في العمق سياسات الرعاية الاجتماعية اليابانية في مفترق الطرق
مستقبل الضمان الاجتماعي في اليـابـان…إلى أين ؟

مياموتو تارو [نبذة عن الكاتب]

[18/06/2015] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | FRANÇAIS | ESPAÑOL | Русский |

يبدو أن رقعة الفقر وعدم المساواة الاقتصادية آخذتان في الاتساع في اليابان حتى مع تضخم نفقات الضمان الاجتماعي. وفي هذا المقال يدعو مياموتو تارو إلى إنشاء نموذج جديد من الضمان الاجتماعي يركز على العمل لتلبية احتياجات السكان في سن العمل في اليابان في عصر يتسم بتنقل اليد العاملة.

اليابان هي الدولة الأولى خارج العالم الغربي التي تتمتع حقاً برفاهية كاملة متكاملة وذلك إذا ما تطرقنا فقط إلى حجم الإنفاق الحكومي على الضمان الاجتماعي. فوفقاً لإحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فقد أنفقت اليابان نحو ٢٣.١٪ من الناتج المحلي الإجمالي على الضمان الاجتماعي عام ٢٠١١، متجاوزة بذلك بريطانيا (٢٢.٧٪)، وتقترب بالكاد من هولندا (٢٣.٥٪). ولعل الإنفاق الاجتماعي في اليابان يُقَلِّلُ من مستوى الإنفاق في دول شرق آسيا، بما في ذلك كوريا الجنوبية التي تأتي في المرتبة الثانية وتنفق ١٠٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي. وبذلك تكون اليابان اليوم هي بلا شك دولة الرفاهية الأبرز في آسيا، وإن كان هذا على الأقل من منطلق الإنفاق الحكومي فقط.

لَكِّنَ المستويات العالية من الإنفاق الاجتماعي لا تعني بالضرورة النجاح في التعامل مع التحديات الاجتماعية مثل وجود الفقر وانخفاض عدد السكان. فعلى الرغم من ارتفاع نفقات الضمان الاجتماعي فقد بَقِيَ انتشار الفقر بين النساء في سن العمل في تصاعدٍ مستمر حيث ارتفع معدل الفقر إلى ١٢.٦٪. أما في هولندا، التي تنفق تقريبا نفس النسبة المئوية من الناتج المحلي الإجمالي على الرعاية الاجتماعية، فإنَّ معدل الفقر بين النساء يصل إلى ٤.٦٪ فقط. ومع تصاعد الفقر بين الأسر ذات العائل الواحد، فقد ارتفع معدل الفقر بين الأطفال في اليابان كذلك ليصل إلى ١٤.٩٪ وذلك وفقا للأرقام التي أفادت بها منظمة الأمم المتحدة للطفولة ”يونيسف“ والتي أشارت إلى أن فقر الأطفال في هولندا، على سبيل المقارنة، كان بمُعَّدل ٥.٩٪ فقط.

ولعل أداء اليابان أفضل قليلاً عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع التحديات الديموغرافية التي تواجه دولة الرفاهية، خاصة بعد الفشل في إحراز أي تقدم يذكر ووضع حد لمشكلة انخفاض عدد السكان المزمنة. في ربيع عام ٢٠١٤ حيث بَعَثَ مركز الأبحاث بِصدمةٍ في أنحاء اليابان من خلال ما ورد في التقرير الذي حذر من أنه بحلول عام ٢٠٤٠، فإنَّ نصف بلديات اليابان قد تواجه خطر الانقراض بسبب انخفاض عدد السكان.

نظام ضمان اجتماعي غير متوازن

حتى بداية هذا القرن كانت اليابان تنفق على الضمان الاجتماعي وبشكلٍ أقل من الولايات المتحدة من حيث النسبة المئوية من الناتج المحلي الإجمالي. وذلك مع أن مستوى الفقر في اليابان كان أقل مما هو عليه اليوم بكثير، ويمكن قول نفس الشيء عن ”معامل جيني“ وهو مقياس لعدم المساواة في الدخل. حيث ارتفعت حدة الفقر وعدم المساواة في الدخل مع تضخم الإنفاق الاجتماعي. وبالتالي ما الذي يفسر هذا التناقض الغريب؟

والجواب هو أن نظام الرعاية الاجتماعية في اليابان يميل هيكليا نحو دعم كبار السن عن طريق معاشات التقاعد وفوائد الرعاية الصحية. وتعود أسباب الزيادة في الإنفاق في السنوات الأخيرة بشكل شبه كامل للشيخوخة السكانية السريعة إضافة لهيكل الميزانية غير المتوازن. وهذا ما يجعل إعانات اليابان النقدية للمسنين تصل إلى ٨.٨٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أعلى بكثير من متوسط نسبة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وهي ٦.٩٪.

