التفكير في الاختلاف بين ثقافة الترتيب اليابانية والأمريكية!

ساكو نوريكو [نبذة عن الكاتب]

[11/07/2019]

السيدة كوندو ماريي الملقبة باسم ”كونماري“ والتي تعمل كاستشارية ترتيب، لديها برنامج مشهور جدا على نتفليكس (Netflix)، وهي شخصية مشهورة لدرجة أنه تتم دعوتها لحضور حفل توزيع جوائز الأوسكار في أمريكا. وفي هذه المقالة سنلقي نظرة على أسباب شهرة ”كونماري“، والاختلافات بين العقلية اليابانية والأمريكية تجاه الترتيب.

حققت ”تقنيات الترتيب“ الممتعة للسيدة كوندو ماريي الملقبة باسم ”كونماري (KonMari)“ شعبية كبيرة في الولايات المتحدة. فعندما ذهبت إلى أمريكا قبل عدة أيام، وفي أحد الاجتماعات التي ذهبت إليها مع صديقتي، تم عرض صورة كبيرة لها في شاشة العرض عندما قام مقدم الاجتماع بمناشدة الحضور طالبا منهم ”التبرع“. وكانت تلك مجرد مزحة القصد منها أن هناك الكثير من الأشياء التي يجب ترتيبها، والأشياء التي يجب التخلص منها، لذلك يتم جمع التبرعات من خلال ترتيب الأشياء كما تفعل ”كونماري“، والتبرع بالأشياء غير الضرورية للبزارات الخيرية. وبمجرد ظهور صورتها، تعالت صيحات الحضور في المكان. فهي شخصية مشهورة يعرفها الجميع. وبالمناسبة، تم نشر كتابها ”سحر الترتيب الذي يجعل الحياة أكثر إثارة“ والذي حقق شعبية في اليابان في عام 2010، وتم بيعه في أمريكا تحت عنوان “The Life-Changing Magic of Tidying Up: The Japanese ”، وحقق أعلى المبيعات. وبعد شهر يناير/كانون الثاني من عام 2019 تأججت شعبيتها من خلال برنامجها على نتفليكس (Netflix).

لقد كانت كلمتها التي أحدثت طفرة الترتيب في اليابان وأمريكا هي ”الإثارة“، وهي كلمة أبعد ما تكون عن فعل القيام بالترتيب. وفي هذه المقالة سنلقي نظرة على الاختلاف في منهج إدارة الأشياء والأعمال المنزلية بين اليابان وأمريكا من منطور ترتيب ”الإثارة“ هذا.

”روحانية“ تختلف عن الحد الأدنى

يبدأ ترتيب السيدة كوندو من الجلوس والاسترخاء أولا. وفي اللحظة التي تجلس فيها كسيدة شرقية، يكون هناك انطباع قوي على أنه ”برنامج واقعي“ في أمريكا. وصورتها عندما تجلس بجسدها النحيل والصغير مع شخص أمريكي بنيته الجسدية كبيرة وتسترخي هي صورة هزلية، ومثيرة للاهتمام بدرجة كافية ك في حد ذاتها.

ولكن ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للدهشة بالنسبة لهم هو ليس إلا فكرة ”الانسجام الروحي“ قبل القيام بالترتيب. حيث يدعى الترتيب باللغة الإنكليزية ”clutter-cutting“. ومعنى هذه الكلمة حرفيا هو عملية رمي كومة من الخردة، ويبدو أنهم لم يتوقعوا عملية الانسجام الروحي من خلال القيام بثني الركب قبل القيام بهذا التصرف.

وأيضا تضع معيارا للقيام برمي شيء ما أم لا يتمثل بشعورها بـ ”الإثارة“ تجاه ذلك الشيء، مع القيام بلمس الأشياء واحدا واحدا. وبعبارة أخرى، فإنها تقوم بإبقاء الأشياء التي تشعر بالمودة تجاهها، وأيضا قيامها باستحضار الروحانية عند القيام بترتيب الخردة ربما هو أمر لم يكن موجودا في تقنيات الترتيب والتنظيم الغربية بشكل اعتيادي.

