في العمق ثورة الغاز الصخري والطاقة في اليابان
ثورة الغاز الصخري من منظور جيوسياسي

تانيجوتشي توموهيكو [نبذة عن الكاتب]

[28/02/2013] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS | ESPAÑOL | Русский |

لفتت "ثورة الغاز الصخري" انتباه المهتمين في مجالات الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية. نستعرض في هذا المقال مجموعة من الأفكار الخاصة التي تقدم بها تانيجوتشي توموهيكو الأستاذ الزائر بجامعة كييو جيجوكو وأحد اعضاء فريق Nippon.com حول الآثار الاقتصادية والجيوسياسية لهذه الثورة على اليابان والعالم.

يطلق في الآونة الأخيرة على ثورة الغاز الصخري التي حدثت بالولايات المتحدة الأمريكية بما في ذلك النفط الحجري ”ثورة الغاز الصخري“. وقد أثرت تلك الثورة بطبيعة الحال على قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية. أما في اليابان فالآثار المحتملة لهذه الثورة على الاقتصاد الياباني وعلى النظام العالمي غير معروف بما فيه الكفاية. لذلك في هذا المقال سنشرح الآثار الاقتصادية والجيوسياسية المترتبة على ثورة الغاز الصخري على كل من اليابان وباقي بلدان العالم.

الأثار السلبية على الاقتصاد الشامل في كل من اليابان والولايات المتحدة

إن لثورة الغاز الصخري تأثيراتٍ متناقضةً على كل من اليابان والولايات المتحدة في الاطر العامة لميزان الاقتصاد الشامل سيما وانها قد تؤدي إلى تراجع في نمو الاقتصاد الياباني الذي دعمته العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقبل ذلك، سيحدث تراجع ملحوظ في واردات الطاقة الأولية للولايات المتحدة. وذلك بالتوافق مع التوقعات القوية السائدة التي تتنبأ بأنه وفي المستقبل القريب سيتناقص الاعتماد على المصادر الطاقة الخارجية تدريجيا ليقترب من الصفر. وسيتم وقف استنزاف الأموال والخروج من العجز المالي ليتماثل الإقتصاد للتعافي. ويبدو أن الإقتصاد الياباني وحده هو الذي يتسارع في الاتجاه المعاكس تماماً.

وإذا لم يتم اتخاذ قرار جريء لدعم وتحديث الإستفادة من الطاقة النووية (وهذا احتمال ضعيف) من قبل السياسيين اليابانيين، فان اليابان لن تتمكن من خفض وارداتها من الطاقة. ولو تم تصدير الغاز والبترول الأمريكي بشكل فعلي إلى اليابان وذلك وفقاً لنيٌة الكونجرس والمجالس التنظيمية الفيدرالية في الولايات المتحدة، فانه سيؤدي إلى زيادة حدة الخلل في الميزان التجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد نتج عن ذلك ”عجز“ في الميزان التجاري لليابان مع الولايات المتحدة، كما اقترب اليوم الذي سيزداد فيه هذا العجز تدريجياً. وفي ذات الوقت ينتشر بين كل اليابانيين بكل طوائفهم من سياسيين وصناع القرار شعور عام باقتراب اليوم الذي سيكون الوضع فيه قد تخطى كل تصورات. وكما نرى، فإن ذلك سيؤدي حتما إلى إنخفاض في فائض الميزان التجاري. ومن بعدها، فإن الإقتصاد الياباني سيعاني من ضعف عام على جميع مستويات الميزان التجاري.

إن المدخرات والحساب الجاري وجهان لعملة واحدة في مفهوم الاقتصاد الشامل، فلذلك يجب علينا مواجهة الصعوبات الكبيرة للحصول على التمويل. حيث سيؤدي التناقص الحاد في عدد السكان القادرين على العمل في اليابان إلى تناقص حاد في المدخرات، وبالتالي إلى تدهور ميزان المدفوعات الجاري. ولعل المذهل في الأمر هو السرعة الكبيرة التي يتدهور بها الوضع. حيث يؤدي كلٌ من عامل الخوف من الطاقة النووية بعد حادثة الزلزال الكبير الذي ضرب شمال شرق اليابان وما أعقبه من موجات تسونامي مدمرة ضربت مفاعل فوكوشيما وكادت أن تتسبب في كارثة نووية من جانب، ومسألة ثورة الغاز الصخري في أمريكا من جانب آخر الى منحىً رهيب من التدهور لا يمكن تصوره.

