في العمق دراسة أوكيناوا اليوم
الهوية الأوكيناوية والنضال من أجل حق تقرير المصير

شيمابوكورو جون [نبذة عن الكاتب]

[08/02/2016] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS | ESPAÑOL | Русский |

منذ الحملة الانتخابية الناجحة لأوناغا تاكيشي على منصب محافظ أوكيناوا في الخريف الماضي، ظهر مصطلح ”هوية أوكيناوا“ كتعبيرٍ عن صرخة ألم بغية جمع الشمل من أجل التكاتف لمواجهة خطط نقل موقع قاعدة فوتينما الجوية التابعة لمشاة البحرية الأمريكية ضمن محافظة أوكيناوا. وفي هذه المقالة، يستعرض شيمابوكورو جون، الخبير في العلوم السياسية والناشط من أوكيناوا، معنى الهوية الأوكيناوية في سياق تاريخي مركزا على المعاناة جراء ”التمييز الهيكلي“ في فترة ما بعد الحرب.

خلال انتخابات شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام ٢٠١٤ الرامية لاختيار محافظ أوكيناوا ظهرت عبارة طنانة وهي ”هوية أوكيناوا“ واكتسبت شعبية كبيرة، ولم تكن تلك الانتخابات سوى تنافساً حول خطط حيال نقل قاعدة فوتينما الجوية التابعة لمشاة البحرية الأمريكية ضمن محافظة أوكيناوا أي من مدينة غينووان إلى منطقة هينوكو في مدينة ناغو ذات الكثافة السكانية الأقل. وقد فاز عمدة مدينة ناها سابقا أوناغا تاكيشي في الانتخابات على أساس معارضة بناء منشأة بديلة في هينوكو لنقل القاعدة إليها أو إلى أي مكان آخر في أوكيناوا. وقد سعى أوناغا في دعوته للـ”الهوية على حساب الأيديولوجيا“ إلى بناء جبهة موحدة ضد خطة نقل القاعدة، وهو تحالف يهدف ليشمل جميع سكان أوكيناوا ويضم جميع الأطياف السياسية من الليبراليين الديمقراطيين اليمينيين إلى الشيوعيين اليساريين.

وهذه أول مرة على الإطلاق يقوم فيها سياسي أوكيناوي بالتوضيح لشعب أوكيناوا لماذا يجب عليهم أن يقرروا مصيرهم، وبشكل خاص فيما يتعلق بالقواعد العسكرية الأمريكية في اليابان التي تتركز غالبيتها في محافظة أوكيناوا. وفي الحقيقة أتخذ كثير من السياسيين المحليين ممن ترشح لعضوية مجلس النواب أو مجلس الاستشاريين (الشيوخ) في السنوات الأخيرة هذا الموقف. ولكن حتى الآن لم يحاول أي سياسي بارز الفوز بتأييد جميع الأطياف السياسية من خلال رفع شعار ”الهوية الأوكيناوية“ باعتبارها مبدأ لوحدة الصف ومتجاوزا بذلك الولاءات الحزبية والمصالح التنافسية للدوائر الانتخابية المحلية.

الهوية السياسية تصنع تحالفات غريبة

وبالكاد مع حلول عودة أوكيناوا إلى السيادة اليابانية في شهر مايو/أيار ١٩٧٢، قامت القوى السياسية في أوكيناوا بتنظيم صفوفها إما مع الحزب الليبرالي الديمقراطي المحافظ أو مع الحزب الاشتراكي الياباني التقدمي، وهذا ما يعكس الانقسام الذي كان يهيمن على السياسة القومية في فترة الحرب الباردة. وكأنت تلك الأسس التي استمد السياسيون منها تأييدهم. حيث كان انقسام القوى السياسية إلى يمينية ويسارية آنذاك ذا معنى في أوكيناوا فقد غطت المعركة الأيديولوجية على قضية القواعد الأمريكية وتزامنت إلى حد كبير مع وجود تصدعات في العلاقة بين الشركات والنقابات العمالية.

وقد بدأت هذه البنية بالانهيار عندما أُثير الخلاف مجددا بشأن قاعدة فوتينما الجوية عام ٢٠٠٩. وفي عام ٢٠١٠، انضم سياسيو أوكيناوا من الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى تقدميي المحافظة في الدعوة إلى نقل قاعدة فوتينما خارج المحافظة. مما أدى إلى قيام معظم المنشقين عن الحزب الليبرالي الديمقراطي بالتخلي عن ذلك التحالف تحت ضغوط كبيرة من القيادة المركزية للحزب. أما الفئات المتبقية فكانت جماعات متباينة أيديولوجياً وتبنت في نهاية المطاف فكرة الهوية الأوكيناوية كسبب يدعو للاتحاد فيما بينها.

