إعادة استكشاف اليابان بعيون الزوار الأجانب

أوتشيدا مونيهارو [نبذة عن الكاتب]

[20/03/2019] اقرأ أيضاًESPAÑOL |

يتدفق السياح الأجانب إلى اليابان بأعداد قياسية، ولكن ليس جميعهم ملتزمون بالطرق السياحية النموذجية. فتقاطع الطريق في شيبويا الذي يشهد تدافعا وطواقم تنظيف قطارات الشينكانسين أصبحت بشكل غير متوقع مقاصد جذب سياحية للزوار من خارج البلاد.

تشهد اليابان حاليا طفرة سياحية غير مسبوقة. فالسياح الأجانب ينتهزون عوامل مثل انخفاض قيمة عملة الين وشروط تأشيرات الدخول المخففة وهم يأتون في أفواج للتسوق وتناول الأطعمة ورؤية الأماكن السياحية. وقد ارتفع عدد المسافرين بشكل كبير من 8.35 مليون سائح في عام 2012 إلى 31.2 مليون سائح في عام 2018 وهو رقم قياسي في الارتفاع.

يتجه السياح من الخارج عادة إلى أماكن وجود معالم شهيرة. ولكن المسافرين يخالفون الطرق التقليدية على نحو متزايد ويعتمدون على فضولهم وتوقعاتهم لاكتشاف مواقع لم يكن الكثير من اليابانيين يفكرون أبدا أنها مراكز جذب سياحية. وبالتالي، ظهرت قائمة متنامية من الأماكن غير التقليدية منتشرة على طول مسارات السفر التقليدية.

بوابات فوشيمي الحمراء

إن جمال كيوتو الساحر يجعل منها واحدة من أشهر المقاصد السياحية في اليابان. وبإمكان الزوار قضاء أيام أيضا يجوبون خلالها أماكن شهيرة مثل ’’كينكاكوجي‘‘ و’’كييوميزوديرا‘‘ ولكن ذلك لا يشكل إلا السطح الخارجي لما يمكن أن تقدمه العاصمة القديمة لليابان. ولكن الكثير في اليابان وجدوا أنفسهم في حيرة من أمرهم عندما برز معبد فوشيمي إيناري، وهو معلم سياحي يقع في جنوب المدينة وكان في حالة ركود نسبيا، كأكثر المقاصد السياحية شهرة بين الزوار من الخارج.

يقع المعبد الأثري على زاوية في كيوتو بعيدة عن المراكز السياحية الصاخبة. وكان المعبد تقليديا يجتذب الزوار في فعاليات مثل ’’هاتسومودي (أول صلاة في العام الجديد)‘‘، ولكنه لم يكن حتى من ضمن أكثر المقاصد السياحية الثلاثين شهرة في كيوتو. ولكن قبل عدة سنوات بدأ ملاك المتاجر المحلية يلاحظون زيادة غريبة في السياح الأجانب إلى المنطقة. في حوالي عام 2010، أصبحت القطرة طوفانا وفي عام 2013 اكتسب المعبد اهتماما قوميا عندما احتل المرتبة الثانية في استطلاع للوجهات السياحية المفضلة للزائرين الأجانب التي نشرتها النسخة اليابانية لموقع السفر TripAdvisor. في العام التالي صعد إلى المرتبة الأولى ولا يزال حتى الآن. انتقدت وسائل الإعلام قصة الشهرة المفاجئة للمعبد، مما أثار فضول السياح اليابانيين ليتحول الموقع إلى موقع جذب سياحي شهير جديد في كيوتو.

تعزو بعض الروايات قصة الجذب السياحي على المستوى الدولي لمعبد فوشيمي إيناري إلى قصة مانغا ومسلسل أنيمي شهير هو ’’ناروتو‘‘. ويروي هذا العمل الذي ترجم إلى لغات كثيرة قصة فتى نينجا يحمل داخله روح ثعلب متوحش بتسعة أذناب. كان عشاق مسلسل الأنيمي الأجانب في البداية منجذبون إلى المعبد بسبب صلته بالثعلب، فالمعبد يترأس شبكة تضم نحو 30 ألف معبد في أرجاء البلاد مكرسة لإله الخصوبة ’’إيناري‘‘ والذي رسوله ثعلب. صور نفق المعبد المكون من بوابات ’’توريي‘‘ قرمزية اللون – يبلغ عددها نحو 10 آلاف بوابة – أحدثت ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي ما أغرى مزيدا من المسافرين لزيارة الموقع.

وإلى جانب البوابات الحمراء، يوفر الطريق المنحدر بشكل حاد المؤدي إلى القاعة الرئيسية إطلالات بانورامية على كيوتو والتلال المحيطة بها. وحتى وقت قريب كان السياح اليابانيون يمتلكون وجهات نظر متباينة إلى حد كبير حول المشهد، ولم يكن هناك سوى عدد قليل منهم ينحرفون عن مسارات الطرق المتبعة وذلك بهدف التسلق إلى الجبل في رحلة تستغرق ساعة من الزمن. ومع ذلك فإن جحافل المسافرين الأجانب قد انجذبت إلى المشهد الذي يعتبرونه ’’يابانيا‘‘ بامتياز، مما يدل على اختلاف صارخ في تفضيلات المسافرين المحليين وأولئك القادمين من الخارج.

