في العمق كيفية حماية اليابان في السنوات القادمة
أوكيناوا ومشكلة القاعدة العسكرية

روبرت إلدريدج [نبذة عن الكاتب]

[19/11/2012] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS | ESPAÑOL |

لقد تم إحراز تقدم ملحوظ على مدى السنوات القليلة الماضية للتغلب على مشكلة أوكيناوا، ونعني بالمشكلة مجموعة من القضايا العالقة بين المحافظة اليابانية وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية. القواعد العسكرية الأمريكية في أوكيناوا على وجه الخصوص تقع في قلب هذا الجدل الدائر. يقول روبرت إلدريدج الذي بحث هذه المسألة لمدة طويلة أن مفتاح حل هذه المشكلة المعقدة يكمن في اقتراب جميع الاطراف منها بطريقة موضوعية غير عاطفية.

تحتفل أوكيناوا هذا العام بالذكرى السنوية الأربعين لعودتها إلى اليابان. وقد اتخذت الحكومة اليابانية خلال تلك العقود الأربعة الماضية خطوات هائلة سعت من خلالها لتحسين الوضع في أوكيناوا ورفع مستواها بما يتناسب مع مستوى الجزر اليابانية الرئيسية الأخرى. تم على سبيل المثال تحسين البنية التحتية المحلية وقطاع التعليم والرعاية الاجتماعية من خلال سن القوانين والتدابير الخاصة، كما تم إقرار أربع خطط تنموية عشرية إضافة إلى معالجة القضايا السياسية والقانونية الناشئة عن التواجد الضخم للجيش الأمريكي ولقواعد قوات الدفاع الذاتي الياباني في المحافظة. أما على الصعيد الثقافي فقد ازداد الاهتمام بالفنون والعادات الفريدة من نوعها على هذه الجزيرة، وكذلك نمط الحياة والطعام والموسيقى حتى ظهر ما سمي بموجة ازدهار أوكيناوا والتي تجسدت في تزايد كبير في أعداد السياح القادمين من الجزر اليابانية الأخرى، وتنامي الشعور بالفخر لدى السكان المحليين لانتمائهم إلى أوكيناوا بشكل خاص واليابان بشكل عام.

كان على سكان محافظة أوكيناوا (هل نطلق عليهم شعب أوكيناوا أم الشعب الياباني في أوكيناوا؟) تقييم القرار الذي نص على إعادة الحقوق الإدارية إلى اليابان في مايو/ أيار عام ١٩٧٢. حيث أجري تصويت في الذكرى السنوية لإعادة أوكيناوا عام ١٩٧٧ صوت فيه ٤٠٪ فقط من السكان المحليين على أن العودة إلى اليابان أمر جيد، في حين قال ٥٥٪ أنه لم يرقَ إلى مستوى توقعاتهم. تغيرت هذه النسبة عام ١٩٨٢(*١) حيث قيم ٦٣٪ من السكان المحليين قرار العودة بالإيجابي واستمرت هذه النسبة في الواقع بالنمو ليصل معدل التأييد إلى ٨٨٪ في الذكرى العشرين لاستعادة المحافظة. استمرت هذه الاتجاهات التصاعدية حتى أواخر التسعينات وفي التصويت الأخير الذي أجري عام ٢٠٠٧ والمقام كل خمس سنوات، أكد ما يقرب من ٨٢٪ من السكان المحليين على أن قرار العودة إلى اليابان تجربة إيجابية.

استياء دائم

هناك توتر قوي بين أوكيناوا والحكومة المركزية على عدد من القضايا أبرزها قضية القواعد العسكرية الأمريكية. ولا يزال بعض السكان المحليين ينظرون إلى الحكومة المركزية بعين الشك مستشهدين بقرون من السياسات التمييزية بدءا من غزو عشيرة ساتسوما مملكة ريوكيو عام ١٦٠٩ وانتهاء بخطة الحكومة الحالية لنقل قاعدة فوتينما إلى المياه قبالة معسكر شواب في مدينة ناغو.

