رئيسة سيراميكا كليوباترا باليابان تتحدث عن ذكرياتها في مصر !

إيكيدا تومئي [نبذة عن الكاتب]

[06/11/2018] اقرأ أيضاً日本語 |

المواجهة بالمشاعر وتواصل القلوب

أتحدث في هذا الموضوع عن مصر وعلاقتي بها في ظل حكم الرئيس المصري الراحل أنور السادات والذي انتهج سياسة الانفتاح الاقتصادي في عام 1979. وكان عمري وقتها 38 عامًا، وأعمل بقسم الوثائق بالسفارة اليابانية بالقاهرة. وكانت أسماك البلطي، أحد أنواع أسماك المياه العذبة، يتم رميها بكميات كبيرة وقتها على ضفاف بحيرة ناصر. ونظرًا لأن سكان تلك المنطقة لم يكونوا من محترفي مهنة الصيد، فكانوا يقومون بالتخلص من الأسماك الزائدة عن حاجتهم. وتم دعوتي لتولي رئاسة مكتب القاهرة لشركة قائمة على الشراكة بين الجانبين المصري والياباني، بعد أن تقرر بناء مجمع ضخم لصيد الأسماك لتقديم أسماك البلطي كمصدر رخيص للبروتين للسكان بالاستفادة من التقنيات اليابانية للنقل والتبريد. وكما يقال بإن الود يقابل بالود، قد يرجع عدم شعوري بالقلق من دخولي عالم الأعمال من دون خبرة سابقة أو القلق من النتائج، ليس فقط إلى شخصيتي المتهورة، ولكن أيضًا إلى الجينات المتوارثة لدي من أجدادي الذين يمتلكون روح تجار أوساكا.

وتم إرسال الكثير من المهندسين والخبراء من اليابان إلى أسوان للعمل جنبًا إلى جنب مع زملائهم من العمال والمهندسين المصريين بالعمل. وكانت بيئة عمل قاسية تتجاوز فيها درجات الحرارة في فصل الصيف 45 درجة مئوية. وفي يوم من الأيام أتى إلى أحد المهندسين المصريين من أسوان إلى القاهرة ليشتكي من “قيام أحد مديري الموقع اليابانيين بضربه وجرح كرامته”. وكان المهندسون اليابانيون جميعهم بغض النظر عن مناصبهم يقومون بالعمل في الموقع القاس ويجتهدون باذلين العرق كشيء طبيعي لديهم، بينما لا يقوم المهندسون المصريون بالخروج من المكاتب المكيفة ولو حتى خطوة واحدة ويعتبرون ذلك شيئًا بديهيًا. ووقعت مثل تلك المشاكل عدة مرات وتسببت في حيرتي.

وبينما قد يكون من السهل ذكر اختلاف مدى الصرامة في مفاهيم كل من الوقت، العمل، الجودة وليس اللغة وحدها كأسباب للخلاف بين اليابانيين والمصريين، فإنه من الصعب تحديد كيفية توحيد مفاهيم كلا الطرفين.

ولكن هذا النزاع تطور بشكل غير متوقع.

فبعد أن اعتذر له الموظف الياباني الذي اعتدى عليه بالضرب قائلًا “لقد أخطأت. أنا آسف”، قام الموظف المصري الذي كان يكن الاحترام لطريقة العمل اليابانية بتغيير سلوكه قائلًا “وأنا كذلك سأحسن سلوكي”. ويمكن الادعاء بأن قيام الياباني الذي لم يقدر على تحمل عدم قيام المصري بالعمل بالحر القاسي وقيامه بالتعبير عن مشاعر الغضب كإنسان إزاء تصرف الآخر، قد ساعد على العكس في خلق فرصة للاقتراب أكثر من المصري. وهكذا تبدأ العلاقة إنسان بإنسان حين بادر الشخص بالاعتذار وإبداء الندم على انفعاله وتعديه عليه بالضرب في بلد تعتمد فيه العلاقات الإنسانية على المشاعر بشكل كبير.

