المحار الصلب: من نوع دخيل على اليابان إلى طبق محلي خاص

إندو سيي [نبذة عن الكاتب]

[14/07/2019]

 كان خليج طوكيو في أحد الأوقات مصدرا لأصناف متنوعة من الرخويات الصالحة للأكل والتي اشتهرت بها أطباق سوشي على طراز إيدو. ولكن أعمال ردم البحر والتلوث قضى على القسم الأعظم من المخزونات من تلك الحيوانات البحرية. وحاليا ظهور نوع جديد من المحار في المنطقة يحظى بترحيب حار يدعو للدهشة.

طور الباعة المتجولون في مدينة إيدو (حاليا هي طوكيو) الكثير من الأطباق اليابانية ذات الشعبية التي لا تضاهى بما فيها أطباق السوشي والتيمبورا وأسماك الأنقليس المشوية، واضعين نصب أعينهم إظهار سخاء خليج إيدو لسكان المدينة المشغولين في أعمالهم. وتشكل الأسماك والرخويات التي توجد بوفرة في المياه الضحلة ومسطحات المد والجزر فيما يعرف الآن بخليج طوكيو قلب وروح أطباق إيدوماي سوشي وذلك من بين أطباق محلية خاصة أخرى.

بعد الحرب العالمية الثانية وقعت الموارد البحرية الوفيرة في خليج طوكيو ضحية للتنمية الصناعية. ففي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، تم ردم أجزاء كبيرة من الخليج لإفساح المجال أمام المصانع والمستودعات ومرافق الموانئ. ومع تقدم عمليات التصنيع والتوسع الحضري تدفقت مياه الصرف الصحي المنزلية والصناعية إلى المجاري المائية المحلية وشقّت طريقها إلى الخليج مما حوّله من نظام بيئي خصب إلى حوض تصريف نتن.

ومع تلاشي صرعة ردم أراضي البحر، صعدت أجندة إصلاح بيئة الواجهة البحرية لتحتل مراكز متقدمة على قائمة جدول الأعمال. وسرعان ما توافد الناس على الحدائق الساحلية الجديدة في ماكوهاري وأوديبا. وأصبح متنزه كاساي رينكاي وجهة مفضلة لعشاق مراقبة الطيور.

في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، خضع جانب الخليج لموجة جديدة من التطوير تركزت على المنشآت السكنية والتجارية. أفسحت المصانع والمستودعات الطريق للشقق والمباني المكتبية الشاهقة. واليوم هناك موجة أخرى من البناء جارية مع التحضيرات لألعاب طوكيو الأولمبية عام 2020.

أين اختفى كل المحار؟

على الرغم من الجهود المحلية لترميم البيئة، كان للتنمية تأثير مدمر على النظام البيئي البحري وموارد خليج طوكيو. انخفضت غلات الصيد بشكل حاد في الستينيات، عندما كانت عمليات ردم البحر والتلوث في أوجها. وعلى عكس ما قد يفترض المرء، لم تكن أسماك الخليج هي التي تعرضت لأكبر قدر من الضرر، بل كانت المحار والرخويات الأخرى الصالحة للأكل التي برزت بشكل جلي في ثقافة إيدو الغذائية.

بادئ ذي بدء، من المعلوم أن أطباق سوشي إيدوماي تعتمد بشكل رئيسي على أنواع المحار بما في ذلك هاماغوري وأكاغاي وتوريغاي. وفي أحد الأوقات كانت كل تلك الأنواع وأكثر منها موجودة بوفرة في المياه الساحلية الضحلة ومسطحات المد والجزر لخليج طوكيو. أما الآن فيتعين الحصول عليها من أماكن أخرى من البلاد.

من أطباق السوشي المصنوعة من رخويات صالحة للأكل والتي كانت متوفرة بغزارة في أحد الأوقات في خليج طوكيو (وسط) أهداب أكاغاكي مع الخيار، (مع اتجاه عقارب الساعة من أعلى اليسار): توريغاي وهونميروغاي وآوياغي (باكاغاي) وكوباشيرا (عضلة المقربة لآوياغي) وتايراغي وشيروميروغاي وهاماغوري وأكاغاي.