ولكن إلى ماذا تشير الدعوة التي يطلقها هذا التجمع؟

وفقا للاستخدام الحالي لذلك المصطلح الرنان من سياسيين وناشطين محليين أصبحت ”الهوية الأوكيناوية“ مرادفاً لحق سكان أوكيناوا في تقرير مصيرهم، وهي فكرة أن يكون لأوتشينانتشو (كما يدعو سكان أوكيناوا أنفسهم) القول النهائي لهم بشأن استخدام أرضهم ومياههم ومواردهم الأخرى. وقد أصبحت هذه القضية ذريعة رئيسية في معارضتهم للخطة الحالية لنقل القاعدة الأمريكية.

إن تقرير المصير هو مسألة سيادة، وهذا يتجاوز قضية الحكم الذاتي المحدود المكفولة لهذه المحافظة اليابانية. وإذا تمكن شعب أوكيناوا من نيل حقه في تقرير المصير، فهذا يعني أنه لن يكون بمقدور الحكومتين الأمريكية واليابانية بعد الآن التوصل لوحدهما فقط اتخاذ القرار بشأن القاعدة. حيث يجب علىيهما أن تحترما رغبة شعب أوكيناوا، وعلى الحكومة اليابانية الحصول على موافقة أوكيناوا في مثل هذه القضايا حتى يصبح قرارها شرعيا.

الخلفيات التاريخية لحق تقرير المصير

تعود الجذور التاريخية لقضية حق تقرير المصير إلى مملكة ريوكيو والحقبة التاريخية التي تلت ذلك في أوكيناوا. وتتمثل النقطة الرئيسية الأولى في قيام حكومة ميجي بضم مملكة ريوكيو بالقوة. أما النقطة الثانية فتتعلق باستسلام اليابان بموجب بنود إعلان بوتسدام واستيلاء الجيش الأمريكي على تلك الجزر فيما بعد.

كانت ريوكيو مملكة مستقلة قبل ضمها بالقوة عام ١٨٧٩ ولكنها ارتبطت بالصين بعلاقة تبعية قائمة على كسب مباركة الإمبراطورية الصينية في شؤون تولي الحكم. وكانت الإمبراطورية الصينية قد اعتادت على مطالبة الدول الآسيوية الأخرى التي تحافظ معها على علاقات تجارية ودبلوماسية أن تكسب مباركتها أيضا وبالرغم من تمتع تلك الدول باستقلال سياسي كامل. (في ظل حكم أشيكاغا يوشيميتسو (١٣٥٨-١٤٠٨)، فإنّ اليابان بدورها كانت تتواصل مع سلالة مينغ الإمبراطوية في الصين للحصول على مباركتها). وقد استمرت علاقة التبعية التي تربط مملكة ريوكيو بالصين زهاء ٥ قرون. وفي عام ١٨٠٩، قامت إقطاعية ساتسوما القوية في جزيرة كيوشو بغزو ريوكيو، وسمحت لتلك المملكة أن تستمر بعلاقاتها مع الصين القائمة على التبعية ولأنّ علاقات ريوكيو والصين آنذاك كانت تعود أيضا بفوائد اقتصادية على إقطاعية ساتسوما كما لم يكن هناك أي تدخل في الشؤون السياسية الداخلية لمملكة ريوكيو. وفي منتصف القرن التاسع عشر، تم اعتبار ريوكيو كدولة ذات سيادة بموجب القواعد العرفية للقانون الدولي العام، ويدلل على ذلك حقيقة أن الولايات المتحدة وقّعت مع هذه المملكة معاهدة منفصلة.

ولكن في عام ١٨٧٩، أرسلت حكومة ميجي اليابانية – التي تأسست قبل عقد من ذلك التاريخ – قواتها لمحاصرة قلعة شوري وأعلنت ضم مملكة ريوكيو. وقد قاوم سكان ريوكيو عملية الضم والاندماج بسبل متعددة، منها القيام بحركة تحرر وطني شامل، وقيام نبلاء مملكة ريوكيو بمناشدة حكومة إمبراطورية تشينغ الصينية بمساعدتهم، وكذلك العديد من السفارات الأجنبية بنفس الشأن. ولكن حكومة ميجي قضت على جميع أشكال المقاومة بلا هوادة. وفي نهاية المطاف، فرّ الكثير من طبقة النبلاء إلى الصين، أما المتبقون وعددهم كبير فقد هاجروا فيما بعد إلى هاواي. ومع انهيار منظومة الحكم التقليدية في ريوكيو، لم يكن أمام سكان تلك الجزر – أصبح اسمها محافظة أوكيناوا فيما بعد – إلا فرص ضئيلة للاستسلام لسياسة الاندماج التي اتبعتها الحكومة اليابانية.

