وجهات نظر ”تقاليد مذهلة“ مواكبة للحياة العصرية
الفن الياباني والسير على خطى الأجداد

كوياما-ريتشارد بريجيت [نبذة عن الكاتب]

[15/04/2014] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | FRANÇAIS | ESPAÑOL | Русский |

أنتج معهد أداتشي للوحات الخشبية الحاوي على نحو ١٢٠٠ لوحة لروائع فنانين مثل هوكوساي وأوتامارو. وقد زارته السيدة بريجيت كوياما ريتشارد، وهي باحثة فرنسية متخصصة في الفنون الجميلة اليابانية، باستوديو طوكيو لتقدم تقريرا عن كيفية العمل فيه حيث تُستخدم تقنيات لم تتغير منذ عصر إيدو.

منذ القرن التاسع عشر، وقد افتتن الغرب بالخطوط بالغة الرقة والتراكيب الخيالية والألوان الجميلة التي تميز لوحات أوكييو-إي الخشبية اليابانية (وتعني أوكييو-إي حرفياً ”صورة العالم العائم“). حيث كان فن الأوكييو-إي خلال عصر إيدو (١٦٠٣-١٨٦٨) جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية بوصفه وسيلة للاتصال والترفيه والتعليم في المؤسسات التعليمية الخاصة التي كانت يطلق عليها “تيراكو-يا“. كما ترك الأوكييو-إي تأثيراً كبيراُ على الفنون الجميلة.

في أوروبا ومع ذلك، لا يوجد اليوم سوى عدد قليل من الحرفيين القادرين على إنتاج لوحات الأوكييو-إي الابداعية، الأمر الذي يطرح سؤالاً فيما إذا كان من الممكن تمرير التقنيات الرائعة اللازمة لإنتاج لوحات خشبية متعددة الألوان لأجيال المستقبل.

ولحسن الحظ، يشارك معهد أداتشي للوحات الخشبية الواقع في حي ميجيرو بالعاصمة طوكيو في إعادة إنتاج روائع الأوكييو-إي لفنانين مثل كاتسوشيكا هوكوساي (١٧٦٠-١٨٤٩) وكيتاجاوا أوتامارو (١٧٥٣-١٨٠٦)، اضافةً الى ابتكار أعمال أصلية وبالتالي الحفاظ على تقنيات وتقاليد هذا النوع من الفنون. وقد تجولنا في استوديو اللوحات الخشبية في المعهد، مسترشدين بمديره ناكاياما ميغوري. حيث شاهدنا هناك النحاتين والطابعين الذين يستخدمون الأساليب نفسها التي كان يتبعها فنان عصر إيدو السيد كاتسوشيكا هوكوساي لإعادة إنتاج رائعته ”المشاهد الستة والثلاثين لجبل فوجي“.

عملية إعادة إنتاج لوحة الأوكييو-إي الخشبية  (١-٤: النحت، ٥-٨: الطباعة)

يلصق التصميم على قطعة خشبية (١)، ثم يتم حفر المخطط بسكين صغير (٢). بعد إزالة الخشب المحيط بالخطوط المرسومة باستخدام إزميل (٣)، تصبح اللوحة المرسومة جاهزة (٤). خلال مرحلة الطباعة، يتم وضع الطلاء على الخشب (٥)، ويتم وضع الورق على سطح القطعة الخشبية (٦)، ثم يفرك الورق باستخدام أداة تسمى BAREN (٧)، وبالتالي إنهاء طباعة لون واحد (٨)، يتم إنتاج الأوكييو-إي بتكرار نفس العملية لطباعة جميع الألوان.

 

هذا العمل بالغ الدقة يتطلب اضاءةً جيدة ولذلك تمّ وضع زجاجة مملوءة بالماء أمام مصباح كهربائي، لتنكسر أشعة الضوء فوق اللوحة الخشبية حيث تمكن الحرفيين من رؤية خطوط اللوحة بشكل أفضل وبمنتهى الدّقة .

النحاتون يعملون بدقة متناهية

كانت ورشة النقاش للفنان المحترف نينومي موريتشاكا البالغ من العمر ٦٩ عاماً غارقة في صمت عميق تشعر الزائر بمدى عمق التركيز في العمل. كان يجلس وفي متناول يديه سكاكين صغيرة وأزاميل وغيرها من الأدوات الحرفية الدقيقة.

كما يستخدم- نينومي- قطعةً خشبيةً من شجرة الكرز قاسية، صلبة ومحببة بدقة تتمتع ايضا بمقاومةً التمدد والتقلص نتيجة التغيرات الجوية في كل من درجات الحرارة ونِسب الرطوبة وهذا ما يجعلها مثالية للاستخدام في إنتاج تلك اللوحات الخشبية.

وبحيث يستخدم أولاً، كف يده لنشر عجينة نشا الأرز على اللوحة الخشبية، ثم يضع على العجينة التصميم المرسوم على ورقة رقيقة جداً من نوع ”واشي“. يتم قلب الورقة، بحيث تكون الموجة على الجانب الأيمن عندما يتم عرض اللوحة الخشبية من الأعلى، بينما ستكون على الجانب الأيسر عند الطباعة. وبعدئذ يقوم- نينومي- بالفرك بأنامله وبلطف بغية رؤية أفضل للخطوط التمهيدية المحبرة على الجانب العكسي من الورقة. لتنفصل أخيراً القطع الورقية الصغيرة بعد تفكك الورقة مظهرة الخطوط الحبرية على الخشب مما يساعد على عملية النحت.

