في العمق المرأة اليابانية اليوم
ظهور خبراء الطبخ والاحتياجات المتطورة لربات البيوت اليابانية

أكو ماري [نبذة عن الكاتب]

[30/11/2015] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS | ESPAÑOL | Русский |

شهد مطلع القرن العشرين صعود ربة المنزل بدوام كامل في اليابان، مصحوبا معه ظهور خبراء الطهي الذين قدموا لهم المشورة كما حصلت عدة تغيرات اجتماعية في السنوات التي تلت ذلك منها أدوار المرأة وخبراء الطهي. ويلقي هذا المقال نظرة على تلك التغيرات التي ما زال تأثيرها يستمر إلى وقتنا الحاضر.

خلفية عن ظهور خبراء الطبخ

نشأت مهنة ”ريوري كينكيوكا“ أو خبير الطهي، في العهد الحديث لليابان جنبا إلى جنب مع ظهور العاملين في المكاتب لقاء معاش يتقاضاه الشخص مقابل ذلك وقد استخدم أولئك العاملون في هذا المجال دخلهم الشهري لإعالة أسرهم، في حين أصبحت زوجاتهم ربات بيوت بدوام كامل تُكرِّسُ ربة المنزل وقتها فقط لإدارة شؤون الأسرة. وقد نمت الحاجة إلى خبراء الطهي مع توسع رقعة هذه الزوجات.

لقد تم إنشاء صف الطبخ الأول للنساء في اليابان عام ١٨٨٢، كما نشر كتاب الطبخ الأول الذي احتوى عنوانه على كلمة katei (الأسرة) حيث تشير إلى أن الكتاب موجه لربات البيوت، في عام ١٩٠٣. وكانت الجهود المتضافرة آنذاك تعكس التأكيد على منتجات وخدمات الطبخ المصممة خصيصا لربات البيوت والحقيقة أنه حتى ذلك الحين كان الرجال يستأثرون بدراسة فنون الطهي.

وبعد أن سمحت الحكومة اليابانية للمرأة الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي في عام ١٨٩٩، ارتفع عدد النساء اللواتي درسن كتب الطبخ وطورن مواهب الطهي الخاصة بهن في المدارس. ومع تزايد أعداد النساء أصبحت ربات البيوت تعملن بدوام كامل وظهر أسلوب كاتي ريوري (الطهي المنزلي) الذي قدم لربات البيوت الأفكار الإبداعية.

وفي العقد الأول من القرن العشرين تم نشر مجلات إعلامية تستهدف ربات البيوت في اليابان، ومع ولادة الإذاعة عام ١٩٢٧ بدأت برامج الطبخ في الظهور. حيث خلقت كل هذه الاتجاهات طلباً على خبراء الطهي.

بث برنامج الطبخ على تلفزيون NHK على مدى سنوات طويلة

وقد تبوأت مهنة خبير الطهي مكانة عالية في اليابان لا سيما بعد بدء البث التلفزيوني المنتظم عام ١٩٥٣. حيث حققت برامج الطبخ مستوىً عاليا وجلبت المزيد من المشاهدين وأصبح المضيفون والضيوف أصحاب الشخصيات الكاريزمية الجذابة من الشخصيات الشعبية في هذه البرامج.

كما جرى بث برنامج ”كيو نو ريوري (طبق اليوم)“ الذي طال أمده على قناة NHK لأول مرة عام ١٩٥٧. وقد ظهر في هذا البرنامج الذي لا يزال يبث في يومنا الحاضر، عدد من خبراء الطهي على مر السنين، مثل إيغامي تومي (١٨٩٩-١٩٨٠)، التي تمتعت بشعبية كبيرة لصورتها الأمومية، وإيدا ميوكي (١٩٠٣-٢٠٠٧)، حيث جلبت حياتها العالمية كزوجة دبلوماسي ياباني جَوّاً من الشهرة. وكذلك دوي ماسارو (١٩٢١-١٩٩٥)، الطاهي المشهور كان يتمتع بخلفية عسكرية ومتخصصاً في فنون المطبخ الياباني التقليدي ”واشوكو“.

وكانت إيغامي وهي امرأة ملهمة وصلت مهنتها إلى أوجها خلال فترة النمو الاقتصادي السريع في اليابان فيما بعد الحرب، واحدة من أوائل خبراء الطهي الذي ظهروا في البرنامج. في كتاب من تأليف تسويا أكاشي نُشِرَ عام ١٩٧٨ تحت عنوان : مسار إيغامي تومي للطبخ، وقد وَرَد في تعليق إيغامي أن ”جهود ربات البيوت لمفاجأة أفراد الأسرة من خلال وصفات لذيذة جديدة يجلب الانسجام في الأسرة ويعمل أيضا على تمرير تلك النكهات إلى الجيل التالي“. وأضافت بأن جهود ربات البيوت لدعم الأسرة يجلب الاستقرار الاجتماعي وهذا التعليق مبنيٌ على خلفية إيغامي فضلا عن الوضع الاجتماعي في اليابان في ذلك الوقت.