وبطبيعة الحال سوف ينتج عنه زيادة سعر الفائدة داخل اليابان وصعوبة التخلص من الديون. مما يجعلنا نشعر أن أزمة اليونان ليست ببعيدة عنا.

التفكير فيما لا يمكن تصوره والاستعداد للطوارئ

إن الغاز الصخري والنفط الصخري سيسهمان بالتقليل من اعتماد الولايات المتحدة على المصادر الخارجية للطاقة الأولية. فما أثر ذلك على  المساهمات الخارجية لأمريكا في المجالات السياسية والأمن الدولي؟ بالتوازي مع إهتمامنا بالإقتصاد الشامل، إن ما يثير الإنتباه هو الآثار الجيوسياسية المترتبة على ثورة الغاز الصخري. وستفضي هذه الثورة على الأغلب إلى تناقص إهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط. إن إحساس الولايات المتحدة بالمسؤولية إزاء النظام العالمي هو الذي أدى إلى استمرارها في مساندة الشرق الأوسط. كما ان انخفاض الاهتمام بالشرق الأوسط قد يؤدي إلى خفض الإهتمام بالشؤون الخارجية لدى الولايات المتحدة. وعلى ذلك فإن السؤال المطروح الآن: هل سيؤدي ذلك إلى زيادة إستقرار العالم؟ بداية الإجابة هي بالتأكيد بالنفي.

حيث سيؤدي عدم استقرار النظام العالمي إلى زيادة صعوبة التنبؤ بالمستقبل. وبالتوازي مع ذلك، إن سعر الفائدة المتزايد سيؤدي إلى زيادة مطردة في المخاطر حيث أن الفائدة تتحكم بتدفق الرأسمال العالمي.

ستتفاعل العوامل الداخلية والخارجية معاً لترفع سعر الفائدة البنكية في اليابان. لذا فمن المرجح أن يكون مد موجة ثورة الغاز الصخري كبيرا وعلى نطاق واسع. وفي هذه الحالة سيكون من الضروري ”التفكير في أصعب المواقف التي يصعب حدوثها“ والتحدي هنا هو حول منظومة التفكير وإتخاذ القرار في اليابان.

الاقتصاد الياباني يفقد القدرة على تحقيق مكاسب

سجل الفائض التجاري لليابان معدلاً تجاوز فيه حاجز الـ١٠ تريليون ين على مدى عشر سنوات من ١٩٩٨ حتى ٢٠٠٧، وخلال هذه الفترة كان أعلى رقم تم تسجيله في عام ١٩٩٨ بـ ١٣٫٩ تريليون. وأقل رقم في عام ٢٠٠١ وصل إلى ٦٫٥ تريليون ين. لكن في عامي ٢٠٠٨ و ٢٠٠٩ تأثر هذا الرقم بتراجع أداء الاقتصاد العالمي وهبط لحوالي ٢ تريليون ين.

 وفي عام ٢٠١٠ بلغ رقم الفائض التجاري ٦٫٦ تريليون ين معاودا بذلك صعوده. اي بعبارة اخرى بأن مثل هذا النوع من الصعود وعلى النطاق الكبير الذي تم تسجيله يمكن أن يكون الأخير. وفي عام ٢٠١١، سجل الميزان التجاري لليابان لأول مرّة خلال ٣١ عاما عجزا قدره ٢٫٦ تريليون ين ومن المتوقع ان يصل الى نحو ٥ تريليون ين عند ظهور بيانات عام ٢٠١٢ ومن خلال متابعة التغيرات في الميزان التجاري لليابان، نجد أنه وبعد ١٤ سنة من تحقق أكبر فائض عام ١٩٩٨ أن التحرك أخذ اتجاهاً سلبياً تماماً، حيث بلغت الخسارة نحو ١٩ تريليون ين. وبعبارة اخرى فان ذلك يمثل او يعادل اختفاء اقتصاد احدى الدول المدرجة في الترتيب الأربعين كدول ذات اقتصاد متوسط الحجم في التصنيف العالمي مثل التشيلي والبرتغال.