وفي الوقت نفسه، فإنَّ المصاعب الاقتصادية بين السكان في سن العمل آخذة أيضاً في الارتفاع. وكذلك التحول نحو وظائف مؤقتة وغيرها من أشكال العمالة ”غير المنتظمة“ والذي يجلب بدوره المزيد من أولئك الذين يعانون من وراء توفر فرص توظيف غير مستقرة وغير كافية فقط في حين أنَّ الحكومة لا تفعل شيئا يذكر لدعم هؤلاء الناس في سن العمل من خلال تفعيل برامج مثل التدريب المهني وخدمات رعاية الأطفال النهارية. سيما وأن اليابان تنفق ١.٤٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي على المنافع الموجهة نحو الأسرة والخدمات، وأقل بكثير من متوسط نسبة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبالغة ٢.٢٪. مما يدفع سكان اليابان في سن العمل وعلى نحوٍ واسع إلى تمويل نفقات الرعاية الاجتماعية التي يستفيد منها بشكل كبير كبار السن.

ومع نمو الفقر والمساواة في الدخل رغم تضخم نفقات الضمان الاجتماعي، فإنه من السهل أن نستنتج أن دولة الرفاهية اليابانية عبارة عن فشل متعذر إصلاحه. لكن التوقعات ليست بأي حال ميؤوس منها. في الواقع، أعتقد أن المفتاح لمستقبل مشرق يكمن في عملية إحياء التركيز على الأمن الوظيفي – مع تكيفات القرن الحادي والعشرين – والذي حدد دولة الرفاهية على الطريقة اليابانية حتى منتصف التسعينات التي تميزه عن نظرائه الغربيين.

المساواة دون إعادة التوزيع

وربما يتسأل المرء كيف كانت اليابان قادرةً على احتواء عدم المساواة الاجتماعية والفقر والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي مع دولة رفاهية ذات أبعاد متواضعة؟ وقد يشير البعض في هذا الصدد إلى النمو الاقتصادي السريع ولكن دون وجود آلية لتوزيع ثمار النمو على كل قطاع من قطاعات المجتمع، وهذا ما يدفع بعدم التكافؤ في المساواة الاقتصادية للنمو حتماً جنباً إلى جنب مع النمو الاقتصادي. وفي الواقع، كان لدى اليابان مثل هذه الآلية المعادلة، ولكن على عكس دولة الرفاهية النموذجية، فإنها لم تعتمد على إعادة توزيع الدخل عن طريق الإنفاق الاجتماعي.

عدم المساواة الاقتصادية قبل وبعد إعادة التوزيع حسب الدولة، منتصف التسعينات (معامل جيني)

قبل إعادة التوزيع بعد إعادة توزيع معدل إعادة توزيع
ألمانيا (١٩٩٤) ٠.٤٣٦ ٠.٢٨٢ ٣٥.٣٪
الولايات المتحدة (١٩٩٥) ٠.٤٥٤ ٠.٣٤٤ ٢٤.٥٪
السويد (١٩٩٥) ٠.٤٨٧ ٠.٢٣ ٥٢.٩٪
اليابان (١٩٩٤) ٠.٣٤٠ ٠.٢٦٥ ٢٢٪
المصدر: ”Burniaux“ وغيره، ١٩٩٨.

