مدرجات حقول الأرز اليابانية…لوحات الطبيعة المدهشة (صور)

كيت تاكيناغا (المصور)[نبذة عن الكاتب]

[08/10/2014] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS | ESPAÑOL | Русский |
تمثل المناطق الجبلية نحو ٧٠٪ من مساحة اليابان. ولكن مؤخراً أخذت مدرجات حقول الأرز التي عمل المزارعون قبل مئات السنين على بنائها على المنحدرات تختفي تدريجياً، لذا دعونا نتعرف على حقول الأرز الجميلة العابرة للمواسم الأربعة، والتي لا تعد تراثاً طبيعياً فحسب وإنما تراثاً صناعياً وثقافيا أيضاً.

مناظر اليابان التقليدية إلى الزوال 

أصبح من المعروف أن مدرجات الأرز التي يطلق عليها اسم ”أهرامات اليابان“ هي نتاج الدم والعرق الذي بذله المزارعون لنحت هذه الحقول على سفوح ومنحدرات الجبال. وليس لنا إلا أن نحني رؤوسنا إجلالاً وتقديراً لأجدادنا عند رؤية هذه المناظر الخلابة التي تم بناءها بكد ومشقة منذ العصور الوسطى. 

يتم التخلي عن مدرجات الأرز ذات المساحة الضيقة والانحدار الشديد

وجدير بالذكر أن البيئة المحيطة بمدرجات الأرز قد تغيرت جذريا في فترة الخمسينات وبعدها إثر ظهور الآلات الزراعية مثل المحاريث وآلات زراعة الأرز. و انتشار التكنولوجيا الزراعية والأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية مع ازدياد في حجم المحاصيل وكنتيجةً بدأ التخلي عن مدرجات الأرز حيث أنها اُعتبرت ”مناطق غير صالحة للزراعة“ وذلك لصعوبة استخدام الآلات الزراعية الكبيرة فيها. إضافة إلى أن انتشار الشيخوخة بين المزارعين من جانب ونقص عدد المزارعين الشباب اليوم من جانب آخر يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الوضع بشكل أكثر من قبل. وبحيث تختفي مدرجات الأرز الجميلة في اليابان بسرعة، لتصل درجة عدم الاكتراث وتفقد اهتمام الناس بها.

وقد قمت بتوجيه عدسة الكاميرا وحاولت التقاط الصور لمنظور ”التلاشي“ الكامن الذي يحيط بمدرجات الأرز وتَمكّنتُ بالاستمرار في تصوير مدرجات الأرز في مناطق متعددة لأكثر من ١٠ أعوام، ولاحظت أن مدرجات الأرز في الواقع هي مشهد إنتاجي نابض بالحياة للغاية، كما أنها من المفترض أن تكون نقطة اتصال تربط الإنسان مع الطبيعة. 

عشق مدرجات الأرز

وقد كانت تجربتي الأولى مع مدرجات الأرز عندما ذهبت لبلدة ”ماتسونوياما“ في محافظة ”نيجاتا“ (مدينة ”توكاماتشي“ حاليا) لحضور مهرجان النار ”دوندو ياكي“. حيث يقام المهرجان في رأس السنة القمرية الجديدة الذي يصادف منتصف شهر يناير/كانون الثاني من السنة الميلادية يتم فيه تكديس القش (التبن) على مدرجات الأرز، ويضرم النار فيها. حيث أن النار هي قربان السنة الجديدة لإله حقول الأرز. ثم يحتسي أهل القرية مشروب ”الساكي“ حول النار ويصلون للحصول على محصولٍ جيد في العام الجديد. 

مهرجان النار للصلاة من أجل حَصَادٍ جيدّ ومحصول وفير

يتراكم الثلج عدة أمتار في حقول الأرز في الشتاء، حيث أن محافظة ”نيجاتا“ هي إحدى المناطق الشهيرة بتساقط الثلوج الغزيرة، ويتطاير الثلج بسبب الرياح العاتية مما يزيد من حدة البرد القارص. وتغلب نسبة المتقدمين في العمر على أهل القرية مجتمعين، ولكن يتمتع الجميع بحيوية وطاقة عالية ولا يتوقف الناس عن الضحك. على الرغم من أن العمل في حقل الأرز يبدأ بعد بضعة أشهر من المهرجان، ويبقى الناس في حقول الأرز حتى يتجمدوا من البرد وذلك بهدف إلقاء التحية والصلاة لإله حقول الأرز وهذا أمرٌ لا يمكن فعله إذا كنت لا تحب العمل في حقول الأرز. 