ولعل متابعة هذه التحركات على مستوى الميزان الجاري توضح لنا أن التغيرات التي تطرأ على الإقتصاد الياباني غير عادية. حيث أنه في مقابل الفائض التجاري لليابان على مستوى العالم والذي بلغ ٢٤٫٩ تريليون عام ٢٠٠٧ فانه من المتوقع ان يتراجع إلى ٤٫٣ تريليون في عام ٢٠١٢ وهذا يعني أنه سيؤدي إلى تراجع ليبلغ حوالي ٢٠٫٦ تريليون ين. فإننا نجد أن هذا الرقم مشابه لاختفاء شركات مثل جنرال موتورز وفورد. وبالتالي من الممكن أيضا تخيل فرص العمل التي من المؤكد فقدانها. ولو حدث مثل هذا الوضع في الولايات المتحدة لإستحال معه إعادة انتخاب رئيس البلاد لفترة ثانية. ومع الافتراض بأن تأثير ثورة الغاز الصخري مباشر جدا في إلقاء الضوء على الاقتصاد الياباني من خلال ميزان العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، فإن ذلك قد يكون سبباً في تغير شكل الميزان التجاري حيث إن التخيل بأنه لدى اليابان القدرة على التصدير لأمريكا والخروج من الأزمة الحالية هو مجرد خلاصة أفكارنا المتجمدة. فقد استمر فائض الميزان التجاري مع الولايات المتحدة في حدود ٧ تريليون أو ٨ تريليون ين خلال عشر سنوات اعتبارا من ١٩٩٨. وكان أعلى فائض في تلك الفترة ٩٫٢ تريليون ين في عام ٢٠٠٦. ولكن بعد الأزمة المالية العالمية، توقف سقف هذا الفائض بين ٣ تريليون و٤ تريليون ين. وقد دخل الاقتصاد الياباني في علاقاته مع العالم الخارجي في ذلك المناخ مع بداية القرن الحادي والعشرين وخلال فترة قصيرة جدا، ساء كل من لميزان التجاري وميزان المدفوعات الجاري بشكل حاد وذلك حسب تفسير معظم المحللين الاقتصاديين يرجع الى أن اليابان بحساسيتها من مخاطر توليد الطاقة النووية، كانت مجبرة على زيادة واردتها من الوقود الحفري بشكل لافت. ولكن السبب الأعمق وراء ذلك يرجع إلى افتقاد الاقتصاد الياباني القدرة على بذل المزيد من الجهود لخلق بيئة تسهم في تدفق الأموال السائلة.

التأثير السلبي لانخفاض الادخار على تدهور ميزان المدفوعات الجاري

ومن ناحية أخرى، يظهر هنالك نهايةً لعصر زيادة معدلات الادخار في اليابان فقد حددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن معدل الادخار الأسري لعام ٢٠١٢ في اليابان بـ(OECD)١٫٩٪. أى أنه منخفض بشكل ملحوظ عن ألمانيا بــ ١٠٫١٪ وعن الولايات المتحدة بـ٣٫٧٪. و يبدو انّ مدى هذا الفارق كبير جدا. و بالعودة إلى عام ١٩٩٥، نجد أن كلاً من ألمانيا والولايات المتحدة لم تتخطيا نسبة ١ بالمئة، بينما تراجعت اليابان عشر نقاط آنذاك أي من ١٢٫٢٪ .(*١)