وعوضاً عن التركيز على إعادة توزيع الدخل من خلال الإنفاق الاجتماعي. فقد استثمرت اليابان في الأمن الوظيفي وكانت ممارسة العمل على المدى الطويل، وهي إحدى السمات المعروفة للإدارة على الطريقة اليابانية، وكذلك العنصر الأكثر وضوحا المتعلق بنظام الرعاية والقائم على الوظيفة. ولكن كان هناك أكثر من ذلك بكثير مما هو عليه حيث كانت وسيلة أخرى لتوفير الأمن الوظيفي من خلال الإنفاق الحكومي الهائل على مشاريع الأشغال العامة. ففي منتصف التسعينات، كانت اليابان تنفق ٦.٤٪ من الناتج المحلي الإجمالي على الأشغال العامة، وهذا أكثر بكثير من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الأخرى. وقد ساعدت مشاريع البنية التحتية والبناء الفخم استقرار العمل خارج المناطق الحضرية الكبرى حيث نفّذت الحكومة أيضا حزمة كبيرة من السياسات الضريبية والتنظيمية لحماية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، شملت عدداً لا يحصى من تجار التجزئة وأصحاب المحال الصغيرة. كما ساعدت هذه التدابير بدورها على ضمان استقرار العمل على الأقل للمعيلين الذكور في كل صناعة تقريباً، وبغَضِّ النظر عن الإنتاجية. وحتى منتصف التسعينات، لم تشهد اليابان ارتفاعاّ لمعدلات البطالة فوق ٣٪ وهذا إنجاز استثنائي.

ويستند نظام ما بعد الحرب هذا للرعاية القائم على العمل على نموذج يصون مكانة عائل الأسرة الذي يدعم بمفرده زوجته وأولاده من دخل العمل الذي يقوم به. لدعم هذا النموذج، وقد وفرت أنظمة الضرائب والمعاشات التقاعدية عُطَلاً للعائلات مع ربات البيوت بدوام كامل. ومع التأكيد للرجال حصولهم على وظائف ثابتة وتكريس النساء أنفسهن لرعاية الأطفال والرعاية التمريضية، أضحت الحكومة قادرة على التركيز على برامج الإنفاق الاجتماعي في السنوات الذهبية، وبعد توقف العائل الذكر عن عمله المضمون. أصبح التحيز الحالي تجاه كبار السن سيد الموقف وبالتالي ثمرة من نظام الرعاية الاجتماعية التي تركز على الوظيفة في اليابان.

  • [18/06/2015]

أستاذ السياسة الاجتماعية والرفاهية في جامعة ”تشوأو“. حاصل على درجة الدكتوراه من كلية الدراسات العليا في القانون بجامعة تشوأو. عمل كأستاذ مشارك في جامعة ”ريتسوميكان“ وأستاذ في جامعة هوكايدو. يعمل حاليا في مجلس الأمن الاجتماعي التابع لوزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية. مؤلف كتاب ”استراتيجية من أجل أمن الحياة: ربط التعليم، التوظيف، والضمان الاجتماعي“ وغيرها من الأعمال.

مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع
  • الإصلاحات السياسية الضرورية للمرأة المسنة في اليابانتواجه المرأة اليابانية ثلاث عقبات رئيسية في سعيها المهني خلال حياتها. باستخدام البيانات، تقوم هيغوتشي كيكو، وهي خبيرة في قضايا المرأة بتسليط الضوء على التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي لا تزال تواجهها المرأة في المجتمع الياباني الأشيب.
  • إعادة توظيف كبار السن: الواقع والتحديات• مع انكماش عدد سكان اليابان، تحتاج البلاد إلى تحقيق الاستفادة القصوى من قوة العمل المتاحة لديها، بما في ذلك الذين تبلغ أعمارهم الستين عاماً أو أكثر. ولكن النظام الحالي لإعادة توظيف كبار السن من الموظفين بعقود قصيرة الأجل يجلب معه العديد من المشاكل.
  • لغز تفاوت ”الدخل - الخدمات - العدالة“ وسبل محاربة الفقر في الياباناليابان ليست الدولة الصناعية الوحيدة التي شهدت زيادة في عدم المساواة في الدخل في العقود القليلة الماضية، لكنها في الواقع واحدة من عدد قليل من البلدان التي يزداد فيها الفقراء فقرا. يستخدم كومامورا كوهي العديد من البيانات لتوثيق هذا الاتجاه في حين يتفحص الآثار الاجتماعية والسياسية المترتبة عليه.

المقالات الأكثر تصفحا

في العمق جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

أحدث المواضيع

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)