وجهات نظر وصفة الطعام الممتع
لحوم الحيوانات البرية وثقافة المطبخ الياباني في المناطق الجبلية

أوئهارا يوشيكو [نبذة عن الكاتب]

[09/06/2015] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS | ESPAÑOL | Русский |

لدى المناطق الجبلية في اليابان تقليد طويل يتعلق بتناول لحوم الحيوانات البرية. يشهد هذا التقليد في السنوات الأخيرة عملية إحياء حيث تستفيد المزيد والمزيد من المطاعم من لحم الغزال وغيرها من اللحوم البرية الأخرى. يلقي هذا المقال نظرة على الماضي والحاضر من هذا الجانب الغير معروف عن المطبخ الياباني.

ثقافة الجبل في اليابان

قد تكون واحدة من الصور الأيقونية من اليابان للكثيرين حول العالم عبارة عن المنازل المتواضعة المؤلفة من طابقين والتي تقع بين المباني الحديثة الشاهقة. ولكن إذا سافر أحدنا خارج المدن إلى ما يمكن تسميته ”أعماق اليابان“، نكتشف وجها مختلفا تماما للأرخبيل، يتكون من مستوطنات صغيرة محاطة بقمم الجبال. هذا هو عالم الجبال في اليابان.

واليابان هي أيضا أرض الغابات حيث تغطي ما يقرب من ٧٠٪ من أراضيها. ومقارنة بأوروبا لا توجد دولة تتجاوز اليابان من حيث بكمية الأشجار سوى فنلندا أو السويد. ولكن على عكس أوروبا حيث التضاريس مسطحة نسبيا، فالجبال في اليابان شديدة الانحدار وهي في كثير من الأحيان غير ملائمة للسكن والزراعة، ولذلك أصبحت الغابات منذ القدم مصدراً لكسب العيش. كما يعتمد سكان هذه المرتفعات على الفضل الطبيعية من الجبال، مما أدى لظهور ثقافة للطبخ تختلف تماما عما ظهر في المناطق الساحلية والمدن.

تاريخ تناول لحوم الطرائد

تقوم صورة المطبخ الياباني التقليدي لدى معظم الناس على اتباع نظام غذائي يعتمد على الأرز والخضروات وغيرها من الأطعمة ذات الأصل النباتي مثل التوفو، وكذلك قدرا كبيرا من الأسماك. وهناك أيضا وجهة نظر رئيسية مفادها أن اللحم أصبح جزء من عادات الطهي الياباني في العصر الحديث فقط. ولكن في الحقيقة كان هناك عادات لأكل اللحوم قبل ذلك، فممارسة الصيد في اليابان منذ العصور القديمة، وحتى بعد ظهور الزراعة استمرت هذه العادة من تناول لحوم الطرائد. وعلى الرغم من أن البوذية حظرت أكل اللحوم، لم يتوقف استهلاكها. حتى خلال عصر إيدو (١٦٠٣-١٨٦٨)، عندما تم حظر استهلاك اللحوم من قبل شوغونية توكوغاوا، استمر سكان المناطق الجبلية في أكل اللحوم كمصدر للبروتين خلال أشهر الشتاء الباردة حين يتعذر عليهم زراعة الخضروات.

على هذا النحو، ومنذ العصور القديمة، تم توريث عادة صيد الحيوانات البرية من جيل إلى جيل. كانت الغزلان والخنازير البرية الحيوانات الرئيسية التي تصطاد في جميع أنحاء اليابان، وكذلك الأرانب البرية، تانوكي (كلاب الراكون)، وطيور التدرج الخضراء. وكان يتم اصطياد الدببة أيضاً في هوكايدو وجزيرة هونشو.

تناول الخنازير البرية له شعبية كبيرة في اليابان منذ وقت طويل. ويمكن التمتع بهذا الطعام الشهي في طوكيو في مطعم Momonjiya، الذي يقدم غداء خاص من لحوم الخنازير البرية التي تغطي الأرز.

 

ويتم تقديم طبق لحم الغزال النيء في مطعم Momonjiya، والذي يعرف بنكهته الغنية وعدم وجود أي رائحة ”لحمية“.