ومن الواضح أنه لا مفر من الإقرار بأن الحكومة قد أفرطت في الإقتراض. ولكن في حالة اليابان يبدو أنها عوضت هذا الإقتراض عن طريق تراكم مدخراتها (أو من الأفضل القول بسبب قلة إستثماراتها)، وحافظت على معدل الإدخار (معدل الناتج المحلي الإجمالي) على مستوى اليابان عند ٢٢٫٩٪، ورغم ذلك يعتبر هذا الرقم بمثابة إنخفاض بحوالي ٨٫٦ نقطة في الرقم المسجل في عام ١٩٩٥. بل إن كون القوام الأساسي لهذا الإدخار معتمد على قطاع الشركات، ليس إلا على دليل على تراجع فرص الإدخار في البلاد. ولذلك، فإن عودة القوام الأساسي للعملية الادخارية إلى الادخارات الأسرية، ضعيف الاحتمال. وزيادة على هذا الموقف الإقتصادي الصعب، تظهر أثار ثورة الغاز الصخري تلك. ومن المرجح تَحول فائض الميزان التجاري مع الولايات المتحدة والذي حقق ٣ تريليون ين إلى عجز في الميزانية. أيا كان مصدر الغاز الطبيعي الذي سيتم تصديره لليابان، سواء كان مستخرجاً من الغاز الصخري أو غاز طبيعي عادي من ألاسكا، فإن هذا يعد تحّولا تاريخيا. كما إن الرد الوارد على هذا الجدل، هو أن شراء الموارد من الولايات المتحدة، يأتي في المقام الأول وذو فوائد عديدة من نواحي أخرى كثيرة بعيدا عن الاقتصاد حيث يُّعد عملية شراء من دولة حليفة تحقق فوائد من ناحية الحفاظ على الأمن. أما في المقام الثاني فيتسبب في زيادة السعر العالمي للغاز الطبيعي المرتبط بدوره بسعر البترول وبالتالي فحينما تقدر الولايات المتحدة على شراءه بسعر رخيص ستتمكن من تحسين ميزان المدفوعات الخارجي لديها. والافتراض الأول يحظى بالقبول فإذا ما كان الموضوع يتعلق بشراء الموراد فمن الأفضل شراءها مع الولايات المتحدة. أما بخصوص النقطة الثانية، فالرأي يتجه الى أن الغاز والبترول الأمريكيين قد ينخفض سعرهما. بل بالأحرى القول بأنه إذا ما تطلب الأمر استيراد الغاز والبترول الأمريكيين فيجب استغلال علاقة التحالف بين البلدين في التفاوض حول أسعار الشراء بسعر رخيص.

ولذلك فحين يصل الوضع إلى حدوث عجز تجاري في علاقات اليابان الخارجية، يجب إيقاظ قدرات اليابان الاقتصادية مع تلقي تلك الصدمة. وبدراسة إحصائيات العلاقات الخارجية لكل منطقة سنجد أنه لا يوجد هناك أي منطقة أخرى تنافس حجم الصادرات السابقة للسوق الأمريكية. فتاريخ علاقات اليابان التجارية مع الصين منذ عام ١٩٨٨ مستمر في تسجيل عجز تجاري كل عام حتى اليوم. لذلك حتى إن تم تخفيض سعر واردات الطاقة المستوردة من الولايات المتحدة فإنه من غير المتوقع أن يشهد الإقتصاد الياباني على مستوى ميزان العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة أى تحسن ملحوظ حيث لم يعد هناك أى شئ يمكن تصديره لها في المقابل. ومع ظهور مثل هذا العجز التجاري في ميزان المدفوعات الجارية مع الولايات المتحدة، يجب توقع تغير الميزان التجاري إلى العجز خلال فترة زمنية ليست بالبعيدة مع باقي دول العالم. وبإعطاء مثال لإحدى الشركات اليابانية، فإن ميزان المدفوعات لدبها سيشهد عجزاً قريباً وبالتالي ستصبح أيضا عمليات التمويل صعبة. وإذا ما اتضح هذا الموقف، فسيكون من الصعب جدا منع إرتفاع أسعار الفائدة. ولكن لن تصل الأمور إلى درجة اليونان والبرتغال.