في الحقيقة يمكن القول أنه تم تجاهل الوضع في أوكيناوا لسنوات عديدة وقد استخدم قادة أوكيناوا كل فرصة لتثقيف وتوجيه النقد في كثير من الأحيان إلى المسؤولين اليابانيين حول العلاقات السيئة تاريخيا مع أوكيناوا. لكن مع مرور الوقت زادت لغة النقد إلى مستوى أصبحت في بعض الأحيان غير بناءة ووصفت بأنها شكلا من أشكال الترهيب أو الابتزاز من قبل الضعيف. وقد جاء هذا الوصف من سياق تصريحات من جانب الولايات المتحدة والمسؤولين اليابانيين في عام ٢٠١١ وعلى وجه التحديد من كيفين ماهر وهو المدير السابق لمكتب شؤون اليابان في وزارة الخارجية الأمريكية الذي نفى ما تناقلته وسائل الإعلام عن قوله لطلاب أمريكيين أن سكان جزيرة أوكيناوا خبراء في التلاعب والابتزاز. كما تناول الإعلام تاناكا ساتوشي وهو المدير العام لمكتب الدفاع في أوكيناوا الذي أدلى بتعليقات مماثلة لما قاله كيفين ماهر. وقد رأت الأيام والأسابيع التي تلت هذه التصريحات كماً كبيراً من التقارير أدت في النهاية إلى إقالة هذين المسؤولين.(*٢) وفيما يتعلق بهذه الأحداث الأخيرة وجه مجلس الشيوخ اللوم إلى وزير الدفاع وتم الاستغناء عنه في يناير/ كانون الثاني عام ٢٠١٢ من قبل رئيس الوزراء على ضوء الافتقار لمعلومات مفصلة عن حادثة اغتصاب طالبة مَدرسة بالجزيرة عام ١٩٩٥ من قبل ثلاثة جنود أمريكيين.

لقد أدت الخطابات المشحونة سياسيا من المسؤولين المنتخبين ووسائل الإعلام المحلية المنحازة على نحو لا يمكن إنكاره إلى وجود تأثير ونفوذ كبيرين من داخل اليابان وبشكل غير متناسب على هذه المحافظة ذات الموقع الجيواستراتيجي الهام، وخاصة فيما يتعلق بالحكومة المركزية (مع افتقارها إلى خبراء التحالف من أوكيناوا). هذه حقيقة ملموسة في أوكيناوا يمكن استشعارها أيضا وبنفس القدر في مناطق فقيرة أخرى في اليابان. فبدلاً من التوصل إلى حل يرضي السكان المحليين في المحافظة، تسببت هذه الخطابات بخلق جو من التشاؤم حولهم بشأن مستقبلهم وتأجيج مزيج من المشاعر المعقدة تجاه الحكومة المركزية والولايات المتحدة. ومن المؤسف أنه غالبا ما يتم استغلال هذه المشاعر من قبل القادة المحليين ووسائل الإعلام للحط من قدر الحكومتين بدلا من السعي للتوصل إلى حل عملي ومعقول.

يشعر العديد من سكان أوكيناوا اليوم بالإحباط لافتقارهم إلى الفرص الاقتصادية الدائمة وبالحرج أيضاً إزاء الحقيقة بأّنّ اقتصادهم يعتمد اعتمادا كلياً على القواعد العسكرية في حين أن البعض يحتج على وجودها. حيث تجلب القواعد العسكرية المنافع الاقتصادية المباشرة القادمة من إيجارات الأراضي أو غير المباشرة من التعويضات العديدة وحزم الحوافز وغيرها. وحتى الانشطة السياحية، التي اعتبرها الكثيرون البديل لدخل أوكيناوا الاقتصادي في المستقبل، فإنها تعتمد اعتمادا كبيرا على وجود القواعد العسكرية. فالعديد من الرحلات المدرسية وجولات وسائل الإعلام والزيارات الأكاديمية والحكومية والسياسية وبعثات تقصي الحقائق محسوبة على اطر السياحة في الإحصاءات الحكومية الاّ أنها في الواقع أنشطة متعلقة بالقواعد العسكرية.