أسفر سخاء خليج طوكيو عن ولادة أطباق محلية خاصة أخرى. فوجبة ياكيهاما بينتو الخاصة بمحافظة تشيبا هي عبارة عن صندوق طعام يحتوي على هاماغوري مشوية على شكل أسياخ ومغطاة بصلصة حلوة ولذيذة وتقدم فوق طبقة من الأرز. تم تطوير الوجبة في عام 1940 من وجبة خفيفة بحرية محلية شهيرة مصنوعة من المحار المستخرج طازجا، ولا تزال واحدة من أشهر وجبات إكيبين وأكثرها شعبية في المنطقة. ولسوء الحظ، لم يعد استخدام هاماغوري المحلي خيارا واقعيا.

يعتمد تحضير وجبة ياكيهاما بينتو الخاصة بمحافظة تشيبا على الوجبات البحرية الخفيفة المحلية المكونة من محار هاماغوري طازج، ولكن في الوقت الحاضر يتم جلب المحار من أماكن أخرى

الرابحون والخاسرون

كان المحار الأحمر (أكاغاي) وأنواع أخرى من سلالته ’’ساروبوغاي‘‘ الأصغر  حجما بقليل أول من اختفى حيث دمرت عمليات ردم مياه البحر والتلوث البيئي مناطق وجودها. ومن ثم تلاها اختفاء المحار هاماغوري المفضل في المنطقة ومن ثم رخويات أخرى. وقد ركز صيد المحار التجاري بعد اختفاء تلك الأنواع من خليج طوكيو على المحار الصغير ولكن اللذيذ ’’أساري‘‘، وهو مكون شائع الاستخدام في الحساء والمعكرونة. وقد تراجعت مخزونات أساري في البحر تدريجيا في البداية ومن ثم انهارت بشكل كبير قبل أكثر من عقد بقليل. وبين عامي 2006 و2007، انخفض الصيد السنوي من محار أساري من 10100 طن إلى 326 طنا. في السنوات الأخيرة، تذبذبت غلة الصيد حيث تراوحت بين 0.5 طن في عام 2016 إلى 338 طنا في عام 2017 ولكن لا توجد أي إشارة إلى وجود تعاف مستدام من أعدادها.

ومن سخرية القدر أن من بين أنواع الرخويات القليلة التي شهدت ازدهارا وسط هذا الدمار كانت أنواعا ليست من الحيوانات التي كانت تقطن المنطقة أساسا، وهي المحار الصلب الذي طالما استخدمه الأمريكيون لصنع حساء المحار. في عام 1998، تم العثور على المحار الصلب على شاطئ اصطناعي في ماكوهاري بمحافظة تشيبا. ويُعتقد أن هذا المحار وصل عبر المحيط الهادئ محمولا في مياه صابورة السفن التجارية.

لماذا تكاثرت هذه الأنواع الغريبة في خليج طوكيو بالرغم من اختفاء الرخويات الأصلية؟ يبدو أن العامل الرئيسي هو قدرة المحار الصلب على مقاومة ظروف انخفاض الأوكسجين.

يمكن للتلوث الناتج عن المغذيات الكيميائية أن يؤدي إلى وفرة الغذاء وتكوين مناطق منخفضة الأوكسجين، حيث يؤدي عمل البكتيريا على المادة العضوية إلى استنفاد الأوكسجين من الماء. إن نقص الأوكسجين لا يتوافق مع معظم الحياة البحرية ولكن يبدو أن المحار الصلب يزدهر في تلك الظروف وينتشر على نطاق واسع. يوجد هذا المحار بغزارة ولا سيما في سانبانزي، وهي أرض رطبة عند فتحة قناة إيدوغاوا بين منطقتي إيتشيكاوا وفوناباشي في محافظة تشيبا، وهي واحدة من مسطحات المد والجزر القليلة المتبقية في خليج طوكيو.

