فوكوشيما: ماذا حدث وماذا يتعين فعله؟
بعض الأفكار بشأن السلامة والخطر

وودي ابشتاين [نبذة عن الكاتب]

[11/11/2013] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | ESPAÑOL |

نفذت الحكومة اليابانية، التي تخوض تجارب يصعب نسيانها للتغلب علي كارثة فوكوشيما، وكذلك متطلبات السلامة الجديدة التي أقرت للتأكد من أمن وسلامة محطات الطاقة النووية في ٨ يوليو/تموز. تحدث استشاري تقييم المخاطر وودي ابشتاين عن أفكاره حول حادثة فوكوشيما واستخدام الطاقة النووية في ندوة عقدت بهيروشيما في مارس/ آذار ٢٠١٣. هنا نقدم مقتطفات من خطابه.

أود أن استهلَّ المحادثة معكم بالتطرق الى المخاطر المحيطة بالمجتمع. وآمل أن تساعد كلماتي على صياغة أسس ترمي لإقامة علاقات صادقة مع عامة الناس وصانعي القرار على حد سواء.

فنحن هنا اليوم نتحدث عن الطاقة النووية بسبب الحادث الذي وقع في فوكوشيما دايئتشي. حيث سلطت الكارثة أنظار العالم على قضية هامة تكمن فيما إذا كان من الممكن استخدام الطاقة النووية بطريقة آمنة مقبولة أم لا.

وأنا شخصياً لست من المؤيدين ولا المناهضين للطاقة النووية، ولكن أعتبر نفسي واحداً من المؤيدين للصدق والمناهضين للكذب والتضليل. فأنا مختصٌ بعالم الرياضيات وقد عملت لمدة ٣٠ عاماً مع التقنيين الذين يحللون المخاطر. وهنالك هدفان يعمل اخصائيو تحليل المخاطر على تحقيقهما، يتمثل أولها في توفير أدلة ومؤشرات منطقية لصناع القرار. وأما ثانيها فهو إعطاء تفسيرات واضحة ومبسطة لعامة الشعب.

معنى ”الخطر“

الخطر (أو بالأحرى لضمان السلامة) من المهم الاجابة على ثلاثة أسئلة:

(١) ماذا يمكن ان يحدث؟

(٢) ما هو احتمال حدوث خطأ ما؟

(٣) ما هي العواقب؟

من المعلوم انه يرافق توليد الطاقة النووية مخاطر دائمة، فليس هناك ما هو آمن بنسبة ١٠٠٪. وقد قال كيوشي كوروكاوا، رئيس اللجنة الحكومية المستقلة للتحقيق في حادث فوكوشيما: ”الحوادث تقع، والآلات تتعطل والإنسان يخطئ“.

وعلى مر السنين، أيد معظم الاخصائيين المنظمين هدف السلامة الذي يضمن لكل مفاعل أن لا يزيد من احتمال وقوع انصهار نووي فيه عن مرة واحدة كل ١٠ آلاف سنة، وأن لا يزيد من احتمال حدوث تسرب إشعاعي كبير عن مرة واحدة كل ١٠٠ الف سنة.

ولغاية ذلك اليوم أي ١٠ مارس/ آذار ٢٠١١، كانت هناك ٤٣٨ من وحدات توليد الطاقة النووية التجارية في العالم. وذلك إذا ما كانت كل وحدة تعمل بنسبة ٧٠ ٪ من الوقت، وكانت كل وحدة آمنة وفقا لأهداف السلامة التي وصفتها للتو، وبالتالي سيكون احتمال وقوع انصهار نووي، في مكان ما في العالم، حوالي ثلاث مرات كل ١٠٠ سنة. وهذا يعني انه ، يجب أن تتوقعوا وقوع حوادث الانصهار النووي مرتين أو ثلاث مرات خلال فترة حياتكم.

وهكذا فانّ حوادث الانصهار النووي لا تعني بالضرورة تسرباً للإشعاع مثلما جرى في فوكوشيما أو حادثة تشرنوبيل. فإذا ما استخدمنا نفس المنطق بالنسبة لتسريبات كبيرة من الإشعاع، فإنه ينبغي أن نتوقع وقوع حادث مثل فوكوشيما حوالي مرة واحدة كل ٣٣٠ عاما.