وحتى أنا قمت بالشجار مرات لا تعد ولا تحصى مع مصريين. ففي مصر كما في كل الدول العربية، فبعد أن تتصادم المشاعر بشكل صريح مع الأشخاص من ثقافات وعادات مختلفة، من المهم أن نتواصل مع بعضنا البعض كبشر بعد ذلك.

على أي حال، كان ذلك الوضع قبل 40 عامًا، وأعتقد أنه لا يوجد رئيس موقع تمتد يده ليضرب مرؤوسيه ولا يوجد مهندس يرفض الخروج للموقع جالسًا ويضع قدميه على سطح المكتب في أسوان حاليًا.

وحدة اليابانيين وتفرد المصريين

يتلقى الشعب الياباني تعليما موحدًا وينشأ في مجتمع يقدر الاصطفاف والوحدة في سيمفونية ناعمة بعيدا عن النشاز والخروج عن المألوف. ولكن في مصر، توجد خلفيات ثقافية متنوعة بداية من مصر الفرعونية، البحر المتوسط، والخلفية الثقافية العربية. فجغرافيًا تقع مصر في أفريقيا وليست فقط بوتقة انصهرت بها الأجناس والثقافات المختلفة، بل مرت عبر تاريخ مثير شهد حكمًا أجنبيًا للعديد من الفترات، وتزخر بالتنوع، كما تتعدد بها الفروق والفجوات الحادة من حيث الثراء والفقر والتعليم.

ويجد اليابانيون صعوبة في تقبل الاختلاف حيث يتربون في بيئة كل الأشخاص بها لديهم نفس الملامح، والكلمات والتفكير والجميع يرتدي الملابس المهندمة في كل مكان. ولهذا السبب بالأخص، وجدت في تنوع المجتمع المصري جاذبية خاصة. حيث يمتلك جميع المصريين دون استثناء، لمواجهة هذا التنوع، لباقة في الحديث، وشخصية قوية، وتفوق في اللغات وقدرة على فهم وتحليل الأمور من كل الجوانب. وتتمتع شخصياتهم بروح الدعابة ويمتلكون تفكيرًا مرنًا لأقصى حد، لذا يلزم اليابانيون الذين يقدسون الدقة الانتباه حيث يتحول الأسود والأبيض إلى اللون الرمادي أو العكس في العديد من مواقف الحياة اليومية.

ويحتاج الأمر للتمتع بطول بال للانتظار حوالي 30 دقيقة بعد الموعد المتفق عليه، حيث أن المصريين يتسامحون في مفهوم الوقت. ونظرًا لتفوق المصريين في إدراك الأمور من وجهة نظر عالمية، بعكس اليابانيين الذي ينشؤون في جزيرة لا يجاورها دول أخرى، لذا يسهل تغلب المصريين بالحيلة والذكاء على اليابانيين.

وحين وصلت مصر وكنت شابة آنذاك كنت أشعر بالبهجة حين يصفني الناس بالطيبة، فقد كنت أعتقد أن ذلك يعني إني “نقية ولطيفة”، ولكن حين تمكنت من فهم اللغة العربية، أدركت أنها تقال لي بمعنى “الحمقاء”. ففي مصر يكون المرء ذو الشخصية القوية محل احترام من الناس وهو أمر يختلف عن اليابان وطريقة التفكير اليابانية. فالمصريين لديهم شخصية قوية للتعبير عن آرائهم حتى ولو اختلفت عن الأخرين، بعكس الشخصية اليابانية التي تميل في كتير من الأحيان إلى عدم التصادم والوفاق والبحث عن المساحات المشتركة للوصول للتفاهم والتناغم في المنظومة.

