هاتسويومي في اليابان: لماذا يُعد حلم جبل فوجي بشارة عام سعيد؟

ثقافة

مع حلول ليلة رأس السنة الجديدة يحرص كثير من اليابانيين على النوم مبكراً ليحظوا بما يُعرف بـ«هاتسويومي» أي أول منام في العام الجديد، حيث يُعتقد أن الحلم الذي يرونه في الليلة الأولى من العام يتنبأ بحظهم طوال الأشهر الاثني عشر القادمة.

ويحتل المثل الياباني القديم «إيتشي فوجي، ني تاكا، سان ناسوبي» مكانة خاصة في هذا التقليد، إذ يُعتبر أفضل ثلاثة أحلام هي رؤية جبل فوجي أولاً، ثم رؤية صقر ثانياً، وأخيراً رؤية الباذنجان ثالثاً. فجبل فوجي يرمز إلى أعظم الحظ والازدهار والاستقرار الطويل الأمد، والصقر يدل على القوة والنجاح السريع والارتفاع في المكانة أو الثروة، أما الباذنجان فيشير إلى الحظ الجيد البسيط والمستمر خاصة في الأمور المالية والعائلية.

والنظرية الأكثر قبولاً بين المؤرخين والثقافيين تربط هذه الرموز الثلاثة بمقاطعة سوروغا القديمة التي تقع اليوم في محافظة شيزوكا، مسقط رأس توكوغاوا إيئياسو مؤسس شوغونية توكوغاوا التي دامت أكثر من 260 عاماً. فجبل فوجي أعلى قمة في اليابان ويقع في قلب تلك المنطقة، والصقر كان رمزاً مفضلاً لإيئياسو الذي ربّاها بنفسه وجعلها شعاراً لعائلته، أما الباذنجان فتشتهر المنطقة بزراعته المبكر النضوج الذي كان يُعدّ من المنتجات الفاخرة في عصر إيدو.

في السنوات الأخيرة تحول «هاتسويومي» إلى تقليد اجتماعي ممتع يتبادل فيه الناس صور أحلامهم على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة إذا رأوا فوجي أو صقراً أو حتى طبقاً كبيراً من الباذنجان المقلي، ومع اقتراب العام الجديد يتمنى الجميع أن يكون أول منامهم من النوع الذي يبشر بالخير والبركة طوال العام.

إلى جانب النظرية التاريخية التي تربط «إيتشي فوجي، ني تاكا، سان ناسوبي» بمقاطعة سوروغا مسقط رأس توكوغاوا إيئياسو، يقدم التراث الشعبي الياباني تفسيرات أخرى شعبية لسر اختيار هذه الرموز الثلاثة تحديداً كأفضل أحلام في «هاتسويومي».

أحد التفسيرات الشائعة يركز على صفة «الطول» أو «الارتفاع» المشتركة بينها: جبل فوجي هو أعلى قمة في اليابان، والصقر يحلق عالياً في السماء، أما الباذنجان فكان يُباع في عصر إيدو بأسعار مرتفعة نسبياً لأنه أجود أنواع الباذنجان المبكر النضوج في المنطقة، فأصبح رمزاً للرفعة والقيمة العالية.

وتنتشر أيضاً تفسيرات تعتمد على اللعب بالكلمات والتشابه الصوتي في اللغة اليابانية، وهي من أكثر التفسيرات شعبية بين اليابانيين المعاصرين. فكلمة «فوجي» قريبة جداً من «فوشي» التي تعني «الخلود» أو «الاستمرار إلى الأبد»، مما يجعل رؤية جبل فوجي بشارة بصحة دائمة وعمر طويل. أما «تاكا» (الصقر) فتشبه لفظ «تاكاي» أو «تاكاكو» التي تعني «سامٍ» أو «رفيع الشأن»، فتصبح رؤيته إشارة إلى الارتقاء الاجتماعي أو المهني والوصول إلى مكانة مرموقة. وبالنسبة للباذنجان «ناسوبي» أو «ناسو»، فإن لفظه يتطابق تقريباً مع «ناسو» التي تعني «يُنجز» أو «يُحقق»، مما يجعل رؤيته دليلاً على تحقيق الأهداف والنجاح في المشاريع.

رؤية تحدد مسار العام الجديد

مع بداية العام الجديد، يتجدد الجدل بين اليابانيين حول اللحظة الدقيقة التي يُعتبر فيها الحلم «هاتسويومي» (أول منام في العام)، ذلك التقليد الشعبي الذي يُعتقد أنه يتنبأ بحظ الشخص طوال الأشهر الاثني عشر القادمة.