وفي مطلع الربيع، يبدأ العمل في حقول الأرز بزرع الشتلات حيث تفرز بذور الأرز وتغمر في مياه فاترة. ومن ناحية أخرى، يتم حرث الحقل ثم تُصلح التلال، وتُسحب المياه، ويتم تسوية الأرض. ثم تُزرع بعدها شتلات صغيرة سَبَق ونَمَت في أوعية خاصة في حقول الأرز لتستمر زراعة الأرز حتى موعد الحصاد في الخريف، يتم خلالها العمل يوميا دون كلل أو ملل في حقول الأرز حيث تُقص الأعشاب كما يتم التخلص من الأعشاب الضارة والتحكم بالمياه. 

العديد من المزاراعين هم من كبار السن، لكنهم لا يشعرون بهَول المأساة على الإطلاق.

وبما أن مدرجات الأرز تحتاج إلى الكثير من الأعمال اليدوية، فربما يقال إن ساعات العمل فيها هي أكثر بخمس مرات من الوقت المستغرق في حقول الأرز المسطحة. فالأمر لا يتعلق فقط بالوقت، ولكن يشمل بالطبع اللياقة البدنية كشرطٍ ضروي. وقد يكون هذا بالنسبة للمسنين، مهمةً مرهقة تكسر الظهر. 

ومع ذلك، يعمل الناس هناك بنشاط وحيوية ويظهرون متعة حقيقية خلال العمل. وعلى الرغم من تخلي بعض المسنين عن مزارعهم لأبنائهم، إلاّ أنهم يخرجون للعمل في حقول الأرز كل يوم. وقد قال لي أحد الأبناء سراً أن والده يشكو بأنّ العمل في الأرض ”مضني“، ولكن ”إذا لم يعمل في حقل الأرز، فإنه يشعر بأنه ليس على قيد الحياة“.

إعادة اكتشاف قيمة مدرجات الأرز

ولحسن الحظ، يبدو أن اليابانيين أصبحوا خلال السنوات القليلة الماضية، يكتشفون قيمة جديدة لمدرجات الأرز. وبأنَّ أدوار مدرجات الأرز ببساطة ليست لزراعة الأرز فقط. سيما وأنه من خلال تجميع مياه الأمطار المتساقطة في حقول الأرز، فان مدرجات الأرز تَلعب دورا في منع الانهيارات الأرضية والجرف، كما تُمارس دوراً في الحفاظ على البيئة الطبيعية لضمان التنوع البيولوجي، وهي مسؤولة أيضاً عن الحفاظ على المناظر الطبيعية الجميلة في اليابان وبهذا فإن قيمة وجود مدرجات الأرز لا تكمن بالإنتاجية فقط وإنما في التنوع الذي لا يمكن الاستغناء عنه. 

مدرجات الأرز ليست للأرز فقط بل هي أمكنة يربى عليها العديد من الكائنات.

ولا تزال حركات عِدّة تنشط للحفاظ على مدرجات الأرز بعد الانتباه للتنوع الموجود فيها. كما تدعم الحكومة بدورها مدرجات الأرز بطرق مالية متعددة للحفاظ عليها، أما في القطاع الخاص فيتم العمل بجد لإدخال أنظمة تستهدف دعم مالكي مدرجات الأرز وزيادة عدد المواطنين العاملين في زراعة الأرز، بالإضافة للترويج إلى مدرجات الأرز كوجهة سياحية. 

نظراً لمناظرها الطبيعية الجميلة وإنني شخصياً على اتصال مع أولئك الأشخاص الذين يدعمون مدرجات الأرز كما إنني على يقين تام بالكاد بأن عدد مدرجات الأرز في اليابان آخذ في النقصان، ولكن هذا لا يعني أنها ستختفي بالكامل.

(النص الأصلي باللغة اليابانية بتاريخ ٢٢ سبتمبر/أيلول ٢٠١٤. النص والتصوير: كيت تاكيناغا)

  • [08/10/2014]

ولد في مدينة ”فوكوكا“ عام ١٩٤٨. بعد تخرجه من جامعة ”كاجوشيما“، عمل موظفاً في احدى الشركات لمدة ٣٠ عاماً، ثم انتقل للعمل كمصورٍ حُر. يرسل الصور الفوتوغرافية بشكل يومي ودون انقطاع منذ عام ٢٠٠٣. وقد بدأ نشر مجلة البريد الإلكتروني ”نزهة الكاميرا الرقمية - صورة واحدة في اليوم“ كما ينشر مجلتين إحداهما يومية والأُخرى أسبوعية منذ أبريل/نيسان ٢٠١٠). وقد فاز بالجائزة الكبرى للسنة الثالثة على التوالي من مجلة البريد الإلكتروني الشهيرة ”Magumagu“ (قسم الفن الأدبي). ومن ألبوماته: ”مناظر لا تنسى من مدرجات الأرز في اليابان“ (PIE BOOKS)، ”حقول الأرز في اليابان“ (كتاب إلكتروني). أما مؤلفاته فتشمل كتاب ”مدرسة التصوير للصور الرقمية“ وغيرها.

مقالات ذات صلة