الإخلاص والثقة في العمل

يكمن سر النجاح في الأعمال في مصر وكل الدول العربية، بالأساس في “الإخلاص والثقة” بحسب اعتقادي الشخصي. فمن المهم تعميق التفاهم بين الطرفين من خلال المواجهة والصدام أحيانا. ومع الوقت يستطيع المرء التمييز بين الأشخاص الموثوق بهم والأشخاص الواجب عليه توخي الحذر تجاههم بسبب وجود شك في نواياهم. وعلى الرغم من صعوبة التغلب على المصريين في المناقشات لكونهم يمتلكون شخصية قوية ولباقة في الحديث، إلا أنه مع تكرار التجارب من الحوار الصريح يمكن الوصول على الأقل لمستواهم أو أكثر من قوة الشخصية. وأصبحت أنا أيضًا لا أخسر أي نقاش مع المصريين. وأصبحت أتكلم في الهاتف بكل ما أريد، حتى إن الطرف الآخر كثيرًا ما يقول لي “رجاء أعطني فرصة للتحدث أنا أيضًا، يا سيدة إيكيدا”.

وحاليًا أعمل بشركة سيراميكا كليوباترا اليابان التي تأسست عام 1995، ويمر هذا العام 24 عامًا على بدايتها. وهي شركة مشتركة مع مجموعة كليوباترا، حيث تقوم الشركة باستيراد وبيع السيراميك عالي الجودة من صنع نفس المجموعة. وفي عام 2011 مع اندلاع الثورة في مصر، تعرضت خطوط الإنتاج بالمصنع الضخم للتوقف لعدة أشهر بعد سقوط البلاد في غمرة الاضطرابات التي أعقبت الإطاحة بمبارك.

ولكن في المقابل، لا يزال إرث الفساد المظلم من فترة الاشتراكية في عهد الرئيس عبد الناصر، متأصل بالمصالح الحكومية، ويجد الناس أنفسهم في حاجة لمعاودة الذهاب إلى المصالح الحكومية عدة مرات لاستلام الأوراق المطلوبة بل ويتم طلب الرشوة بشكل بديهي. ويقال إن هذا الفساد التنظيمي والفردي لن يحل إلا بخروج الموظفين في منتصف العمر إلى التقاعد، حيث تنظر تلك الفئة إلى الرشوة حق مكتسب وتقوم حياتهم على هذا الدخل. لذا يلزم تفهم هذه الأمور والخلفية الاجتماعية في سبيل المضي قدمًا بالأعمال في مصر في المستقبل.

(النص الأصلي باللغة اليابانية. صورة العنوان: رئيس قسم التصميم بسيراميكا كليوباترا ورئيسة مجلس الإدارة إيكيدا. من جناح الشركة بمعرض تشيرساي للسيراميك بإيطاليا. (الصورة مهداة من شركة سيراميك كليوباترا اليابان).

كلمات مفتاحية:
  • [06/11/2018]

رئيسة مجلس إدارة شركة سيراميكا كليوباترا اليابان. ولدت في عام 1941 بمنطقة سينبا، أوساكا لعائلة تعمل بالتجارة منذ 450 عامًا. وبعد أن تركت دراستها الجامعية، قامت بالزواج من أجنبي أثناء سفرها بمصر. ودرست إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وبعد أن عملت بالسفارة اليابانية بمصر، رأست شركة شراكة يابانية مصرية. وفي عام 1989، عادت بشكل مؤقت لليابان واشتركت في برنامج تطوير المنتجات الأجنبية التابع لمنظمة التجارة الخارجية اليابانية (JETRO). وفي عام 1995، قامت بتأسيس شركة سيراميكا كليوباترا اليابان لاستيراد وبيع منتجات الشركة التي تعد من كبار مصانع السيراميك في مصر، بالشراكة معها. وتولت منصبها الحالي منذ عام 1998، وتعيش حاليًا في مصر.

مقالات ذات صلة
الأعمدة الأخرى

المقالات الأكثر تصفحا

مدونات المحررين جميع المقالات

فيديوهات مختارة

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)