الرغبة بالأسرة النواة في فترة ما بعد الحرب

ولدت إيغامي في عائلة لملاكي الأراضي الأثرياء في محافظة كوماموتو. وكانت والدتها مسؤولة عن توجيه الخدم في المطبخ، وقد نقلت لابنتها الفكرة القائلة بأن المرأة هي أكثر جاذبية عند العمل بنشاط في المطبخ. تزوجت إيغامي من مهندس في الجيش وقد رافقته عندما تم نقله إلى فرنسا عام ١٩٢٧. والتحقت خلال إقامتها هناك في مدرسة لو كوردون بلو (Le Cordon Bleu) للطهي الشهيرة في باريس لدراسة المطبخ الفرنسي. وعند عودتها إلى اليابان، أسست مدرستها الخاصة للطهي بعد تشجيع أصدقاءها في باريس. وبعد نهاية الحرب ركزت طاقاتها على إدارة هذه المدرسة. ثم تم نقل المدرسة التي كانت واقعة في مدينة فوكوؤكا إلى العاصمة طوكيو، وفي السنوات التي تلت جرى عرض هذه المدرسة في وسائل الإعلام كثيرا. وقد التحق نجو ٦٥٠٠ طالب وطالبة خلال فترة أوجها.

وتزامنت فترة النمو الاقتصادي بعد الحرب مع التوسع السريع في عدد العاملين مقابل معاش في اليابان. وأصبح الزواج بمن يُطلق عليه تسمية ”سالاري مين (salarymen)“ بمثابة فرص للنساء لتحقيق حلم بناء الأسرة النواة. وجرى تقسيم العمل داخل هذه الأسر النواة، بحيث عملت الرجال خارج المنزل وبقيت النساء في المنزل لصيانة الأسرة وتربية الأطفال، مما دل على إحراز تقدم في وضع المرأة في اليابان.

وليس من المستغرب أن النساء احتضنت الأدوار الأمومية الجديدة، باعتبار أنه حتى ذلك الحين كانت النساء تُعامل كعمال ثانويين لا يكدحن لساعات طويلة في القيام بالأعمال المنزلية فقط ولكنهن كُلَّفنَ أيضا بالقيام بالعمل الزراعي أو التجاري وقد تمت معاملة هؤلاء النساء تقريبا كأُمَة في حالات كنّ يعيشن فيها جنبا إلى جنب مع آباء أزواجهن.

تجديد المطابخ اليابانية

وكان الدستور الياباني الجديد الذي صدر عام ١٩٤٦ بمثابة خطوة إلى الأمام بالنسبة لوضع المرأة في اليابان لا سيما بما يتعلق بإعلان المساواة بين الجنسين فقد جاء جيلٌ من النساء قادرٌ على تلقي التعليم في ظل الدستور الجديد في ذروة النمو الاقتصادي بعد الحرب. وكان العديد من الرجال الذين أصبحوا ”السالاري مين“ أي ممن يستلم راتبه كل شهر خلال تلك الفترة من ابن ثان أو ثالث لعوائل من الريف أي من الذين لم تكن لديهم مسؤولية رعاية والديهم. وهكذا أصبح الجيل الجديد من ربات البيوت شركاء على قدم المساواة مع أزواجهن في تنفيذ المهام المنوطة بكل منهما.

كما أدى النمو الاقتصادي السريع في اليابان إلى تغييرات كبيرة في المطبخ. مع انتشار السباكة والغاز، ولم يعد من الضروري ضخ المياه من بئر أو إشعال النار. وتم استبدال الأرضيات الترابية بالخشب، مما سهل في رعاية المطبخ والاعتناء به على نحوٍ أفضل. وفي وقت لاحق، أدىّ التوسع في محطات توليد الطاقة الكهربائية على نطاق كبير إلى زيادة سريعة في استخدام الأجهزة والأدوات المنزلية. حيث سمحت الثلاجات لربات البيوت الحفاظ على المكونات الطازجة دون الحاجة للذهاب للتسوق مرارا في حين مكنت طناجر الأرز الإلكترونية طهي الأرز دفعة كاملة بشكل أتوماتيكي في كل مرة. وخلال هذه الفترة، انتشرت الغسالات وأجهزة التلفزيون أيضا في جميع أنحاء اليابان.