الطريق المؤدي إلى معبد فوشيمي إيناري يوفر رؤية واضحة لكيوتو والتلال المحيطة بها.

معلم بشري

هناك موقع آخر ’’اكتشفه‘‘ الزوار الأجانب مؤخرا وهو تقاطع طريق شهير مزدحم بالناس يقع خارج محطة شيبويا في طوكيو. في ساعات النهار الأكثر ازدحاما، يبلغ عدد المشاة الذين يمرون في تقاطع الطريق في كل مرة تصبح إشارة المرور فيها خضراء نحو 3 آلاف شخص، ما يحدث ما يبدو وكأنها فوضى عارمة من حركة المشاة والتي تتبدد بما يشبه المعجزة مع تحول إشارة المرور إلى اللون الأحمر.

المشاة يمرون في تقاطع شيبويا المزدحم.

لقد قمت شخصيا بعبور تقاطع الطريق مئات المرات ولم يخطر ببالي أبدا اعتباره مكانا يستحق أن يكون معلما سياحيا على نحو خاص. ومع ذلك يجد الكثير من الزائرين من الخارج المنظر لافتا للانتباه ولا سيما كيف أن هذا المزيج الهائل من الناس يمشون بشكل متقارب بدون وقوع حوادث. لقد شاهدت الكثير من الزائرين الأجانب – وعددا غير قليل من اليابانيين أيضا – يتوقفون في منتصف الطريق لالتقاط صور سيلفي بين الازدحام. يمكن أيضا العثور على حفنة من السياح الأجانب عادة ما يحدقون في ضجيج المشاة على ممر المشاة الذي يربط بين خط القطارات يامانوتي التابع لشركة JR وخط القطارات إينوكاشيرا التابع لشركة كيئيو والذي يوفر رؤية بدون عائق للممر.

سرعة التنظيف

ومن معالم الجذب السياحي للأجانب الأخرى التي تشهد ازدهارا منصات أرصفة انطلاق قطارات الشينكانسين توهوكو وجوئتسو وهوكوريكو في محطة طوكيو، حيث تقوم طواقم تنظيف ترتدي لباسا موحدا بتوضيب داخل القطارات الواصلة بحركات متسلسلة متناهية في الدقة. وينظر بعض الناس لهذا المشهد على أنه ’’الدقائق السبع المعجزة‘‘ وهي المدة اللازمة لقيام الفريق بتنظيف وتوضيب القطارات فائقة السرعة قبل مغادرتها.

تفخر اليابان بالموثوقية التي يحظى بها أسطولها من قطارات الشينكانسين ونمط تنظيف العربات المطور باعتباره وسيلة لإبقاء القطارات تعمل مثل الساعة. يبدأ المشهد الفريد من نوعه بقيام طاقم التنظيف بحني رؤوسهم ومواجهة قطار الرصاصة بينما يدخل إلى المحطة. وبمجرد فتح الأبواب، يجمع أفراد الفريق القمامة من المسافرين المغادرين ومن ثم ينهمكون في العمل بتنظيف الطريق أمامهم في القطار – كل عربة يتولى مسؤوليتها فرد واحد – حيث يلتقطون القمامة ويمسحون طاولات الأكل أمام المقاعد ويغيرون أغطية مساند الرأس للمقاعد وينظفون تحت المقاعد.

في أوقات الذروة يتعين على طاقم التنظيف توضيب ما يصل إلى 10 قطارات في الساعة يتراوح طولها بين 7 و 17 عربة للقطار الواحد، بما فيها عدة عربات بطابقين وهو ما يتعين على طواقم التنظيف العمل بسرعة البرق والتنقل خلسة بين أرصفة القطارات المزدحمة ليثيروا حالة من الدهشة بين الزوار من الخارج بدقتهم وأسلوبهم وبراعتهم في القيام بعملية التنظيف.

طاقم تنظيف قطار الشينكانسين يحنون رؤوسهم بعد توضيب أحد القطارات (حقوق الصورة لجيجي برس).

تباين وجهات النظر

أحد الأماكن التي تختلف فيها معايير الجمال اليابانية والأجنبية بشكل صارخ هو معبد أراكورا فوجي سينغين بمحافظة ياماناشي. بإمكان الزوار إلى المعبد الذي لا يمكن وصفه الاستمتاع بمشهد عن قرب لقمة جبل فوجي المغطاة بالثلوج بالإضافة إلى هيكل بوذي أحمر اللون مكون من 5 طوابق ’’باغودا‘‘ مثل تلك التي توجد في معابد كيوتو ونارا. ولكن باعتباري يابانيا، أجد أن الجمع بين كلي الرمزين مبتذل للغاية. وعندما يحل فصل الربيع، يضيف تفتح أزهار أشجار الكرز طبقة مشوشة أخرى من الابتذال إلى ذلك المزيج. ولكن بدلا من أن يتأثر الزوار الأجانب بهذا الاختلاف، هم يذهبون إلى هناك لمشاهدة المنظر ويخلدونه بالتقاط صور لا حصر لها.