يقول دعاة الحصول على حق تقرير المصير في وقتنا الحالي إن ضم اليابان بالقوة لبلد كان معترفا به كدولة ذات سيادة أمرٌ لا يمكن تبريره بموجب القانون الدولي، وبأن شعب ريوكيو لم يُسَّلم أبدا سيادته لليابان بمحض إرادته الحرة. وهذا هو الموقف الجوهري لـ”جمعية الدراسات الشاملة من أجل استقلال شعب ليو تشيو (ريوكيو)“ التي تم تأسيسها حديثا والتي سوف نناقش ما يتعلق بها فيما بعد.

إن تهجئة كلمة ريوكيو تعكس اللفظ الياباني لاسم الجزر والمملكة التي كانت تحكمها. وقد تبنى بعض مؤيدي الاستقلال التهجئة ”ليو تشيو“.

النموذج الإسكتلندي في انتقال السلطة

إن المثال الإسكتلندي – الذي عكفت على دراسته على مدى سنوات طويلة – يقدم نموذجا مفيدا في الحصول على حق تقرير المصير. كما أنه يؤسس لسابقة مهمة في أن إسكتلندا أكدت مجددا وضمنت بطريقة سلمية حقها في تقرير المصير بالرغم من دخولها في اتحاد سياسي مع إنكلترا في الماضي. ومما لا جدال فيه أن إسكتلندا لها تاريخ كانت فيه بلدا مستقلا، وينبثق حق الإسكتلنديين في تقرير المصير من اعتقاد راسخ في ذلك البلد.

خلال عام ١٦٨٩، وبعد أن أطاحت الثورة المجيدة في إنكلترا بالملك جيمس الثاني وجلبت الملك ويليم الثالث إلى العرش، وافق البرلمان الإسكتلندي على قانون المطالبة بالحقوق والذي حدد حقوق الأمة، وانحل البرلمان لتشكيل حكومة لحماية تلك القوانين. وبعد ٣ قرون – في عام ١٩٨٩- أسس نحو ٨٠٪ من أعضاء البرلمان الاسكتلندي ونواب يُمثلون نحو جميع بلديات إسكتلندا هيئةَ تداولاتٍ أصدرت قانوناً جديدا حول المطالبة بالحقوق تم فيه التأكيد على الحق السيادي لشعب إسكتلندا في تشكيل حكومته، وبعبارة أخرى حق تقرير المصير.

وصدر عنَ تلك الهيئة ميثاقا دستوريا لإسكتلندا تضمن تطوير أُطر العمل والتشريعات الأساسية الهادفة لتشكيل لحكومة جديدة مستقلة. وفي عام ١٩٩٧، تبنى حزب العمال البريطاني بقيادة طوني بلير حرفيا وبصورة فعلية هذه المسودة كإحدى تعهداته الانتخابية خلال الانتخابات العامة. وبعد فوز حزب العمال بالانتخابات، قدم رئيس الوزراء طوني بلير مشروع القانون إلى البرلمان. وتم سن قانون إسكتلندا عام ١٩٩٨ تقريبا بنفس الصياغة التي وضعها الميثاق الدستوري الإسكتلندي.

وبموجب قانون إسكتلندا لعام ١٩٩٨، يضمن الشعب الإسكتلندي الحق في تقرير المصير الداخلي، ما يعني القدرة على سن قوانين تحكم شؤونهم المحلية. ولا تزال إسكتلندا جزءا من المملكة المتحدة، ولا تزال السلطة فيما يتعلق بقضايا مثل الدبلوماسية والدفاع وسياسة الاقتصاد الكلي بيد الحكومة البريطانية. ولكن الإسكتلنديين فازوا بالإقرار بحقهم في تقرير المصير وحققوا مستوىً عالٍ من الاستقلالية السياسية، وسواء إن أقدموا على الخطوة التالية وأصبحوا مستقلين أم لا فهذا أمر ليس في غاية الأهمية.