ضفائر شعر عرضها أقل من ملليمتر

يتم القيام بتقطيعات صغيرة على جانبي الخطوط بسكين صغيرة (أعلاه). يتم بعدها إزالة الخشب المحيط بواسطة إزميل (يسار). وتعتمد النوعية الجمالية للوحة الخشبية النهائية على مهارة النحات. فالنحات المتمرس يمكنه نحت الخطوط بدقة بحَيثُ لا يتجاوز عرض الخط الميلليمتر الواحد، مثل ضفائر شعر النساء الجميلات في مطبوعات الفنان أوتامارو، ويطلق على عملية نحت خطوط الشعر هذه بـ kewari (بالعربية: فصل الشَّعر).

شاهد كيشي تشيكورا البالغ من العمر ٢٨ عاماً (الأمام) طريقة عمل نينومي وقرر دراسة المهارات المتقدمة المستخدمة في هذه الحرفة. وقد أنهى دراسته مؤخرا ويعمل حاليا كنحات خشبي محترف.

ويُعرف هذا العمل المنحوت بالخطوط العريضة للتصميم باسم omohan (نسخة أساسية). حيث يتم إجراء اختبار طباعة يعرف باسم kyōgōzuri من خلال استخدام الحبر الأسود للتحقق من القطعة الخشبية ولاطلاعها على الفنان. ثم يستخدم الفنان الحبر الأحمر للإشارة إلى أماكن تموضع الألوان بين الخطوط. بعد ذلك، يترك النحات علامتين ارشاديتين اثنتين يُطلق عليهما اسم kentō (علامة على شكل حرف L في أسفل يمين القطعة الخشبية وعلامة أخرى مسطحة على بعد ثلث المسافة من أسفل اليسار) والهدف من هاتين العلامتين المساعدة في وضع الورقة على القطعة الخشبية وضمان الترتيب الصحيح أثناء الطباعة.

كما يعتمد عدد القطع التي ينتجها النحات على عدد الألوان في التصميم الاصلي .وتُعرف هذه القطع الملونة باسم irohan، حيث تُستخدم في أعمال تشبه العمل الرائع للفنان هوكوساي (الموجة العظيمة) فعلى سبيل المثال بتوفر أربع قطع. يتم نحت جانب واحد فقط من النسخة الأساسية لضمان عدم تشوهها أثناء الطباعة، أما القطع الملونة فيتم فيها نحت الجانبين. وعلى هذا المنحى يتم تطبيق ثمانِ طبقات من اللون الواحد. وكان من الضروري خلال عصر إيدو الالتزام بالحد الأدنى للتكاليف لإنتاج أوكييو-إي شريطة ان تكون مربحة قدر الإمكان. ولهذا السبب كان عدد الألوان محدوداً وعموما ما يجري استخدام حوالي خمس قطع.

هذا ويستغرق نحت جميع القطع في رائعة هوكوساي (الموجة العظيمة) حوالى ثلاثة أسابيع. ويتم تحقيق هذه المهمة الدقيقة والحساسة عن طريق استخدام إزميل النحات الذي يعمل بدقة وبراعة متناهية. ويجدر القول ان مستوى المهارات المطلوبة لإنتاج هذه اللوحات لافت للنظر حقا.

الطباعة هي السر الكامن وراء بروز الألوان

ثم يبدأ ذلك مباشرة، الطابع ناكاتا نوبورو (٧٧ عاماً) صاحب الخبرة التي تتجاوز ٤٠ عاماً، العمل على تطبيق كل لون على حدة. حيث يتم أولا تطبيق سائل يسمى dōsa على ورق الواشي التقليدي. وهذا السائل مصنوع من حجر الشب والغراء، والذي يستخدم في تثبيت الألوان على الورقة. وعادة ما يتم طباعة مخطط الأوكييو-إي بالحبر الأسود، ولكن في حالة العمل الشهير الخاص بهوكوساي فقد تم استخدام اللون النيلي.

في البداية، وكانت الاصباغ آنذاك مستخرجة من المعادن والنباتات، ولكن بحلول نهاية القرن التاسع عشر بدأ استخدام الأصباغ الاصطناعية لإنتاج ألوان حية. وبقدر الإمكان، فانَّ الحرفيين في معهد أداتشي يستخدمون نفس الأصباغ التي كانت مستخدمة في عصر إيدو حيث يتم  اذابتها وحَّلها في الماء قبل الاستخدام.

الطابع ناكاتا نوبورو على رأس عمله.