من الممكن ملاحظة مثل هذه الروحانية في جزء من ”التبسيط“ الذي ينتشر في أمريكا. ومن وجهة نظري فإن التبسيط في أمريكا ينقسم إلى نمطين بشكل رئيسي. أحد هذين النمطين هم الأشخاص الذين يقومون بالتبسيط بسبب الحاجة الواقعية إلى حد كبير، والتي تقول بأن الجهد المبذول للقيام بإدارة الأشياء سيقل إذا تم القيام بتقليل تلك الأشياء بشكل فعلي. فعلى سبيل المثال، القيام بتقليل الأشياء المحمولة لأدنى حد بسبب صعوبة القيام بإدارة تلك الأشياء بسبب كثرة الأطفال، أو بسبب وجود عائلات مصابة باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، ينطبق عليه مثال القيام بتقليل العبء النفسي على هؤلاء الأشخاص.

بالمقابل، هناك أشخاص يتبعون التبسيط من خلال إعجابهم بالحياة البسيطة التي يرونها في طريقة ”الزِّن (Zen)“. وهم يميلون إلى التأكيد على الغنى المتمثل بعدم الامتلاك، وبالتحديد الغنى الروحي. وربما يكون التصور حول الزِّن الذي لدى الأمريكيين عبارة عن الجمال البسيط، والتبسيط إلى أقصى حد. وللوهلة الأولى يبدو أن هذا التبسيط الناتج عن التفكير الذي يستند إلى الزن مرتبط بالروحانية لدى ”كونماري“، ولكن الغنى والراحة النفسية التي يقصدونها من الممكن الحصول عليها بعد القيام برمي الأشياء، لذلك من الصعب على الأشخاص الذين لا يستطيعون التخلص من الأشياء الشعور بها بشكل فعلي. ولكن، إذا قمنا بالشعور بالامتنان خلال مراحل رمي الأشياء، واحترام المودة والتجارب السابقة تجاه الأشياء والتي تقترحها طريقة ”كونماري“، فإنه بإمكان أي شخص أن يلامس تلك الروحانية خلال مراحل الرمي، وفي نفس الوقت من السهل لدرجة كبيرة نقل ذلك كمشاهد مصورة. وأتوقع أن هذا هو سبب شهرتها الجارفة في أمريكا.

التحرر من ”نفسي السيئة التي لا تستطيع التخلص من الأشياء غير الضرورية“

إذن فلماذا اكتسبت شعبية في اليابان حيث تنتشر روح ”موتَّايناي (عدم الهدر)“ يا ترى؟ أليس السبب الأكبر هو أن فعل القيام باختيار الأشياء ورميها من خلال لمسها مع القيام بالشعور بالامتنان للشيء الذي يعتقد أنه شيء مهم هو تصرف يدل على روح ”موتَّايناي“ بحد ذاتها، ولأنه تصرف يتردد صداه بشكل كبير في قلوب اليابانيين الحساسة؟ وفي نفس الوقت، فإن المنهج القائم على رمي الأشياء مع القيام بالشعور بالامتنان لها ربما يقوم بتحريرنا من الوساوس التي تقول لنا ”إن نفسي التي لا تستطيع أن ترمي الأشياء هي نفس سيئة“. وأعتقد أن هذا يختلف بشكل كبير عن ”دانشاري (التخلص من الأشياء غير الضرورية)“ التقليدي.

عند الحديث عن ”دانشاري“ والتي قد أصبحت عبارة شائعة، فإن معظم الأشخاص المحيطين بي يقولون ”أستطيع“ أو ”لا أستطيع“ اتخاذ قرار التخلص من الأشياء غير الضرورية. وعند الاستماع إلى أحاديث المحيطين بي، يبدو لي أن الكثير من اليابانيين يمتلكون حاسة تقول إن اتخاذ قرار التخلص من الأشياء غير الضرورية هو إحدى القدرات المتميزة. والكثير من الأشخاص الذين يقولون ”لقد تخلصت من الأشياء غير الضرورية“ يشبهون الأشخاص الذين نجحوا في إنقاص الوزن، وهم فخورون بأنفسهم بعض الشيء. وعند قول أحدهم إنه نجح في التخلص من الأشياء غير الضرورية، فغالبا ما تتم الإشادة به بكلمات مثل ”عظيم“، ”رائع“، وغيرها.

