقالة الأصلية باللغة اليابانية، ١٤ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٢)

كلمات مفتاحية:
  • [07/03/2013]

أستاذ قسم الإجراءات الشاملة بكلية الاقتصاد بجامعة تويو. ورئيس مركز الابحاث بنفس الجامعة معهد آسيا للشراكة العامة والخاصة. بعد تخرجه من جامعة طوكيو في كلية الاقتصاد، عمل بوكالة المشاريع الاقتصادية، مركز أبحاث بروكينجز، مركز أبحاث استثمارات إنشاء البنوك حتى وصل إلى موقعه الحالي عام ٢٠٠٦. متخصص في إعادة تنشيط المناطق والصناعات. من مؤلفاته الأخيرة "أزمة جديدة تلوح في الأفق، البنية التحتية المتهالكة" (صدر عن جريدة نيبون كيزاي عام ٢٠١١) و" فيما تختلف المناطق المرفهة" (صدر عن تشيكوما تشوبو عام ٢٠١٣) وغيرها.

مقالات ذات صلة
أحدث المقالات

المقالات الأكثر تصفحا

منوعات جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)