ما هي ”مشكلة أوكيناوا“؟

وسط هذه المشاعر المعقدة، التبعية الاقتصادية، التطرف الفكري ومحاولات التشويه المتعمد، وسوء الفهم الشامل، أصبح من غير الواضح التعرف على ماهية مشكلة أوكيناوا. وقد كان هذا صحيحا في الماضي لكنه ازداد تدهورا وتعقيدا اليوم.

وقد أجريت دراسة استقصائية في أوكيناوا منذ أكثر من عشرة أعوام وسألت ما يقرب من مئة شخص من جميع مناحي الحياة عما يدور في خاطرهم عند سماع هذه العبارة: ”مشكلة أوكيناوا“. كانت الأجوبة متنوعة جدا.فقد يعتقد معظم القراء أن مشكلة أوكيناوا تعني مشكلة القاعدة العسكرية ولكن في واقع الأمر المشكلة أكثر تعقيدا بكثير. تلقيت مجموعة متنوعة من الإجابات خلال مقابلاتي في ذلك الوقت، مثل مشكلة الحكم الذاتي المحلي ومشكلة التبعية السياسية والاقتصادية ومنهم من قال أنها نتيجة خسارة الحرب العالمية الثانية أو أنها نتيجة التمييز (من الأراضي اليابانية الأخرى)، ثم هناك من قال أنها مشكلة متعلقة بعدم القدرة على العيش بسلام أو نتيجة تشكيل حكومة يابانية ضعيفة الارادة وما الى ذلك. كما أشار آخرون إلى المشاكل الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الدخل ومحدودية التعليم وغيرها. وعلى أية حال، كان ”عدم الثقة في الحكومة المركزية“ ومشاعر التمييز الهيكلي الموضوع المشترك بين هؤلاء من ذوي الاتجاهات السياسية.

هناك بطبيعة الحال من قال أن القاعدة العسكرية هي مشكلة أوكيناوا الحقيقية. ومن بعض القضايا المستند لها والمذكورة عادة هي: وجود عدد كبير من القواعد الأمريكية والجنود الأمريكيين في أوكيناوا ومعدل عال من الجرائم والحوادث.(*٣)

سوف نناقش هذه القضايا بشيء من التفصيل أدناه ولكن في البداية هناك نقطتين هامتين لابد من توضيحهما. أولا، إن النظرة إلى القضايا ذات الصلة ليست بالضرورة صحيحة فهناك جانبان لكل قصة والقصة في كثير من الأحيان التي تم الإبلاغ عنها في الصحف ليست دقيقة تماما وحرفت عمدا. ثانيا، هناك العديد من الإجراءات الملموسة المأخوذ بها حتى الآن لمعالجة الشواغل الفعلية للسكان المحليين والتي ليست هي بالضرورة معروفة على نطاق واسع أو أقر بها القادة السياسيين ووسائل الإعلام. سيما وانّ هذه التدابيرعديدة وتتطلب وجود مقالة مستقلة في حد ذاتها.

الحقيقة والخيال

تبدو القضايا المذكورة أعلاه معضلة كبيرة قد يخيل للقارئ أنه من المستحيل حلها. ولكن في الحقيقة ولأسباب عديدة مازال الوضع بعيدا كل البعد عن اليأس وهذا أمر يدعي للسخرية خاصة لمن يشاهد كيف أن هذه القضية تستحوذ على اهتمام كبير من السياسة الوطنية في اليابان وتطغى على القضايا الأخرى المتعلقة بالقضايا الثنائية مع الولايات المتحدة -الشريك والحليف الوحيد لليابان- هو في الحقيقة البلد المساء فهمه حيث لا يعتمد هذا الفهم بالضرورة على الواقع ولكن أكثر على الخطاب المعادي للقاعدة والمناهضين للحكومة الأمريكية.