وستزيد ديون الحكومة على غرار كرة الثلج لدرجة من الصعب تخّيلها.

هل ستقلل الولايات المتحدة من مساهمتها في الخارج؟

لقد تابعنا في هذا المقال حتى هذه الفقرة التغيرات السلبية على ميزات المدفوعات بين اليابان والعالم الخارجي. لكن هل يجب زيادة استيراد موارد الطاقة الأمريكية؟ ويجب لفت النظر هنا إلى أنه سيترتب على ذلك ارتفاع سعر الفائدة في اليابان وما سيصاحب ذلك من تدهور ملحوظ في الأحوال المالية .ومن المؤكد أن يكون لهذا الوضع انعكاساته على السياسة. سيما وإن السعي لتحجيم  تقدم الصين وطموحها في التوسع في مجالها البحري عن طريق تنظيم القوة الدفاعية وقدرة التأمين البحري، لهو بمثابة الفرصة الأخيرة بالنسبة لليابان. ومع اعتدال نظام المجتمع الداخلي في اليابان والآمال المعقودة على إمكانية استمرار الأوضاع المالية، يتطلب زيادة قوة الردع إزاء الصين والقدرة الاستباقية علما بازدياد هذا الوضع تعقيدا مع الزمن.

كما إن الفكرة التقليدية لدى اليابان منذ إنتهاء الحرب العالمية المتأصلة في ”الحصول على دعم الجيش الأمريكي في مقابل مصاريف إدارة القواعد الأمريكية في اليابان“، قد فقدت قدرتها على تحقيق التوازن كما كان الحال دائما. وبينما يحاول الجيش الأمريكي التوسع في المناطق المجاورة للمحيط الهادي وحتى المحيط الهندي وبالطبع زيادة استثماراته هناك، يصعب على اليابان كدولة مضيفة لقواعد الجيش الأمريكي الإستمرار في زيادة دخلها من مصاريف هذه القواعد. ومن هذا المنطلق يتضح أن على اليابان ألاّ تهتم بزيادة المصاريف المدفوعة عن القواعد الأمريكية مقابل الاهتمام بتقوية علاقات التحالف بين البلدين والحفاظ عليها فقط بل والإسراع في اعتماد حق الدفاع عن البلد في الدستور. وهنالك أيضا الآثار التي قد تنجم عن مثل هذه السياسات الداخلية في اليابان على المستوى الدولي نظراً التغيرات الجيوسياسية التي قد تثيرها ثورة الغاز الصخري.

ولعل احد الأعمدة التي دعمت النظام العالمي بعد الحرب العالمية، هو إطار الحفاظ على أمن دول الشرق الأوسط الذي إلتزمت الولايات المتحدة بتقديمه لتلك الدول. فالاتفاق المتبادل بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية الذي يتحكم في رفع وخفض إنتاج البترول، لم يكن علاقة قائمة على تقارب وجهات النظر بقدر ما كانت قائمة على دعم علاقات المصالح المتبادلة وظلت الولايات المتحدة تحظى بالقدرة على التأثير لخفض أسعار البترول وتهديد الاتحاد السوفيتي إذا ما استدعى الأمر ذلك. وكان مقابل قيام الولايات المتحدة بحفظ أمن الشرق الأوسط، أن قامت المملكة العربية السعودية بإيداع مداخيل النفط في سوق المال في نيويورك بشكل يضمن دوران أموال البترول في أسواق الدولار. حيث قام الدولار بوضع البترول على رأس المنتجات الأولية كعملة تحدد أسعار باقي المنتجات، ووفقا لمقولة الفرنسيين فإن الولايات المتحدة بذلك تملك ”امتيازا هائلا“ بهذه الطريقة كما انها تخلصت من مخاطر تغير سعر صرف الدولار، وأصبحت الولايات المتحدة تؤثر في باقي العالم عن طريق سياستها المالية عن طريق هذا الامتياز، وصارت قادرة على جعل عمليات شراء النفط تتم عن طريق الدولار فقط. لكن ذلك لايزال متغيراً حتى مع كون أثار ثورة الغاز الصخري مازالت في بداياتها.

تراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط لأول مرة منذ ٥٥ سنة

لقد كان قرار الولايات المتحدة بترك مسؤولية الضربات الجوية للقوات الإنجليزية والفرنسية لمطاردة العقيد القذافي في ليبيا (ولكن يقال بأنه كان لإمداد الولايات المتحدة للقنابل الدقيقة دور في نجاح المهمة) إشارة إلى تراجع الدور الأمريكي لأول مرة منذ ٥٥ عاما. فمنذ أزمة السويس بين عامي ١٩٥٦-١٩٥٧عملت الولايات المتحدة باستمرار على تأكيد نفوذها في الشرق الأوسط وعلى تقليل نفوذ فرنسا والمملكة المتحدة محافظة بذلك على مكانتها هناك. وكذلك ذكر الكاتب ديفيد سانجا في كتابه الجديد ”المواجهة والتصالح“، أن السبب وراء توقف دعم الرئيس أوباما لحكم مبارك في مصر يكمن في أن الإدارة الحالية اختارت تتفادي المزيد من الخسائر وذلك لأنها لم تعد مهتمة بالثروات الوهمية التي تصورت الولايات المتحدة وجودها في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية.

وارتبط ايضا انسحاب الولايات المتحدة من العراق وأفعانستان بتوجيه ثقلها إلى المحيطين الهندي والهادي في إطار حماية أمنها القومي عبر تحول في ترتيب أولوياتها. وبهذا بدأ تراجع إسهام الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وهنا سيظهر تأثير ثورة الغاز الصخري.

وسنحاول فيما يلي بألاّ نقع في جدل قائم على الحقائق والأرقام. لو تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق الإكتفاء الذاتي من الوقود الاحفوري، فسيؤدي ذلك إلى صعوبة الإعتماد عليها للتدخل من أجل ضمان إستقرار الشرق الأوسط. وبالتأكيد لا يوجد اعتراض على ذلك.

وباستبعاد الثقل الصامت للولايات المتحدة، نجد أن أنظمة الحكم في الشرق الأوسط ستتعرض لهزة بما في ذلك المملكة العربية السعودية التي استطاعت مواجهة موجة ”الربيع العربي“. ومن المحتمل أن تسعى الولايات المتحدة لحشد الدول للتطوع للتدخل في تلك الحالة لكنه من الصعب تصور أن الصين وروسيا سيتبعانها. وحينها سنعرف نحن مدى صعوبة العالم بدون وجود أقطاب سياسية.

في هذه الحالة، سيصبح المستثمرون أكثر جبنا وخوفا من المخاطر المحدقة. وسيؤدي ذلك إلى انسحاب المستثمرين من السوق العالمية وسينعكس ذلك سلباً على موجة العولمة. بمعنى أخر، سينتهي عصر الفوائد المالية المنخفضة في العالم لترتفع إلى مستويات كارثية وتهدد البلدان ذات الاقتصاديات الضعيفة. إما بالنسبة لليابان التي أصبحت مؤخرا غير قادرة على خلق تيارات مالية، فهناك مخاوف كبيرة من أن يتم إلتهامها من قبل تلك الموجة العكسية. وتزداد هذه المخاوف بسبب إعتمادها الكبير على الدول المصدرة للنفط بالشرق الأوسط.

وعندها، لا يمكن التنبؤ إذا ما كانت الصين ستصمد أمام هذا الوضع. ولكن ستعمل بكين على خلق نظام يمكنها من شراء النفط والموارد بالرنمينبي. وسيزيد من احتياطي الرنمينبي الموجود في البنوك المركزية في كل الدول الأسيوية. وبالتالي فإن ازدياد القوة الاقتصادية لبكين سيكون من السيناريوهات المحتملة. 