رمزان يابانيان في صورة واحدة.

حتى قبل نحو 5 سنوات كان يشاهد المعبد عدد قليل من السياح من غير السكان المحليين، ولكن المعبد اكتسب شهرة من الخارج عندما انتشرت صور تجمع بين جبل فوجي وكيوتو معا بشكل هستيري على مواقع التواصل الاجتماعي في تايلند. ويحظى المكان حاليا بإشادة الكثير من المسافرين الأجانب باعتباره موقعا ’’يابانيا‘‘ بامتياز وبدأ بجذب بعض السياح المحليين أيضا.

فجوة ثقافية

فيما يلي بعض الأمثلة على الصعوبة التي يواجهها اليابانيون في تحديد ما يعجب السياح الأجانب. الشخص الذي يتربى ويكبر في اليابان من السهل عليه الافتراض أن الجوانب التي يجدها السكان الأصليون جذابة حول بلدهم ستكون لها نفس القدر بالنسبة للزوار القادمين من الخارج، لكن غالبا ما تختلف التوقعات ووجهات النظر بشكل كبير. إن الخلاف بين ما يريد اليابانيون إظهاره وما يريد الأجانب رؤيته ليس ظاهرة جديدة، فقد كان مستمرا بشكل أو بآخر منذ أن فتحت اليابان أبوابها للعالم منذ أكثر من 150 عاما.

خلال حقبة مييجي (1868-1912) تحولت اليابان بشكل كبير من بلد إقطاعي إلى دولة حديثة. كان القادة اليابانيون حريصين على إظهار ثمار أعمالهم للزوار الأجانب، كاستعراض منشآت مثل المصانع والمتاحف لإثبات أن اليابان كانت تواكب بسرعة الغرب في الصناعة والعلوم. وبتقديم اليابان كقوة صاعدة، كانت الحكومة تأمل في بناء رافعة لقلب المعاهدات غير المتكافئة التي أجبرت على قبولها عندما افتتحت البلاد أبوابها لأول مرة.

المباني التاريخية خدمت غرضا مشابها. عندما زار الجنرال يوليسيس غرانت اليابان في عام 1879 حرص مضيفوه اليابانيون على اصطحابه لرؤية معبد توشوغو في نيكّو. لم يكن الغرض من هذه الرحلة هو أن يعجب الرئيس الأمريكي السابق بالعمل الفني المذهل لضريح توكوغاوا إيياسو ، أول حاكم شوغون في عصر إيدو، ولكن لإثارة إعجابه بأن الحكومة الحديثة الجديدة قد أطاحت بالنظام الإقطاعي القديم المسؤول عن بناء تلك الأعاجيب المعمارية المترامية الأطراف.

هناك دوافع لا حصر لها لجذب السياح إلى منطقة ما، بدءا من التفاخر المحلي إلى الكسب الاقتصادي. ومع ذلك فإن الاستراتيجيات السياحية تميل إلى أن تكون قصيرة النظر في التأكيد على الجانب الأكثر وضوحا وشهرة للمناطق. وهذه الرؤية الضيقة تحد من خبرة الزوار وتعوق قدرتهم على الاطلاع واكتشاف معالم جديدة. لا يزال هناك الكثير مما يمكن اكتشافه في اليابان، والسياح هم الذين سيدونون النصائح على كتيبات السفر وهم الذين سيجدون المعالم السياحية التالية غير المكتشفة بعد.

(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية. الترجمة من الإنجليزية. صورة العنوان: نفق من بوابات ’’توريي‘‘ في معبد فوشيمي إيناري. الصور من قبل الكاتب ما لم يذكر خلاف ذلك).

كلمات مفتاحية:
  • [20/03/2019]

كاتب مستقل. ولد في عام 1957 تخرج من جامعة واسيدا بدرجة في علم النفس. عمل في دار النشر ’’جيتسوغيو نو نيهونشا‘‘ حيث كانت من بين مسؤولياته الكتابة لمجلة اقتصادية وتحرير إرشادات سياحية. من بين أعماله ’’غايكوكوجين غا ميتا نيهون: غوكاي تو سايهاكّين نو كانكو 150 نينشي (اليابان بعيون أجنبية: سوء الفهم وإعادة الاكتشاف على مدى 150 عاما)‘‘ و’’كانتو دايشينساي تو تيتسودو (السكك الحديدية وزلزال كانتو الكبير)‘‘.

مقالات ذات صلة
الأعمدة الأخرى

المقالات الأكثر تصفحا

مدونات المحررين جميع المقالات

فيديوهات مختارة

أحدث المواضيع

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)