يعتبر هذا الوضع في الحقيقة جوهر المشكلة في أوكيناوا- الفشل في تمييز الواقع من الخيال مما يخلق بالتالي احتكاكاً لا داعي له ولكنه شديد على الصعيدين الثنائي والمحلي، وعدم القدرة على تطوير خطط ذكية أقل كلفة ماليا وسياسيا على حد سواء. وتكمن المشكلة أساسا في عدم وجود ”مشكلة أوكيناوا“- على الأقل لا يوجد شيء ذو أهمية كبيرة في الوقت الحاضر يبرره الثروة الوطنية والطاقة ومدى الوقت المكرس من كلا البلدين لأوكيناوا حتى الآن، الذي لم يجلب أي شيء حتى الآن في المقابل.

على سبيل المثال، هناك قضية نقل محطة قاعدة فوتينما الجوية مؤخرا والتي تعتبر أكبر قضية معروفة بين القضايا الأخرى. قد تكون القضية الأكثر شهرة إلاّ أنها تبقى الأقل تفهما واستيعابا. حضرت مؤخرا مؤتمرا حول العلاقات بين الولايات المتحدة واليابان بعد عملية توموداتشي- والتي بينت الجهود الهائلة المبذولة من قبل الولايات المتحدة لدعم اليابان بعد الزلزال المروع وكارثة تسونامي ١١ مارس/ آذار- واستمعت  إلى حديث اثنين من الأكاديميين، الأول أمريكي والاخر ياباني. أشار كل منهما إلى قاعدة فوتينما ولكن تم استخدام الاسم بشكل مختلف تماما. حيث استخدم الأول كلمة فوتينما عندما تحدث عن المحطة الجوية أما الآخر فقد استخدم نفس الكلمة ولكنه قصد بها مشكلة نقل القاعدة. لم يدرك كلاهما أنهما كانا يستخدمان هذا المصطلح بشكل مختلف. أشك فيما إذا استطاع الحاضرون إدراك ذلك أيضا.

تم بناء المحطة الجوية كقاعدة لطائرات B-29 في ربيع عام ١٩٤٥ خلال معركة أوكيناوا، وهي واحدة من ما يقرب من عشر قواعد جوية في الجزيرة في ذلك الوقت. أغلقت على مر السنين معظم هذه المطارات وأعيدت الأراضي إلى أوكيناوا أو تم استخدامها لأغراض عسكرية أخرى، أما اليوم فهناك اثنتان فقط من القواعد التشغيلية الجوية الأمريكية في أوكيناوا. في عام ١٩٧٦، اختيرت فوتينما لتصبح القاعدة الجوية ايضا لسلاح البحرية حيث تلعب اليوم مجموعة متنوعة من الأدوار المهمة بما في ذلك: دعم طائرات مشاة البحرية (طائرات الهليكوبتر والجناح الثابت)، فضلا عن الخدمات الأخرى؛ مطار لقيادة الأمم المتحدة (خلفي)؛ كما تستخدم القاعدة كمطار تحويلي لقاعدة كادينا العسكرية الجوية ومطار ناها المخصص للطائرات التجارية، كما تستخدم كمركز للطوارئ في حال وقوع كارثة تسونامي في أوكيناوا (على سبيل المثال هناك مطار ناها الذي يقع على الشاطئ والذي من المرجح أن يتضرر بشدة مثل مطار سينداي في زلزال مارس/ آذار عام ٢٠١١).