وقد تحسن توزيع المواد الغذائية أيضا، مما جعل من الممكن شراء مجموعة واسعة من المكونات في محلات السوبر ماركت، بما في ذلك مجموعة أكبر من الأسماك والخضروات الطازجة. وشجعت الحكومة المواطنين على استهلاك المزيد من البروتين، كما عززت زيادة إنتاج سلع الماشية ومنتجات الألبان. سيما وأن أفراد الشعب الياباني كان قد بدأوا خلال هذه الفترة استهلاك الحليب والبيض واللحوم على نطاق واسع في حياتهم اليومية.

وأخذ خبراء الطهي بتقديم المشورة التي تناسب مطابخ اليابان الحديثة على نحو متزايد، مثل كيفية ضبط المأكولات الغربية والصينية لتناسب الأذواق اليابانية. حيث أن إعداد هذه الأطباق الجديدة كان في غالب الأحيان مسألة معقدة، ومع ذلك فقد أضافت ربات البيوت وَهُنَّ بفارغ الصبر هذه الوصفات إلى قائمة مهارتهم.

وكانت ربات البيوت هذه من جيل تربى أثناء فترة الحرب المضطربة وفترة ما بعد الحرب مباشرة ولم تدرس كيفية الطبخ حيث عانت اليابان نقصا حادا في المواد الغذائية كما كان العديد منهن قد انتقل من الريف إلى المدينة في سن المراهقة وحُرمن كذلك من فرص التعلم من أولياء أمورهن وقد ساهمت هذه العوامل في خلقِ الحَاجَةٍ إلى توفير خبراء الطهي في اليابان.

الاتزان بين الوظائف والأعمال المنزلية

وبعد مرور فترة ليست بالطويلة على ظهور ربة منزل بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت أعداد متزايدة من النساء دخول سوق العمل. كما بدأت الحركة النسوية العالمية أيضا في اكتساب المزيد من الزخم خلال السبعينات مما أدى في نهاية المطاف إلى تمرير اليابان لقانون تكافؤ فرص العمل عام ١٩٨٦. وخلال تلك الفترة، أدت سلسلة من أزمات النفط وعوامل أخرى إلى انخفاض مرتبات الرجال، مما جعل من الضروري وعلى نحو متزايد دخول النساء المتزوجات سوق العمل. ولكن العديد من ربات البيوت أُجبروا على العمل في وظائف بدوام جزئي منخفض الأجر.

وعلى الرغم من دخول المزيد من النساء في القوى العاملة، فقد دفع تدني الوضع الاجتماعي للمرأة بإجبارها على الاستمرار في تحمل عبء أداء الأعمال المنزلية. وهذا يعني القيام بالتسوق والطبخ والتنظيف، بينما كنّ في نفس الوقت يشغلن وظيفة.

ويميل كثيرٌ من المتزوجين الى النظر للأعمال المنزلية كمهامٍ لزوجاتهم وبينما كان الرجال مرتبطين بوظائف تتطلب العمل لساعات طويلة، فمن غير المرجح أن تكون جداولهم قد سمحت لهم القيام بالأعمال المنزلية حتى لو أرادوا ذلك. لكن مع حلول ذلك الوقت أصبحت الوجبات الجاهزة وطلبات الطعام الخارجية متوفرة على نطاق واسع إلا أن توقعات المجتمع أشارت نوعاً ما إلى تلك التطورات التي جعلت المرأة تشعر بالذنب تجاه الاستفادة من هذه الخيارات.

خبيرة طبخ لذوي المشاغل: كوباياشي كاتسويو

كما شهدت هذه الآونة ظهور كوباياشي كاتسويو (١٩٣٧-٢٠١٤)، وهي خبيرة طهي مشهورة جلبت ضجة كبيرة من خلال تقديم وصفات وتقنيات أدت إلى إضفاء البساطة على مراحل عملية الطبخ إلى حد كبير.

ولدت كوباياشي في عائلة من التجار في مدينة أوساكا. وكانت والدتها تُحب طَهي الطعام ووالدها من محبي الطعام وممارسة الطهي في المطبخ. أيضا وعلى الرغم من أن كوباياشي كانت تتمتع بحاسة ذوق رفيعة، إلاّ أنّها لم تكن لتعرف كيفية الطبخ حتى تزوجت وكانت أول وجبة أعدتها كارثية مأساوية. وقد دفعت تلك الانتكاسة بها إلى البدء في تعلم المزيد عن فنون الطهي، والتقاط النصائح من والدتها ومن أصحاب المحلات حيث اشترت الأسماك وغيرها من المكونات بحيث أصبحت طريقتها المميزة في تعليم نفسها كيفية الطبخ واحدةً من نقاط القوة لديها.