بالمقابل، فإن الذين يقومون بالتبسيط في أمريكا ويسعون للوصول إلى حالة ”الزن“، يجربون الروحانية الغنية لعدم الامتلاك لأول مرة بعد قيامهم بذلك بشكل فعلي، ويتحدثون عن روعة التبسيط، ولكن إذا تساءلنا هل يعظم كامل المجتمع الأمريكي التبسيط، فإن الواقع لا يبدو كذلك. بل على العكس، يبدو أنه تتم معاملتهم على أنهم ”أشخاص غريبو الأطوار“ في بعض الحالات. ولكن في اليابان تتم معاملة الأشخاص الذين ”يستطيعون“ التخلص من الأشياء غير الضرورية على أنهم من درجة أعلى من الأشخاص الذين ”لا يستطيعون“ القيام بذلك.

وهناك تختبئ القيم اليابانية الثابتة مثل ”البساطة والمتانة“، و”الاقتصاد وعدم الإسراف“، و”عدم البذخ“. وبالمناسبة تعود روح الاقتصاد وعدم الإسراف إلى ”الثورة الإصلاحية في عصر كيوهو“ بقيادة القائد العسكري توكوغاوا يوشيموني. وبعد ذلك، تم توارث تلك القيم من خلال الأوامر الإمبراطورية العسكرية (الأوامر التي أصدرها الإمبراطور ميجي للجيش في عام 1882)، ومرورا بنهضة ميجي، بالإضافة إلى تغلغلها في التعليم المدرسي، وأصبحت عبارات ”تجنب الأشياء الباذخة“، و”عدم القيام بالبذخ“ عبارات معتادة في التوجيه اليومي والقواعد المدرسية بعد الحرب العالمية الثانية. وانطبع في داخل طلاب المدارس الإعدادية والثانوية قيم ”عدم البذخ“، و”البساطة أروع“.

وبفضل ذلك، ترسخ لدى الجميع أن الشخص الذي لا يستطيع القيام برمي الأشياء وترتيبها هو شخص سيئ ”غير مرتب“، وذلك بسبب مشاركة هذه القيم بشكل كبير في المجتمع الياباني من الصغار وحتى الكبار. ومن هنا نشأت هيكلية تجعل أشخاص “دانشاريان (قادر على دانشاري)” فخورين بأنفسهم والأشخاص الذين ”لا يستطيعون“ القيام بذلك يطأطئون رؤوسهم أمام الذين يستطيعون.

ولكن، لا تقول السيدة ”كونماري“ مثل تلك الأشياء. حيث تشرح ذلك بالقول ”لنقم بالاهتمام بمشاعرنا وذكرياتنا وعواطفنا، ولنقم باحترام مشاعرنا التي تدعونا إلى عدم الهدر، فتلك العبارات يتردد صداها في وجدان الأشخاص الذين يعيشون مدفونين بين الأشياء نتيجة لعدم القدرة على رمي كل شيء قائلين ”موتَّايناي“ و”ربما سأستخدمه يوما ما“، وتولد لديهم شعور إثبات الذات

الترتيب في اليابان هو عمل منزلي تقوم به النساء

وهكذا، فإن منهج السيدة كوندو في أمريكا قائم على جذب الانتباه من خلال استحضار الروحانية الشرقية تجاه ”clutter-cutting“ البراغماتية. بالمقابل، في اليابان، يُعتقد أنه ربما تم إعطاء تقييم عال للنقاط التي تختلف مع التخلص من الأشياء غير الضرورية بشكل معتاد من خلال القيام بالترتيب، مع تخفيف الوساوس التي تقول ”ماذا لو لم تقم بالترتيب“.