انتعاش صيد المحار

وفي حوالي نهاية التسعينيات، وجد ساوادا يوئيتشي – صياد محار أساري من منطقة إيتشيكاوا – وهو يفرز صيده بعض المحار الكبيرة شاحبة اللون التي لم يسبق له أن رآها من قبل. وأحضر عينة منها إلى مركز أبحاث الثروة السمكية في محافظة تشيبا حيث تم تحديد نوع المحار بـ’’ Mercenaria mercenaria‘‘ والمعروف حاليا باسم المحار الصلب، وهو أحد الأنواع المنتشرة بغزارة على طول ساحل أمريكا الشمالية.

’’أخبروني أن الناس في أمريكا يأكلون هذا النوع من المحار ولكني كنت خائفا في البداية. استجمعت شجاعتي وقمت بوضع محارة في المايكرويف وبعد ذلك قطعتها إلى نصفين ووضعتها في فمي. وكان طعمها لذيذا حقا وبعد ذلك أخبرت جميع أصدقائي الصيادين ’خمنوا يا أصدقاء ماذا اكتشفت، يمكنكم أكل هذه!‘‘‘.

بدأ ساوادا بصيد المحار الصلب بشكل جاد في نحو عام 2005. تم العثور على المحار على عمق حوالي مترين. وكما هو الحال عند البحث عن أساري، استخدم ساوادا مجرفة جمع محار متصلة مع سلة فولاذية كبيرة. قام بإنزال الأداة من قاربه وحفر في الرمال حوالي 10 سنتيمترات وسحب المجرفة وهز المقبض لإنزال الرمل والحصى الصغيرة من السلة.

الصياد ساوادا يويتشي يستخدم قاربه ومجرفة جمع محار احترافية للحفر بحثا عن المحار الصلب قبالة فوناباشي في محافظة تشيبا.

في البداية كانت هناك ممانعة للنوع الجديد الغريب من المحار وقد استغرق ساوادا بعض الوقت لتأمين قنوات التوزيع اللازمة. لكن عندما جربوه الناس أصبحوا يحبونه. أطلقت جمعية صيد الأسماك حملة علاقات عامة في سوق الأسماك في فوناباشي، وذلك في الوقت الذي بدأت فيه مطاعم فوناباشي بتقديم المحار الصلب على أنه وجبة خاصة بالمنطقة. وفي عام 2017، صنفت محافظة تشيبا رسميا ما يسمى بالمحار الصلب على أنه ’’منتج بحري هو علامة تجارية لمحافظة تشيبا ‘‘.

ارتفع حجم غلة الصيد من 194 طنا في عام 2008 إلى 1333 طنا في عام 2016 و1676 طنا في عام 2018. وقد استشعر الصيادون الشباب فرصة لتحقيق الربح ما دفعهم للانخراط في صيد هذا المحار أيضا.

معظم أنواع المحار التي يتم اصطيادها حاليا هي المحار الصلب، وأحيانا يكون معها أكاغاي وهاماغوري.

ولادة طبق محلي خاص

في فبراير/ شباط عام 2019، أقيمت أول مسابقة لحساء المحار في اليابان في ميناء فوناباشي لصيد الأسماك. وشارك ما مجموعه 13 مؤسسة محلية للطعام والشراب من بينها مطاعم وحانات إيزاكايا ومتاجر رامن، حيث قاموا ببيع حساء المحار الخاص بسانبانزي للزوار بسعر 300 ين للوجبة. وعلى الرغم من الطقس الشتوي، تدفق الزبان إلى مكان المنافسة فور افتتاحه في تمام الساعة التاسعة صباحا وقد باعت بعض الأكشاك وجباتها بحلول الساعة العاشرة صباحا. قام الزوار بالتصويت لصالح حساء المحار الذي نال إعجابهم وذلك بوضع الملاعق الخاصة بهم للتصويت بها.