وقد أصبحت كوباياشي خبيرة طهي محترفة لا سيما بعد تقديم اقتراحها إضافة شريحة طبخ لإحياء برنامج تلفزيوني متنوع. وسرعان ما استجاب منتج البرنامج لطلب كوباياشي حول القيام بتقديم تلك الشريحة بنفسها. وانتهى بها المطاف في طهي بعض الأطباق التي تعلمتّها من العديد من المتاجر والمطاعم داخل الاستوديو.

ومع نمو تجربتها على الهواء، أصبحت كوباياشي من مشاهير شخصيات التلفزيون ونظراً لانشغالها على نحو متزايد، بدأت بتقديم أفكار لوصفات بسيطة. وقد ضربت تلك أوتارا حساسة بين أوساط مشاهدي التلفزيون مما زاد من شعبيتها أكثر فأكثر.

قدوة ربّةَ منزلٍ حديث: كوريهارا هارومي

وقد حدث تغيير آخر للأجيال عندما وصل الأطفال الذين ترعرعوا وسط أجواء الرخاء التي سادت اليابان مؤخراً إلى سن البلوغ. فقد تَمكن هذا الجيل من تَّعلم كيفية الطبخ من الأمهات اللاتي لديهن ذخيرة واسعة وإعداد طبقين اثنين أو ثلاثة من الأطباق المختلفة عادة في اليوم. كما كان قطاع المطاعم اليابانية آخذ في التوسع خلال تلك الفترة، وقد طورت هذه المجموعة أذواقها من خلال الإلمام بالأطعمة المعدة مهنيا.

وكانت إحدى خبيرات الطهي التي استجابت لاحتياجات هذا الجيل الجديد كوريهارا هارومي (مواليد ١٩٤٧) التي لاقت شعبيةً واسعة نظراً لابتكارها وسائل جديدة عبر تعديلات من ضبطٍ للمكونات والتوابل وكذلك تقديم الأفكار حول كيفية تحسين الأطباق اليومية وتحضير أطباق ترغبها المرأة لمذاقها. ومن خلال عرض أسلوب حياتها كربة بيت سعيدة، ألهمت كوريهارا العديد من النساء ليصبحن أيضا خبيرات طهي بِدَورِهّن.

وفي هذا القرن الجديد مع تحسن النوعية ونمو الطلب على أطعمة المطاعم والوجبات الخارجية فإن عدد النساء اللواتي يواجهن صعوبة في الوصول للمستوى المرجو آخذ في الارتفاع وبالتالي تتوقف عن الطبخ وأصبحت النسوة أيضا أكثر انشغالا مع ارتفاع وضعهن الاجتماعي، وعدم وجود متسع من الوقت لديهن لطهي الطعام. لقد أصبحن جزءا من عالم الشركات، حيث يتوقع منهن العمل لساعات طويلة واليوم يفوق عدد النساء العاملات عدد ربات البيوت، كما أنّ شراء الوجبات الجاهزة أصبح أكثر شيوعا.

ومع ذلك هناك في الوقت نفسه، زيادة في عدد خبراء الطهي، ومجموعة ضخمة من كتب الطبخ المتاحة، التي تقدم أي نوع من الوصفات التي يمكن تخيله. وهذا يعطي الأمل بالرغم من اعتماد الكثير من الناس على شراء وجبات الطعام من خارج المنزل، حيث لا يزال هناك العديد ممن يرغبون في إعداد وجبات الطعام بأنفسهم.

(المقالة الأصلية باللغة اليابانية بتاريخ ٩ اكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٥. الترجمة من الانكليزية. صور العنوان: كوباياشي كاتسويو إلى اليسار، وكوريهارا هارومي، لقطات عامي ١٩٨٥ و٢٠٠٨ على التوالي. جيجي برس).

  • [30/11/2015]

من مواليد محافظة هيوغو عام ١٩٦٨. كاتبة وباحثة في تاريخ الحياة المنزلية. حاصلة على شهادة جامعية من كلية كوبي. كتاباتها تتناول موضوعات مثل الطعام وأنماط الحياة، وسبل معيشة المرأة. وتشمل مؤلفاتها: ”كوباياشي كاتسو وكوريهارا هارومي - خبراء الطبخ وعصرهم“، و”٦٠ سنة من الطبخ في بيتنا: الجدة والأم، والابنة على المائدة“.

مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع

المقالات الأكثر تصفحا

في العمق جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)