وفي الوقت الحالي، تنشط السيدة كوندو كثيرا في أمريكا، ومن خلال مشاهدتي للبرامج التي تظهر فيها بداية ببرنامج نتفليكس، انتبهت لاختلاف آخر في طريقة الترتيب في اليابان وأمريكا. وذلك الاختلاف هو دور الرجال. وهذا لا يعني أنني شاهدت برامج الترتيب الأخرى بحماس، وربما ينحصر ذلك في برنامج ”KonMari“ فقط، ولكن نسبة مشاركة الرجال في أمريكا كبيرة جدا. حيث تقوم بتعليم الرجال كيفية القيام بالترتيب. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الترتيب يكون في أماكن العمل في بعض الأحيان.

قد يكون هذا نتيجة لخبرتها في العمل كاستشارية ترتيب لمدراء الشركات، ولكن من النادر أن يتم القيام بتصوير برنامج الترتيب في مكان العمل في اليابان. وربما هناك معارضة لإظهار أماكن العمل أو الأماكن العامة بشكل مسل في البرامج التلفزيونية. وعند الحديث عن الترتيب، فإننا نقصد الترتيب المنزلي، ولسبب ما في اليابان ربما ذلك الشيء محسوم.

عند القيام بالتعريف بتقنيات الترتيب في البرامج اليابانية، فإن الكثير ممن يتلقون التعليم هم من النساء. ولذلك السبب أو لسبب آخر، كان لدي انطباع بأن النساء غير ماهرات في الترتيب. ولكن، في برامج نتفليكس يشارك الزوجان ويتلقيان التعليم سوية في كثير من الحالات. لذلك فإن وسائل الإعلام الأمريكية تتعامل بالتساوي بين الجنسين، وربما يكون الاهتمام بالترتيب من قبل الرجال أكبر من اليابان. قالت لي صديقتي الأمريكية هكذا وضحكت.

وهناك الكثير من النساء اللواتي يعانين من عدم مهارتهن بالترتيب في اليابان، ولكن طريقة نشر المعلومات في مثل وسائل الإعلام هذه تقوم بتوزيع الأدوار، وربما يكون هناك ميل لتشكيل بعض نقاط الضعف، وهذا ما جعلني أفكر مرة أخرى من خلال المقارنة بين اليابان وأمريكا.

(النص الأصلي باللغة اليابانية، صورة العنوان الرئيسي: السيدة كوندو ماريي عند إقامتها فعالية موجهة لوسائل الإعلام في مدينة نيويورك في أمريكا = 11/7/2018 (AP/AFLO)

  • [11/07/2019]

مترجمة وباحثة في الحياة الطبيعية. تخرجت من الجامعة المسيحية الدولية في عام 1984. بعد العمل في الترجمة والأبحاث في شركات إنتاج النسيج وشركات الأوراق المالية، استقالت لتعمل كمترجمة حرة. وبعد ترجمتها لأحد الكتب، انتبهت للأعمال المنزلية التي يتم استخدام المواد الطبيعية للقيام بها مثل بيكربونات الصوديوم والخل وغيرها، وبدأت القيام بالأبحاث حولها. في عام 2002 نشرت كتاب ”التنظيف الطبيعي باستخدام مواد المطبخ“ (نشر دار برونزشينشا). منذ ذلك الحين تقوم بدورات حول التنظيف وبنشاطات الكتابة. في عام 2016 حصلت على درجة الماجستير من قسم أبحاث الدراسات العالمية في قسم الدراسات العليا في جامعة صوفيا. من مؤلفاتها الأخيرة ””الإفراط في القيام بالأعمال المنزلية“ يدمر اليابان“ (نشر دار كوبونشا، عام 2017).

مقالات ذات صلة
الأعمدة الأخرى

المقالات الأكثر تصفحا

مدونات المحررين جميع المقالات

فيديوهات مختارة

أحدث المواضيع

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)