ويبلل الطابع القطعة الخشبية باستخدام فرشاة مصنوعة من شعر الخيل تساعد على امتصاص الألوان، ثم يبدأ الطباعة. ويُنَسّق الألوان فيما بينها لكي تتناسب مع نموذج الطباعة، ويضيف كمية منها إلى القطعة الخشبية (يمين)، وينشرها بعناية وبدقة باستخدام فرشاة. وبعد ذلك يَقوم بوَضعِ الورقة مباشرة، فَوق القطعة الخشبية باستخدام علامات الإرشاد kentō. ويجلس القرفصاء امام طاولة الطباعة (المعروفة باسم suridai) ويفرك الورقة باستخدام BAREN. بحيث تميل الطاولة قليلا للأسفل من الجهة المقابلة للطابع لضمان ما يكفي من الضغط المطبق على الأجزاء المطبوعة. ثم يكرر الطابع هذه العملية لكل لون بدءا من الألوان الخفيفة تدريجيا حتى الألوان القاتمة. وإذا جف اللون وتقلص، يتم تعديل علامات الإرشاد للحفاظ على انحياز الألوان بشكل صحيح.

هذا وتحتاج عملية الطباعة لقوة كبيرة ولهذا السبب كانت العملية تقليدياً حكراً على الرجال، على الرغم من أنه في الآونة الأخيرة بدأت النساء أيضا العمل في الطباعة. وكذلك الضغط بواسطة جهاز BAREN حيث يدفع الصباغ إلى عمق ألياف الورق مما يولد تأثيرات لونية غنية ومميزة. كما يوجد هناك العديد من التقنيات الخاصة الأخرى المستخدمة مثل النقش والتدرّج بألوان الطيف الضوئي.

 

عملية الطباعة: أولا يتم طباعة النسخة الرئيسية باللون النيلي، ثم تضاف الألوان الأخرى بدءا من الألوان الخفيفة تدريجيا حتى الألوان القاتمة.

  • [15/04/2014]

أستاذ العلوم الإنسانية في جامعة موساشي. ولدت في باريس. حصلت على الدكتوراه من جامعة باريس في الأدب المقارن. درست الأدب الياباني المعاصر في قسم الدراسات العليا بجامعة واسيدا. متخصصة في الأدب المقارن والفن (الجابونيزم). من مؤلفاتها (هاياشي تاداماسا وإدموند دي جونكورو واليابان في الحلم) وغيرها.

مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع
  • الصيد بالغوص الحر يستقطب المسنات في اليابانتعد محافظة ميي موطنا لنحو ١٠٠٠ امرأة تمتهن الغوص’’أما‘‘، وهو تقليد لصيد الأسماك بالغوص استمر لنحو ٣٠٠٠ سنة. ويوجد حاليا فقط نحو ضعف هذا العدد في كامل اليابان، بتراجع حاد عن عددهن قبل نصف قرن والبالغ أكثر من ١٧ ألف ’’أما‘‘. ومع تقدم تلك السيدات في العمر، ما الذي يمكن القيام به لإبقاء تلك المهنة على قيد الحياة؟
  • حرفي دروع يعيد الحياة مجددا إلى كنوز يابانيةتتطلب صناعة الدروع اليابانية التقليدية مجموعة متنوعة من الحرف والمهارات المختلفة بما في ذلك أعمال الورنيش والجلد والمنسوجات. ويعتبر حرفي ترميم الدروع نيشيؤكا فوميؤ أحد القلائل في اليابان الذين يمتلكون كل تلك المهارات. وقد تحدثنا معه عن عمله في إعادة بعض التحف من الدروع اليابانية إلى سابق مجدها.
  • المزج بين التطريز الفلسطيني العريق والكيمونو الياباني!على مدار سنوات طويلة بقيَ التطريز فناً شعبياً ترثه المرأة الفلسطينية عن أمها، وتُورثه أيضاً لابنتها التي تنقله بدورها لأجيال قادمة من بعدها. لكن الآن وعلى بعد آلاف الكيلومترات من فلسطين تحاول السيدة ياماموتو ماكي نشر التطريز الفلسطيني عبر دمجه في أحزمة الكيمونو الياباني.
  • التمرد على بديهيات فن صناعة الخزف التقليديرموز لرسوم نقطية كأنها خرجت من داخل لعبة إلكترونية. وما يثير الدهشة أن هذا يُسمى ”فن صناعة الخزف“. في هذه المقالة سنقوم بالتعريف بالسيد ماسودا توشييا المتمرد على عالم فن صناعة الخزف التقليدي، والذي يقوم بصناعة أعمال فنية فريدة تمزج بين ”الصور الرقمية“ التي ليس لها وجود حقيقي و”الطين“ دافئ الملمس.
  • لماذا يبني اليابانيون بيوتهم من الخشب؟تزايد اعتماد العمارة اليابانية التقليدية على الأخشاب كمواد للبناء نظراً لطبيعة البيئة الرطبة في اليابان، خاصة خلال أشهر الصيف الحارة الرطبة. حيث ضمنت الأرضيات المرتفعة والمساحات المفتوحة توفير التهوية المناسبة لمحاربة تراكم العفن السام. كما أن لبناء العوارض والأعمدة الخشبية دور هام عند الإعداد لتصميمات مقاومة للإعصار والزلازل.

المقالات الأكثر تصفحا

وجهات نظر جميع المقالات

فيديوهات مختارة

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)