تسمح الطائرات في قاعدة فوتينما الجوية لمشاة البحرية بالتدريب والانتشار معا حيث أن القاعدة تشترك في موقعها في أوكيناوا مع القوات البرية وهذا أمر ضروري لقوات المهمات التابعة لها البحرية والبرية والجوية (MAGTF). كما يمتد مدرج مطار قاعدة فوتينا ليصل إلى ٩٠٠٠ قدم وهذا أمر غير عادي، فهذا المطار قادر على دعم أكبر طائرة نقل في العالم وبالتالي يعد رصيدا استراتيجيا إلى حد كبير ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة والأمم المتحدة حيث ترفرف أعلامهما أمام مبنى المقر، ولكن بالنسبة لليابان أيضا حيث يمكن للزائر رؤية علمها الوطني عند الدخول إلى القاعدة. وكما رأينا أعلاه، لدى هذه القاعدة أهمية كبيرة بالنسبة لأوكيناوا أيضا نظرا لدورها في حالات الطوارئ في حال وقوع كوارث محلية.(*٤)

يتم نشر العديد من الطائرات في أي وقت كان حيث تضم القاعدة حاليا حوالي ٧٤ طائرة مستأجرة مسندة إليها. وقد أطلق أنصار رئيس البلدية السابق لمدينة جينوان (تحيط مدينة جينوان بالقاعدة الجوية وقد تعدت تدريجيا عليها نظرا لعدم وجود قوانين تنص على تقسيم المناطق المحلية) والمعارض لوجود القاعدة لكونها أخطر مطار في العالم، مع العلم أنها تتمتع بسجل عال من الأمان وبإجراءات معمول بها بشكل جيد (على الرغم من إطلاق جماعات المعارضة البالونات وطرح رافعات لعرقلة النهج المتبع في المدرج). في الواقع، هناك العديد من القيود خلال ساعات محددة من العمليات ومسارات الطيران والعطلات والامتحانات وأيام أخرى حساسة. أعيش وأعمل من مكان قريب جدا من فوتينما. تقدم الشكاوي المتعلقة بالضوضاء بشكل نادر جدا مع العلم أنها ليست قاعدة مفعمة بالضجيج. وقد وصفت مجموعة من الصحفيين التي زارت المحطة الجوية في وقت لاحق وعلى النقيض من التعليق السابق أنها تملك أهدأ مطار في العالم.(*٥)

مع هذا وافق مسؤولون أمريكيون على السعي لنقل القاعدة داخل المحافظة، قرار اتخذ في ديسمبر/ كانون الاول عام ١٩٩٦ كجزء من مجموعة من التوصيات التي أعلنت عنها لجنة العمل الخاصة بين اليابان والولايات المتحدة في أوكيناوا وهي هيئة رسمية أنشئت في نوفمبر/ تشرين الثاني عام ١٩٩٥ في أعقاب حادث الاغتصاب المؤسف وطلب حكومة محافظة اوكيناوا نقل قاعدة فوتينما. وقد أعيد ذكر استعداد الولايات المتحدة للعمل مع الحكومة اليابانية لنقل قاعدة فوتينما عدة مرات خلال السنوات ال ١٥ الماضية ولكن لم يكن هناك أي حركة ملموسة من جانب الحكومة اليابانية في تلك الأثناء. تحاول أوكيناوا واليابان إيجاد حل سياسي لمشكلة التشغيل التي يبدو أنهم لم يفهموها بعد.

حلقة مفرغة

في حين أن الولايات المتحدة تدرك الأسباب السياسية والضرورة لعملية إعادة نقل قاعدة فوتينما، خاصة أنها تقع في وسط مدينة مزدحمة يقارب عدد سكانها ٩٠ ألف نسمة، يعتبر هذا الأمر متروكاً للحكومة المركزية وحكومات المحافظات لتحقيق ذلك. نظرا لتوجيه أصابع الاتهام بين الحكومة المركزية وحكومة أوكيناوا ومدينة ناجو والموقع المخطط المرفق لنقل فوتينما، لم يكن هناك أي حركة في أي اتجاه في العقد الأخير تقريبا. في الواقع يمكن القول أن الوضع قد ازداد سوءاً. وإذا بقينا على هذا المنوال، فمن الممكن أن تأخذ هذه القضية نفس المنحى الذي تضمنه قرار عام ١٩٧٠ لنقل ميناء ناها العسكري حيث أن عملية النقل مازالت غير مكتملة.