وهناك تحركات مماثلة جارية على قدم وساق في أوكيناوا. ففي يناير/كانون الثاني ٢٠١٣، قدم رؤساء جميع بلديات الجزيرة البالغة ٤١ وغيرهم من المشرعين من حزبي الأغلبية والأقلية وممثلين عن شركات ومنظمات عمالية، عريضة لرئيس الوزراء يطالبون فيها بالقيام فورا بإزالة جميع طائرات أوسبري MV-22 المنشورة في قاعدة فوتينما، وإغلاق القاعدة، وإيقاف جميع خطط نقل القاعدة إلى مكان آخر ضمن محافظة أوكيناوا. ويأمل الناشطون تتويج جهودهم البناءَّة تلك بالنجاح، تماماً مثل حققه دعاة نقل السلطة في إسكتلندا على قانون المطالبة بالحقوق عام ١٩٨٩.

الهوية المزدوجة لشعب أوكيناوا

وبينما اكتسب الحراك من أجل حق الأوكيناويين في تقرير مصيرهم زخما في الجزر، لا يزال مؤيدو الاستقلال الكامل أقلية منعزلة. فالمحافظ أوناغا، كما هو الحال بالنسبة لمعظم سكان المحافظة، يعتبر نفسه أنه ياباني وأوكيناوي في آن واحد، وهو يبني مواقفه – بما فيها معارضة خطة نقل القاعدة الأمريكية إلى منطقة هينوكو – استنادا إلى وضعه الراهن كعضو مساهم في المجتمع الياباني ولديه آمال يتمنى أن تحققها حكومته باعتباره أحد مواطنيها. ودعونا نستعرض معاً وعلى عَجَل هذه الهوية المزدوجة.

ادعى إيها فويو (١٨٧٦-١٩٤٧) والذي كان رائدا في مجال الدراسات الأوكيناوية، أن الشعبين الأوكيناوي والياباني يتشاركون نفس الجذور العرقية والثقافية، مشيرا إلى أن أوكيناوا حافظت على بقايا الثقافة واللغة القديمتين لليابان، وكان يأمل في نقش مكانة لأوكيناوا بوصفها جزءا لا يتجزأ من اليابان وأن يتم تشريع الصفات الفريدة التي كان الناس في أرض اليابان الرئيسية يميلون لازدرائها. وكان يسعى إلى تكوين والحفاظ على شعور بهوية أوتشينانتشو بين الأوكيناويين بدون رفض الاندماج، لتمكين أوكيناوا من أن تصبح جزءا لا يتجزأ من اليابان بدون فقدان الصفة الفريدة للغة وثقافة أوكيناوا. وكان لأعمال إيها فويو تأثير هائل على دراسات أوكيناوا وعلى طريقة تفكير المثقفين الأوكيناويين بشكل عام، ولا تزال أفكاره تسيطر إلى حد كبير.

ولكن أوكيناوا لم تُعامل على أنها جزء لا يتجزأ من اليابان منذ الحرب العالمية الثانية، وكان للوعي بشأن هذا ”التمييز الهيكلي“ تأثير متنامي على شعور الأوكيناويين بالولاء والهوية. ومنذ معركة أوكيناوا ١٩٤٥، تعامل قادة اليابان مع الجزر على أنها أراض زائدة يمكن الاستغناء عنها والتضحية بها من أجل مصالح الأرض الرئيسية. وبالتالي فهوية ”أوتشينانتشو“ والدافع نحو حق تقرير المصير هما محصلة طبيعية لنضال الأوكيناويين خلال فترة طويلة بعد الحرب بهدف استعادة الحقوق والحكم الذاتي التي ضاعت نتيجة لتلك الخيانة.

  • [08/02/2016]

أُستاذ في كلية التربية بجامعة ريوكيوس، مختص بالحكم الذاتي المحلي والإدارة العامة. ولد في مدينة ناها بأوكيناوا عام ١٩٦١. حصل على شهادة دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة واسيدا. أسس عام ٢٠٠٢ جمعية أوكيناوا جيتشي كينكيوكاي (جمعية لدراسة الحكم الذاتي في أوكيناوا)، وهي منتدى يضم مواطنين محليين وإداريين. من مؤلفاته ”أوكيناوا شينكو تايسيي أو توو (تساءل عن سياسة التنمية في أوكيناوا)“.

مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع
  • قضية أوكيناوا والأمن في شرق آسياألقت المشكلة الشائكة المتمثلة في نقل قاعدة فوتينما الجوية التابعة لقوات البحرية الأمريكية في أوكيناوا بظلالها على فرص التواجد العسكري الأمريكي هناك. في غضون ذلك، تشكل الاستراتيجية التوسعية للصين تحدياً رئيسياً لليابان والولايات المتحدة. وفي هذه المقالة يشرح المعلق المرموق أوكاموتو يوكيؤ المختص في السياسة الخارجية خلفية المشكلة والآثار الإقليمية.

المقالات الأكثر تصفحا

في العمق جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)