الاستعداد للاحتمالات الأسوأ

ومن هذا المنطلق فانه من الخطأ اعتبار ثورة الغاز الصخري مجّرد ظاهرة اقتصادية فقط. حيث أن مهمة المحافظة على أمن واستقرار النظام العالمي التي تولته الولايات المتحدة هي مسؤولية مشتركة بين كل الدول التي استفادت من النظام العالمي القائم. ومن بين هذه الدول، تبرز اليابان كدولة يجب عليها البدء فورا في مواجهة أسباب هذه المخاطر.

لذلك يجب على السياسيين اليابانيين أى كان موقعهم كحزب حاكم أو معارضة، الاستعداد لتوحيد مواقفهم أزاء هذه الفترة الزمنية القادمة. ومازالت الفرصة قائمة لمثل هذا التحرك إذا ما قام الحزبين الديمقراطي والليبرالي بتوحيد موقفيهما من الأزمة.

ومن منطلق السياسة الدبلوماسية علينا التسارع في اتجاه التعاون مع كل من الدول الديمقراطية المطلة على المحيط والدول الناطقة بالإنجليزية لمواجهة هذا الموقف. بحيث يتم التخطيط للتعاون مع الدول التي لديها نفس وجهات النظر وتشترك في المصالح والأضرار. أما النوع الآخر من الدول الناطقة بالإنجليزية، فتكمن أهميتها في قدرتها على تدفق المعلومات بسلاسة باللغة الإنجليزية. وأهمية ذلك في خطورة التحول لعصر يصعب فيه التنبؤ بالمستقبل. وبالتالي، يجب على اليابان تكثيف علاقاتها الدبلوماسية مع أستراليا والهند وبريطانيا وكندا وبشكل أكبر من المعتاد.

(المقالة الأصلية باللغة اليابانية، نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٢، الصورة لموقع التنقيب عن النفط الصخري –  حجر الاردواز/ السجيل الزيتي –  ولاية تكساس الامريكية)

(*١) ^رقم ٩٢ –  التوقعات الاقتصادية – منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD Economic Outlook No.92).

يمكنك تصفح الروابط التالية لمعرفة المزيد عن ثورة غاز الشيل:
Japanese Energy Strategy in the Shale-Gas Era
A US Strategist Speaks on Japan’s Leadership and Energy Policy Needs

  • [28/02/2013]

عضو مجلس التحرير لـ Nippon.com. استاذ محاضر زائر في جامعة كييو. ولد في محافظة كاغاوا عام ١٩٥٧. تخرج من كلية الحقوق بجامعة طوكيوعام ١٩٨١. وعمل ككاتب وعضو مجلس التحرير في جريدة (ني –كيي بيزنيس) وعمل بعدها نائب السكرتير الإعلامي لوزارة الخارجية. كان سابقا زميل زائر في جامعة برنستون بمنحة من فولبرايت وهو حالياً زميل زائر في معهد شانغهاي للدراسات الدولية. نشر العديد من المطبوعات.

مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع
  • ديناميكية القيادة وواقعية التعاطي مع سياسة الطاقةفي أوائل نوفمبر/تشرين الأول عام ٢٠١٢، أعلن شينزو آبي، رئيس الحزب الليبرالي أكبر الأحزاب المعارضة، أن حزبه سوف يقوم بإعادة تشغيل منشآت الطاقة النووية اليابانية إذا وصل إلى السلطة مرة أخرى. وكان هذا ردا على إعلان رئيس الوزراء آنذاك يوشيهيكو نودا عن خطة للتخلص التدريجي من الطاقة النووية بحلول عام ٢٠٣٠. وقد تحدث عضو هيئة تحرير Nippon.com تانيغوتشي توموهيكو مع جون هامر، رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، لمعرفة رأيه حول خيارات سياسة الطاقة في اليابان والتوقعات بشأن تأثيرها على العلاقات الثنائية.

المقالات الأكثر تصفحا

في العمق جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)