حقا إن عدم القدرة على المتابعة لنقل قاعدة فوتينما يسيء إلى القضايا والتصورات المتعلقة بالمشاكل الأخرى. هذا بدروه يعمل على تحويل النقاش حول أوكيناوا ليصبح أكثر إثارة للخلاف والعاطفية وليدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها  وبشكل بعيد عن الموضوعية والمنطق. ويصبح من اللحلول لمستحيل معه تقريبا الوصول إلى حل وسط أو النظر في المشاكل بشيئ من التجرد و بعقلية متفتحة.

عند مناقشة أوكيناوا، يتم التطرق في كثير من الأحيان إلى حقيقة وجود ٧٥٪ من القواعد الأمريكية في أوكيناوا. هذه النسبة غير صحيحة لسببين: أولا، إذا كان المقصود بالقواعد الأمريكية جميع القواعد الأمريكية فإن النسبة  تقرب إلى ٢٤٪ وثانيا، إذا كان المقصود بالقواعد الأمريكية القواعد المستخدمة فقط من قبل الولايات المتحدة الامريكية فإن نسبة ٧٥٪ ليست سوى ٦٢٪. هذا لأنه يتم استخدام ثلثي منطقة التدريب المركزي والواقعة في الأجزاء الوسطى والشمالية من أوكيناوا بالاشتراك مع قوات الدفاع الذاتي اليابانية البرية.

في الحقيقة، إذا تم تنفيذ اتفاق SACO والذي يتضمن عودة ٥١٪ من منطقة التدريب الشمالية وMCAS فوتينما، ستنخفض النسبة المئوية للمرافق المستخدمة حصريا في أوكيناوا إلى نحو ٤٩٪. علاوة على ذلك، إذا تحققت خطة عام ٢٠٠٦ المتضمنة إعادة نقل القاعدة والمعروفة باسم ”خريطة الطريق”، سينخفض هذا الرقم إلى أبعد من ذلك لتصل النسبة إلى ٤٢٪. هذا الرقم هو أقل بكثير من ٧٥٪ والمستخدم بشكل شائع. ومع ذلك وللأسف يعتبر المضي قدما في أي من الاتفاقات في غير متناول يد الولايات المتحدة. وهذا لأنها قضية داخلية تماما في اليابان.

قد يبدو رقم ٤٢٪ للبعض نسبة لا تزال مرتفعة ولكن على المرء أن يتذكر الأهمية الجيواستراتيجية لأوكيناوا والتي هي السبب لوجود قواعد أميركية ويابانية هناك لعدة عقود. وقد تنخفض هذه النسب إلى أبعد من ذلك إذا أبدت الحكومة اليابانية المزيد من الاهتمام في تواجد عسكري مشترك وتدريب مشترك. مع ذلك وحتى وقت قريب تجنبت الحكومة اليابانية الحديث حتى عن فرص الاستخدام المشترك وبقيت مترددة وغير مبالية. في الواقع، لدى الحكومة اليابانية مشاكلها الخاصة في محاولتها زيادة معسكرات قوات الدفاع الذاتي في أوكيناوا وإنشاء قواعد جديدة في جزر مثل يوناجوني في أقصى جنوب المحافظة.(*٦)

سوء فهم

إن العديد من المشاكل المرافقة لـ ”مشكلة أوكيناوا“ هي مشاكل ”إهمال“ أكثر من مشاكل ”تفويض“. وبعبارة أخرى، تذهب الحجج دون منازع، ولا يتم تفحص الحقائق ولا تستكشف الفرص.