إن ثقافة الصيد وأكل الحيوانات التي تعيش في الجبال لا تتناسب تماماً مع النفور البوذي من تناول اللحوم. وفي ضوء هذه الحقيقة، من المثير للاهتمام النظر إلى العلاقة العميقة بين إحدى معابد الشنتو في محافظة ناغانو وتقاليد الصيد. وقد قدم معبد سوا تايشا منذ العصور القديمة التعاويذ التي تسمح للشخص تناول لحوم الغزلان وكذلك العيدان الخشبية ”هاشي“ الخاصة لاستخدامها عند القيام بذلك. ويمنح زوار المعبد الذين يستخدمون عيدان بينما يقومون بقراءة كلمات الأنشودة الدينية الخاصة إذنا لأكل الغزلان. تقول التعويذات، أوkajikimen، بأن تدمير الحياة، وهنا صيد الحيوانات، في هذه الحالة يتعايش مع الخير. وهذا يعني أن الصيد الذي يتم من أجل العيش له ما يبرره دينيا. ولهذا السبب جذب المعبد الصيادين من مختلف أنحاء اليابان والمؤمنين من الساموراي.

يجذب معبد سوا تايشا (يسار) في محافظة ناغانو المؤمنين من صيادي ”ماتاغي“ التقليديين والساموراي. التعويذة الخاصة والعيدان (وسط) في المعبد لتقديس استهلاك لحم الغزال. كلمات الأنشودة المستخدمة في المعبد (اليمين)، التي تنص على أن الغزلان التي تؤكل تذوب في جسم الإنسان، وبالتالي يتم الوصول إلى النيرفانا.

عندما أطيح بشوغونية توكوغاوا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وتم الدخول في عصر ميجي (١٨٦٨-١٩١٢)، أصبح أكل اللحوم رمزا للسلوك المتحضر. في المدن الكبيرة، تمت تربية الخنازير والماشية للاستهلاك، وبدأ انتشار المطاعم التي تقدم الأطباق من المطابخ المستخدمة للحوم في الجبال، مثل حساء الخنزير البري. أصبحت لهذه الأطباق شعبية بين سكان المدينة، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت أساليب الحياة اليابانية أكثر غربية، وتم إنتاج واستهلاك المزيد والمزيد من لحم البقر والخنزير والدواجن في اليابان. حتى أولئك الذين يعيشون في الجبال، فقد سلكوا هذا الاتجاه وأصبحوا معتادين على التمتع بالمأكولات البحرية كجزء طبيعي من نظامهم الغذائي. أدت عملية التحديث هذه إلى توحيد الثقافة الغذائية في اليابان، ونتيجة لذلك اختفاء العديد من الأطباق المحلية.

في هذه الأيام، على الرغم من أن تناول لحوم الطرائد أمر نادر بالنسبة لمعظم الناس، من الممكن رؤية هذا المطبخ، سواء في المطاعم المتخصصة التي أنشئت في المدن الكبرى أو في منتجعات الينابيع الساخنة وبقع أخرى في الجبال. تذوق لحم طريدة مشوي أو مطهي تم اصطيادها في المناطق المحلية خلال الرحلة هو وسيلة ممتعة للناس لتذوق تجربة خارج عن المألوف.

لحم الخنزير البري (يسار) المستخدم في طبق الحساء في مطعم Takinoya في هاكوني يبرز الأومامي، اللحم اللذيذ يذوب في الفم ولا تفوح منه أي رائحة لحمية حيث يعده الصيادون بعناية. حساء من لحم الحصان والغزلان (يمين) يقدم في مطعم Hamakō في مدينة يوكوهاما. يتم تقديم الطبق مع البيض النيء بشكل مشابه لطبق السوكي ياكي.

العودة إلى لحوم الطرائد

في المناطق الجبلية النائية في اليابان، وحتى في بعض المدن، أصبحت الأضرار التي لحقت بالمحاصيل من قبل الحيوانات البرية مصدرا للقلق. قطعان الغزلان أو الخنازير البرية قد تلتهم الفواكه والخضروات قبل الحصاد وتسبب أيضا في أضرار خطيرة على النظم البيئية للغابات. وفي الوقت نفسه، فقد أصبح شائعا بشكل متزايد للدببة مهاجمة المتجولون أو حتى الظهور في المناطق السكنية. وقد رصدت الخنازير البرية أيضاً حتى في المدن تتسكع حول الأحياء والجامعات في مدينة كوبي الساحلية المتطورة والمعروفة بثقافتها الغربية.

يتم اصطياد حوالي ٤٠ ألف غزال في كل عام في اليابان. الخسارة السنوية للصناعات الزراعية والغابات الناجمة عن الغزلان وغيرها من الحيوانات تتجاوز العشرين مليار ين. هذا هو السبب الرئيسي وراء هجر العديد من المزارعين المسنين مهنة الزراعة. ويقدر أن ما بين عامي ١٩٨٩ و ٢٠١١، تضاعفت أعداد الخنازير البرية وازداد عدد الغزلان عدة أضعاف. حتى الدب الأسود الآسيوي، وهي المصنفة ضمن الأنواع المهددة بالانقراض على الصعيد العالمي، فقد تزايد أعدادها في اليابان.