وهنا أطرح عليكم السؤال التالي: هل أنتم على استعداد لتقبل الطاقة النووية إذا كانت نسبة احتمال حدوث تسرب إشعاعي كبيرة الى هذه الدرجة في مكان ما في العالم حوالي مرة واحدة كل ٣٣٠ عاما؟ ينبغي إدراك أن هذه النسبة تزيد كلما يتم بناء محطات أكثر لتوليد الطاقة النووية، وأيضا إدراك أننا نعيش في قرية عالمية: فوقوع حادث في الصين يؤثر على حياة السكان في أوكيناوا.

انّني أتحدث فقط حول احتمال وقوع حادث ما وليس حول عواقب هذا الحادث وما يترتب عليه من أضرار وأمراض أو حالات وفاة. فأنتم سوف تواجهون أخطارا أكبر من ذلك بكثير من تعرضكم لحوادث السيارات، والإفراط في شرب الكحول وتناول الأطعمة الدسمة، أو حتى تدخين السجائر.

عامل العاطفة

للطاقة النووية فوائد: بصمات كربون اصغر، خفض الاعتماد على النفط، أرصدة تجارية أقل، تلوث أقل من حرق الوقود العضوي. ولكن بطريقة أو بأخرى، هذه الفوائد لا تؤثر بشكل كبير على طريقة تفكيرنا وبما أننا نتحدث عن الطاقة النووية. فإننا نحن نتعامل مع الإدراك البشري للمخاطر.

ولن تذهب عواقب التكنولوجيا الحديثة بعيدا عن الناس إذا ما تخلينا عن الطاقة النووية. انظروا إلى كل من خزانات الغاز والنفط، والغاز الطبيعي المسال على سواحل اليابان. لقد أجرينا دراسات عن آثار الزلازل الكبيرة وموجات المد التسونامي، والأعاصير الاستوائية على الصناعات الكيميائية والنفط والغاز. ولكن صَدقِّوني، هناك سيناريوهات لحوادث خطيرة يتخللها آثار بيئية واجتماعية و اقتصادية يمكن أن تصل الى مستوى حادثة فوكوشيما وربما أكثر.

ولربما يميل صانعوا القرار السياسي إلى اقتراض الأفكار من علم الاقتصاد لخلق نماذج لإدراك المخاطر. حيث تتمثل إحدى الفرضيات الرئيسية بأن الأفراد والمجتمع يتصرفون بطريقة عقلانية. وإذا كان بإمكاننا تزويد الناس بمعلومات أفضل، فسيكون بمقدور الجميع اتخاذ قرارات أكثر منطقية وعقلانية وواعية بشأن المخاطر المحتملة.

ولكن الناس لا يتصرفون بعقلانية. فالعقلانية هي جانب واحد في اتخاذ القرارات.  الاّ انّ العواطف هي على نفس القدر من الأهمية. وقد غاب عن هؤلاء الذين يتجاهلون الحاجة إلى العواطف في عملية صنع القرار عامل الطبيعة البشرية.

الحوار مع الرأي العام

كيف يمكن للمتخصصين والتقنيين العمل بفعالية أكبر مع عامة الناس ومع الحكومة؟ ينبغي علينا الإنصات بشكل أفضل. نحن بحاجة إلى فهم القضايا التي تهم جميع الأشخاص المعنيين. واننا نحتاج لأن نكون أفضل في إعطاء تفسيرات بسيطة سهلة الفهم.

ولعل جزء من التحدي هو أننا، في المجتمع التقني، ابتعدنا بشكل او بآخر عن الخطاب العام وإلى حد كبير. فقبل نحو مائة عام، كانت تناقش النظريات العلمية والاكتشافات الحديثة في الصحف الرائدة بطريقة يمكن للشخص المتعلم فهمها واستيعابها. لفد كان هناك حوار مع الناس، وكان العلم موضوعا للمناقشة الشعبية.