يعرض الطهاة المحليون إبداعهم في أول مسابقة لحساء المحار في اليابان التي أقيمت في فوناباشي في فبراير/شباط عام 2019. جميع الأطباق الـ13 مصنوعة من محار سانبانزي الصلب وهو الاسم المحلي للمحار الصلب الأمريكي الذي أصبح يعيش في خليج طوكيو.

الأمر الذي لفت الانتباه هو التنوع والإبداع الذي تميزت به الأطباق المشاركة في المسابقة. كانت هناك أشكال مختلفة لوصفات تقليدية بما في ذلك حساء المحار الكريمي الخاص بمنطقة بريطانيا الجديدة في الولايات المتحدة مع ميسو وحساء مانهاتن المكون بشكل أساسي من الطماطم ويحتوي على كرات السمك إلى جانب المحار. عرض أحد المتنافسين حساء ذا لون أخضر قاتم مصنوعا من’’ الكوماتسونا‘‘ (السبانخ الياباني) المزروعة محليا، بينما قدم مشارك آخر حساء على الطريقة التايلاندية مصنوعا من حليب جوز الهند. كان الطبق المفضل لي يحتوي على الفول السوداني، وهو وجبة أخرى خاصة بمحافظة تشيبا.

ترأس أوتشيؤمي كينتارو – بائع جملة محلي للمأكولات البحرية – اللجنة المنظمة للمسابقة. ويقول أوتشيؤمي: ’’لقد اجتمع عدد قليل منا وتوصلوا إلى الفكرة باعتبارها طريقة للترويج للمحار الصلب كطبق خاص بفوناباشي وتسليط الضوء على هذا المحار على مستوى البلاد. والنتيجة فاقت بكثير توقعاته. ’’طوال حياتي الممتدة لأربعين عاما، هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها 3 آلاف شخص يتجمعون في ميناء فوناباشي للصيد‘‘. في أعقاب نجاح الفعالية، أصبح مقتنعا أكثر من أي وقت مضى بالإمكانات التجارية للمحار الصلب.

ترأس أوتشيؤمي كينتارو الشاب الذي يملك متجر كانيهاتشي سويسان لبيع المأكولات البحرية بالجملة في فوناباشي، اللجنة المنظمة في أول مسابقة لحساء المحار في اليابان.

من وجهة نظر بيئية، يعد ظهور محار سانبازي الصلب بمثابة نهاية خرافية نادرة لقصة خليج طوكيو الطويلة. تم تجريف مسطحات المد والجزر في الخليج وملؤها وتغطيتها بمواد خرسانية، وقد تعرض تنوعها البيولوجي لخطر شديد نتيجة لذلك. حققت المشروعات التي ترمي إلى ترميم النظام البيئي عن طريق إنشاء أراض رطبة وشواطئ اصطناعية بعض التقدم. لكن عودة خليج طوكيو ككل إلى حالته الأصلية ربما لم تعد ممكنة.

في ظل تلك الظروف، من الصعب إلقاء اللوم على السكان المحليين لتبنيهم لهذا المحار الأمريكي باعتباره وجها لـ ’’إيدوماي‘‘ في القرن الحادي والعشرين. فلننضم إليهم للمشاركة في مثل هذه الانتصارات الصغيرة، مع مواصلة العمل من أجل إعادة تأهيل خليج طوكيو.

(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية، صورة العنوان: مسطحات المد والجزر في سانبانزي بخليج طوكيو في محافظة تشيبا.  الصورة من بيكسا)

  • [14/07/2019]

محرر ورئيس استوديو ناوتيلوس. تخلى عن وظيفته في شركة نشر بعد 30 عاما من العمل لديها وذلك لتحقيق حلمه في الإبحار حول العالم. وأصبح مهتما بالصناعة السمكية أثناء زيارته إلى مجتمعات صيد مختلفة في أنحاء اليابان.

مقالات ذات صلة
الأعمدة الأخرى

المقالات الأكثر تصفحا

مدونات المحررين جميع المقالات

فيديوهات مختارة

أحدث المواضيع

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)