السلامي مصنوعة من لحوم الغزلان التي تصطاد في محافظة ناغانو.

نظرا لهذا الوضع، تعمل بعض البلديات بجد لتعزيز لحوم الطرائد المحلية. هذه ليست مجرد وسيلة للسيطرة على قطعان الحيوانات، ولكن أيضا لإلقاء نظرة جديدة على تقاليد الطهي الفريدة من نوعها في اليابان ودعم المجتمع المحلي. وقد بدأ هذا الاتجاه مع الغزلان في هوكايدو، وفي السنوات الأخيرة توسعت لتشمل الجهود الرامية إلى العلامة التجارية وزيادة الجودة لجميع أنواع لحوم الطرائد في الجزيرة الرئيسية في اليابان، هونشو.

كما خرجت محافظة ناغانو بنظامها الخاص للتصديق على الحيوانات البرية، تحت عنوان، ”شينشو جيبيه“، وذلك بهدف توفير المنتجات الغذائية ذات جودة عالية؛ جيبيه هي كلمة فرنسية للحوم الطرائد. يقيم هذا النظام العملية برمتها، من الذبح والتخزين إلى عملية التوزيع. وفقا لتاكيؤتشي كيوشي، الذي يدير المورّد الأول للحم الغزال المصرح به من قبل شينشو جيبيه، هاغوكومي كوبو غاكو، السر في لحم الغزال اللذيذ هو ذبح الغزال بطريقة من شأنها أن تزيل أي رائحة كريهة. ويشارك تاكيؤتشي في صيد الغزلان، ثم معالجة وبيع لحم الغزال، وكذلك تشغيل مطعم متخصص في لحم الغزلان. وهو يرأس أيضا جمعية الصيد في المنطقة المحيطة بمدينة سوا في محافظة ناغانو. هدفه هو نشر شعبية منتجات اللحوم البرية عالية الجودة بطريقة تضمن التعايش مع الطبيعة.

وإلى جانب الإحياء الأخير في شعبية المطاعم التي تقدم أطباق اللحوم البرية اليابانية التقليدية من المناطق الجبلية، تظهر طرق جديدة لاستخدام الحيوانات البرية مثل برغر لحم الغزلان. كما وضعت المطاعم الفرنسية في اليابان أيضا قوائم شعبية للحوم الطرائد خلال مواسم الخريف والشتاء. استخدام الغزلان والحيوانات البرية الأخرى التي تم اصطيادها في المناطق الريفية في اليابان يقدم للرواد نكهات جديدة مع كل نوع.

تقدم الحمامة البرية مشوية في مطعم L’Habitude الفرنسي في حي كاغورازاكا، طوكيو (الصورة مقدمة من مطعم L’Habitude)

ويعكس اتجاه ”الماضي يلتقي بالحاضر“ هذا في استخدام الحيوانات البرية من المناطق الجبلية في اليابان أيضا موقفا معينا تجاه الطبيعة، حيث يأخذ الناس التوازن الطبيعي في عين الاعتبار، ويشعرون بالامتنان تجاه فضائل الطبيعة. إحياء اللحوم البرية في اليابان هو فرصة لإعادة اكتشاف الثقافة الغذائية في المناطق الجبلية في البلاد، وفي الوقت نفسه إعادة النظر في العلاقة بين الناس والطبيعة.

(المقالة الأصلية كتبت باللغة اليابانية، ونشرت فى ١٦ مارس/آذار ٢٠١٥. الترجمة من اللغة الإنكليزية.)

شكر خاص إلى:

■ Momonjiya
مطعم في حي ريوغوكو في العاصمة طوكيو، أنشأ في عام ١٧١٨ ويقدم أطباق تضم لحوم الخنازير البرية والغزلان، والدببة. وكلمة momonjiya في اسم المطعم هي مصطلح عام للإشارة إلى الحيوانات البرية.
عنوان: 1-10-2 Ryōgoku, Sumida-ku, Tokyo
هاتف: ٠٣٣٦٣١٥٥٩٦

■ Jinchō Kanmoriya Shiryōkan
يتضمن معرض يجسد التضحية الإلهية لحفل الغزلان في معبد سواعا تايشا.