يرى المرء الشيء نفسه عندما ينظر إلى الإحصاءات المتعلقة بالجرائم. هناك تصور أن القوات الأمريكية في أوكيناوا هي مجموعة متمردة على القانون وأن اليابان لا تملك السيطرة عليها. هذا التصور غير صحيح في مجالين على الأقل. الاول هو انه لا يشكل الموظفون الأمريكيون وتوابعهم سوى نسبة ضئيلة من جميع الموقوفين في أوكيناوا على الرغم من أنهم يشكلون ٣٪ من السكان المحليين. في المقابل، يمثل المعدل الوسطي لجرائم اوكيناوا التي ارتكبها محليين ست مرات من تلك التي ارتكبت من قبل القوات الامريكية. والثاني انه يسمح اتفاق وضع القوات والترتيبات الأخرى للسلطات اليابانية في اعتقال واحتجاز المشتبه بهم عند وقوع جرائم خارج القاعدة، كما يسمح لهم الوصول إلى المشتبه بهم على القاعدة تحت سلطة الولايات المتحدة حتى يتم الاستعداد لتوجيه الاتهام لهم.

وسوف يميل القادة السياسيون في اوكيناوا بطبيعة الحال للإشارة إلى عدد تراكمي من الجرائم والحوادث على مر السنين مع الإشارة إلى أن الأرقام تستمر في النمو. ولكن في الحقيقة هناك تحريف واضح للإحصاءات. حيث صدر تقرير في صيف عام ٢٠٠٠ من قبل مجموعة وطنية من المحامين جاء فيه أن إحصاءات الجريمة الأمريكية في أوكيناوا تعادل ١٠ مرات مثيلاتها من الجرائم المرتكبة من قبل المواطنين المحليين. وقد تم نشر القصة على نطاق واسع في الصحافة المحلية. ولكن تبين فيما بعد أن البيانات المكتوبة في هذا التقرير، الذي كتبه عضو في جمعية المحامين في أوكيناوا، غير صحيحة إلى حد كبير. ومع ذلك تم إلحاق الضرر. فحتى بعد الإدلاء ببعض التصحيحات الصغيرة، قام أحد المتحدثين في تجمع حاشد في غينوان يوم ١٥ يوليو/ تموز من ذلك العام ودون سابق إنذار بالاستشهاد بنفس الرقم السابق في الصحافة، ولذلك ما يزال الانطباع بأن الجرائم المرتكبة من قبل القوات الامريكية مرتفعة.(*٧) ومن الجدير بالذكر أن معدلات الجرائم المرتكبة من قبل العاملين الأمريكيين بدأت بالانخفاض على مر السنين.

تجدر الإشارة أيضا إلى أن العقوبة أشد وطأة على الجانب الأمريكي. حيث أنه لن يعاقب أعضاء الجيش في المحاكم المدنية فقط إذا وجدوا مذنبين ولكن من المرجح أنهم سيعاقبون في المحاكم العسكرية على الجرائم الموجهة ضدهم. وعلاوة على ذلك، يعاقب على الجرائم المزعومة المرفوضة من قبل ممثلي الادعاء الياباني داخل الجيش إذا تم العثور على خروقات في قواعد السلوك.

على الرغم من هذا، لا تزال هناك دعوات لمراجعة اتفاقية وضع القوات، على الرغم من أن اليابان أفضل حالا نسبيا عن غيرها من البلدان ذات اتفاقيات مماثلة. وإن اتفاق وضع القوات الخاصة الياباني مع جيبوتي هو أكثر بعدا فيما يتعلق اعطاء اليابان حقوقا خاصة مع الادعاء. هذا لا يعني أن سكان أوكيناوا ليس لديهم  مخاوف مشروعة بشأن وجود القوات الاميركية في جزيرتهم ولكن هذه مجرد حقائق يجب إدراكها وتصورات من الضروري تصحيحها لمعالجة التناقضات من أجل التحرك إلى الأمام.

من المهم تطبيق ذلك لأن مشكلة أوكيناوا تشبه إلى حد كبير العقدة. ”المشكلة الأساسية“ هي حلقة واحدة من حلقات أخرى متشابكة، منها القضايا الاقتصادية والقضايا الاجتماعية والتاريخية ومجموعة أخرى من المشاكل التي تشكل برمتهّا هذه المعضلة. إذا قام أحدهم بانتزاع هذه الحلقة والتي هي مشكلة القاعدة العسكرية، فإن هذا سيؤدي إلى إحكام العقدة فقط. كما هو الحال، عند فك القيود عن هذه العقدة المتشابكة، لذا ينبغي أن تفصل جميع القضايا بعناية وأن تدرس وتقدر. هناك حاجة إلى حلول شاملة استنادا إلى بيانات موضوعية واعتبارات غير عاطفية.