التقليد الأكثر شيوعاً وانتشاراً يحدد ليلة «هاتسويومي» في ليلة 2 يناير، أي المنام الذي يراه الشخص عندما ينام في ليلة الثاني ويستيقظ صباح الثالث من يناير. أما بعض اليابانيين فيعتبرون أن أول منام حقيقي هو الذي يحدث في ليلة رأس السنة نفسها (ليلة 1 يناير)، وهو ما يجعل الأمر محل اختلاف شخصي بين العائلات والمناطق.

ويُعزى هذا الالتباس جزئياً إلى تاريخ اليابان مع التقويمين: قبل اعتماد التقويم الميلادي الغريغوري عام 1873، كانت اليابان تتبع التقويم القمري الشمسي، حيث كان رأس السنة يقع في فبراير أو مارس حسب السنة. ومع الانتقال إلى التقويم الجديد، اختلفت تواريخ بعض الطقوس، لكن «هاتسويومي» ظل مرتبطاً ببداية العام الجديد، مما أدى إلى تنوع في التفسيرات.

ومن العادات القديمة المرتبطة بهذا التقليد وضع صورة «تاكارابوني» (سفينة الكنز) تحت الوسادة أثناء النوم. تُصور هذه السفينة عادةً وهي تحمل آلهة الحظ السبعة (شيتشي فوكوجين)، ويُعتقد أن وضعها تحت الرأس يحمي من الأحلام السيئة ويعزز فرص رؤية حلم مبارك مثل جبل فوجي أو صقر أو باذنجان.

في المقابل، إذا رأى الشخص حلماً مشؤوماً في تلك الليلة، فإن الطريقة التقليدية للتخلص من آثاره السلبية هي رمي صورة «تاكارابوني» في نهر قريب في الصباح الباكر، اعتقاداً بأن المياه الجارية تحمل معها الشؤم بعيداً.

رغم بساطة هذه الطقوس، إلا أنها لا تزال حاضرة في كثير من المنازل اليابانية، خاصة في المناطق الريفية، حيث يُطبع «تاكارابوني» على ورق رخيص ويُباع في الأسواق قبل نهاية العام. ومع انتشار وسائل التواصل، أصبح الكثيرون يشاركون صور «تاكارابوني» تحت وسائدهم أو ينشرون أحلامهم الصباحية، محولين تقليداً قديماً إلى احتفال جماعي ممتع يجمع بين التراث والأمل في عام جديد مليء بالحظ والسعادة.

لا تزل بعض المعابد توزع صور ”تاكارابوني“ لتوضع تحت الوسادة أثناء النوم.

في عصر إيدو (1603-1868) كان بائعو الصور يجوبون الشوارع مرددين بصوت عالٍ «أوتاكارا، أوتاكارا» (كنز، كنز)، ليجذبوا الزبائن إلى صور «تاكارابوني» (سفينة الكنز) التي يبيعونها قبل رأس السنة. ومع الوقت، أصبحت هذه الصور تحمل قصيدة قصيرة متناظرة تُدعى «تاكارابوني» أو «سفينة الكنز»، وهي عبارة عن أمنية شعرية تجلب الحظ الجيد، مثل: «طويل العمر، صحة جيدة، أمان، سلام، سعادة، ثروة، سبعة آلهة حظ».

غالباً ما يُرسم على شراع السفينة حرف «獏» (باكو)، وهو مخلوق أسطوري ياباني-صيني يُعتقد أنه يلتهم الكوابيس والأحلام السيئة، فيشكل تميمة إضافية لضمان رؤية أحلام مباركة في «هاتسويومي» (أول منام في العام).

ورغم أن دور «تاكارابوني» في الطقوس اليومية أصبح أقل وضوحاً مع مرور الزمن، إلا أن التقليد نفسه لا يزال معروفاً ومحبوباً للغاية في اليابان. فالكثيرون لا يزالون يضعون الصورة تحت الوسادة ليلة 1 أو 2 يناير (حسب عادة الأسرة)، وإذا استيقظوا صباح الثاني أو الثالث من يناير وقد رأوا جبل فوجي في منامهم، أو صقراً يحلق عالياً، أو حتى طبقاً من الباذنجان، فإنهم يستقبلون العام الجديد بتفاؤل كبير وثقة بأن الحظ السعيد سيصحبهم طوال الأشهر الاثني عشر القادمة.

(المقالة الأصلية مكتوبة باللغة الإنكليزية ومنشورة بتاريخ 2 يناير/ كانون الأول 2015. صورة العنوان من حساب Ken Schwarz على موقع فليكر)