■ مطبخ جبلي: Takinoya
مطعم يقدم مأكولات منطقة هاكوني المحلية في جو أشبه بمزرعة جبلية. يتوفر قائمة باللغة الإنكليزية استجابة للعدد المتزايد من السياح الأجانب.
عنوان: 442 Kowakudani, Hakone-machi, Ashigarashimo-gun, Kanagawa Prefecture
هاتف: ٠٤٦٠٨٢٤٨٠٠

■ مطعم الوعاء الساخن التقليدي: ōHamak
عنوان:1-24 Nogechō, Naka-ku, Yokohama, Kanagawa Prefecture
هاتف: ٠٤٥٢٣١٠٠٧٠

■ شينشو جيبيه
المتاجر والمطاعم التي تتعامل مع لحوم الطرائد

■ هاغوكومي كوبو غاكو

■ L’Habitude
عنوان: Win Court Kagurazaka 1st floor, 3-5 Minami-yamabushichō, Shinjuku-ku, Tokyo
هاتف: ٠٣٣٢٦٠٨٧٨٤

  • [09/06/2015]

أستاذة في قسم الدراسات العالمية والتبادل بين الثقافات في جامعة فيريس. ولدت في مدينة فوكوكا في عام ١٩٦٥. متخصصة في تاريخ العلاقات الدولية الفرنسية. تخرجت عام ١٩٨٩ من قسم الآداب في جامعة طوكيو النسوية المسيحية. حصلت على شهادة الـ DEA في دراسة تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة من جامعة بانثيون السوربون. وتشمل الأعمال المنشورة مساهماتها في كتاب عام ٢٠١٢ بعنوان ”التوحيد الأوروبي وفرنسا: البحث عن العظمة“ وكتاب عام ٢٠٠٨ بعنوان ”المصالحة والشهامة بعد الحرب“. وقد نشرت عددا من الأوراق العلمية حول موضوعات مثل الوحدة الأوروبية والسياسة والدبلوماسية الفرنسية في عصر العولمة.

مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع
  • هل هناك حياة في الموقع الجديد؟ مستقبل سوق تسوكيجي للسمكهذا هو سوق تسوكيجي الضخم للأسماك في طوكيو الذي أصبح بقعة لتذوق الأطعمة يجذب السياح من جميع أنحاء العالم. ولكن ماذا سيحدث للجزء الخارجي الصاخب من السوق عندما تنتقل عمليات البيع بالجملة في تسوكيجي بما فيها مزادات التونة الشهيرة إلى منطقة تويوسو، في الجزء الشرقي من العاصمة في نوفمبر/تشرين الثاني ؟
  • مغامرة يابانية لأفضل مطعم في العالمسمي مطعم نوما الدنماركي أفضل مطعم في العالم لأربع مرات في السنوات الخمس الماضية لنهج الطبخ المبتكر الخاص بإشراف رئيس الطهاة رينيه ريدزيبيه. وفي أوائل عام ٢٠١٥، افتتح نوما مطعما لفترة وجيزة في فندق ماندارين أورينتال في العاصمة طوكيو وقدم قائمة جديدة من الأطعمة تقوم حصرا على المكونات اليابانية.
  • نداء من أسماك الأنقليس اليابانية المهددة بالانقراضآخذت أعداد أسماك الأنقليس اليابانية في الانخفاض بشكل مطرد مما أدى إلى ارتفاع الأسعار. ويشاركنا روزويل هوسوكي مؤلف لسلسلة مانغا عن المطبخ الخاص بسمك الأنقليس بأفكاره حول ايجاد حلول لهذه المشكلة كما يشرح أيضاً المزيد عن سحر طهي أسماك الأنقليس.
  • كيف أصبحت ”الشعرية الصينية“ الوجبة اليابانية المفضلة؟أصبح طبق الرامن، الذي نشأ في الصين، واحداً من الأطباق الأكثر شعبية في اليابان وذلك على مدى العقود القليلة الماضية، مما أثار منافسة شديدة بين محلات الرامن في البلاد. وهذه المقالة تُلقي نظرة في التاريخ للتعرف على ما يقف وراء وله اليابان بطبق الرامن.
  • سوشي إيدوماي: وجبة سريعة ذات تاريخ عريققد يُمَثِّل الجلوس على منضدة ”كاونتر“ في مطعم مخصص للسوشي تجربة رهيبة للزبائن الجدد في تلك المطاعم. لكن معرفة القليل عن أساسياتها يمكن أن يُسهم بتأثير ايجابي في هذا الصدد. في هذه المقابلة، يشاركنا كبير الطباخين ”آوكي توشيكاتسو“ ببعض المعلومات عن أطباق سوشي من نمط ”إيدوماي Edomae“ الذي يقدم في مطعمه ”سوشي آوكي“ الشهير في منطقة- جينزا- بطوكيو

المقالات الأكثر تصفحا

وجهات نظر جميع المقالات

فيديوهات مختارة

الكلمات الأكثر وروداً

バナーエリア2
  • كلمة رئيس التحرير
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)