تشمل مشكلة أوكيناوا جميع الفاعلين الثلاثة: أوكيناوا واليابان والولايات المتحدة على هذا النحو، فإذا كان المطلوب حقا الخروج بحل أو قرار مناسب، يتوجب استيعاب احتياجات وآراء كل من الفاعلين الثلاث على حدة. وإذا قام أي طرف بتبني موقفا غير مرن وهذا يعني تبني موقف غير صادق على الصعيد السياسي، فإن فرص التحرك إلى الأمام في أوكيناوا تصبح ضئيلة جدا لأنه سيكون من المستحيل تقريبا العثور على أرضية مشتركة. وهنا يجب أن تكون أوكيناوا جزءا من الحل وليس فقط جزءاً من المشكلة.

(المقالة الأصلية باللغة الإنكليزية)

 

(*١) ^ انظر روبرت إلدريدج، علاقات اليابان والولايات المتحدة بعد إعادة أوكيناوا. دراسة استقصائية أولية للسياسات المحلية والقواعد العسكرية، ١٩٧٢-٢٠٠٢ (مدينة تويوناكا: جامعة أوساكا- مركز دراسات الأمن الدولي والسياسة، ٢٠٠٤)، ص ١٩، ٢٩.

(*٢) ^ كيفن ماهر، كيتسودان ديكيناي نيبون (اليابان التي لا تستطيع أن تقرر)، (طوكيو: بونجي شونجو ٢٠١١).

(*٣) ^ روبرت إلدريدج (ما تطلبه أوكيناوا، ما المطلوب من أوكيناوا) المجلد ١١٥ رقم ٨ (أب ٢٠٠٠)، ص. ١٦٢.

(*٤) ^ دان ميلتون وروبرت إلدريدج .، ”نقاش عاطفي يطمس قيمة وظائف فوتينما“ اليابان تايمز، ٧ آذار ٢٠١٠.

(*٥) ^ كاتسوماتا هيديميتشي (بين الردع وتخفيف العبء)، المجلد ١٢٥، رقم ١٢ (كانون الأول ٢٠١٠)، ص. ١٣٢.

(*٦) ^ يوناجوني (الرأي العام منقسم؛ الاجتماع التوضيحي لقوات الدفاع الذاتي البرية ينقلب رأسا على عقب)، أوكيناوا تايمز، ١٨ تشرين الثاني ٢٠١١. ص. ٢٩.

(*٧) ^ كوروكي ماساهيرو وتوشيوكي هاياكاوا. إعلان عهد جديد في أوكيناوا: كسر المحرمات على مشكلة أوكيناوا في الذكرى الثلاثين من استعادتها إلى اليابان)، (طوكيو: سيكاي نيبونشا ٢٠٠٢) ، ص ٢٦-٢٧.

يمكنك تصفح المرجع التالي:
القواعد العسكرية الأمريكية في أوكيناوا و”الأمن الياباني“

  • [19/11/2012]

أستاذ مشارك سابقاً في جامعة أوساكا ونائب رئيس هيئة الأركان سابقاً في G-7 (الحكومة والشؤون الخارجية)، منشآت مشاة البحرية في المحيط الهادئ. شارك في تأليف ”الرأي العام الياباني والحرب على الإرهاب (بالغريف ٢٠٠٨)“ وغيره من الكتب. يمكن التواصل معه: عبر عنوان بريده الإلكتروني : robert@robertdeldridge.com

مقالات ذات صلة
  • Simo

    خروج القوات الامريكيه والتركيز على تحسين مصادر الدخل المحلية بالذات السياحة سيساعد كثير على حل هذه المشكلة حسب اعتقادي

المقالات الأكثر تصفحا

في العمق جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)