– فماذا حدث حقّاً ؟ لقد أصبحنا في المجتمع العلمي معزولين ومتكبرين؛ لقد فقدنا فن الحوار مع عامة الشعب فبعد وقت قصير من حادثة فوكوشيما، كنت في اجتماع في بلدة توكايمورا. وخلال الاجتماع، سألت إحدى الأمهات القلقات جدا البروفسور الذي كان يدير الاجتماع حول كمية الإشعاعات التي يمكن أن تضر أولادها. فأجابها البروفسور حينها عليها أن تذهب وتبحث عن الجواب على شبكة الإنترنت.

كيف يمكن أن يتم فهمنا جيدا؟

ونتسأل هنا كيف يمكن للأدلة والبراهين التي يكشفها التقنيون والمتخصصون أن تصبح مفهومة ومطبقة؟

الخطوة الأولى هي تعلم الاستماع. عندما تبدأ بالاستماع، فانّك أنت تبدأ في بناء جسر.

الخطوة الثانية تتمثل بطرح الجميع لبعضهم البعض الأسئلة الصعبة. سيما وأنَّ طرح الأسئلة هو الطريق إلى المعرفة. تذكروا أن تعريف الخطر يسعى لايجاد إجابات على الأسئلة الثلاثة التي وردت أعلاه. ومن خلال ذلك يجب أن يجلب التقنيون روح الاستجواب إلى صناع القرار من جانب ، وإلى الشعب أيضا من جانب آخر لاسيما في أُمورٍ تكنولوجية التي من ان تضر بمصالح عامة الشعب.

أمّا الخطوة الثالثة فتكمن في الإدراك بأنَّ العلم غير دقيق أو قاطع دائما. حيث يتغير العلم على مر السنين، وأحيانا ومع الاكتشافات غير المتوقعة. يجب علينا المساعدة على فهم الأشياء المشكوك فيه، وكيفية ”توقع ما هو غير متوقع“، وكذلك كيفية إنشاء مؤسسات مرنة يمكن أن تستجيب بمرونة وسلاسة لأي حادث عندما يقع وليس فقط بعد وقوعه.

السلامة وادراك الخطر

بعد فوكوشيما، سألني الكثير من أصدقائي اليابانيين: ”متى يصبح الوضع آمناً بما فيه الكفاية؟“ فأجبتهم: ”آمن بما فيه الكفاية عندما تقول أنه آمن بما فيه الكفاية. كيف تريد أن تعيش؟ ما هي المخاطر التي أنت على استعداد لتقبلها لكي تعيش بالطريقة التي تريد أن تعيش؟“

وفي الواقع لا توجد وصفات سحرية. لا يوجد سوى خيارات صعبة، بعضها ذات مقاييس موضوعية، وبعضها الآخر يجب أن يُتخذ من صميم القلب. ما هو مهم هو أننا جميعا نتحمل المسؤولية عن قراراتنا، خاصة إذا كانت قرارات فاشلة كما كانت هي الحال في فوكوشيما دايتشي. فعندما تكون على خطأ، كن أول من يعترف بذلك، حتى لو كنت آخر من يعلم.

ويجدر الذكر بأنَّ الخطر هو إدراك وتَفَهّم وهو شعور ومشاعر، ونحن كتكنولوجيين يجب أن نكون صادقين مع عامة الناس وصانعي السياسات بالقول بصدق عما نعرفه وعما لا نعرفه. وبالتالي يجب علينا جميعا أن نكون فريقا واحدا، في نقاش مستمر من أجل محاولة فعل الشيء الصحيح.

(مقتطفات من خطاب ألقاه كاتب المقال  في ٢٥ مارس/آذار ٢٠١٣، في الندوة الدولية الثالثة لزعماء البيئة العالمية في جامعة هيروشيما. النص الكامل متوفر على موقع وودي إبشتاين على الانترنت بالإنكليزية)

 

  • [11/11/2013]

خبير استشاري مقيم في اليابان ويعمل في مكتب Scandpower، إحدى الشركات العالمية لإدارة المخاطر، وعضو في لجنة المراجعة الفنية لمعهد السلامة النووية في اليابان. باحث زائر بمعهد طوكيو للتكنولوجيا من أبريل/نيسان ٢٠١١ إلى أبريل/نيسان ٢٠١٢.

مقالات ذات صلة
أحدث المقالات

المقالات الأكثر تصفحا

منوعات جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)