عالم الصحف في اليابان: الهدوء الذي يسبق العاصفة

اقتصاد مجتمع ثقافة

تبدو صناعة الصحف اليابانية اليوم منيعة ضد الضغوطات التي أجبرت العديد من الصحف الامريكية إلى إعلان إفلاسها والخوض في مسار الاستحواذ في السنوات الأخيرة. كيف تقف الصحافة اليابانية على أقدام ثابتة في عصر الإعلام الرقمي اليوم؟ وإلى متى يمكن لهذا الحظ الجيد أن يدوم؟ تكشف الأستاذة في جامعة طوكيو هاياشي كاوري في هذا التقرير عن الأسس الاقتصادية والثقافية الفريدة لصناعة الصحف في اليابان ونتائجها على المستقبل.

ضجت وسائل الإعلام العالمية في أغسطس/ آب الماضي بالأنباء الواردة من الولايات المتحدة الأمريكية والتي أفادت بأن صحيفة الواشنطن بوست التي تحظى باحترام كبير على وشك أن تباع لجيف بيزوس المؤسس والرئيس التنفيذي لـ Amazon.com. وكانت هذه أحدث حلقة في قصة الهيجان التي دفعت بمؤسسات أمريكية كبرى كصحيفة وول ستريت جورنال (تم الاستحواذ عليها من قبل قطب الاعلام روبرت مردوخ مؤسس نيوز كورب في عام ٢٠٠٧)، ولوس أنجلوس تايمز وستار تريبيون وفيلادلفيا انكوايرر إلى اشهار الإفلاس ومن ثم الاقرار بعمليات الدمج والاستحواذ التي أعقبت ذلك.

اما في اليابان، فان هذا الامر هو على النقيض من ذلك، وبالتالي نادرا ما نسمع عن حالات الإفلاس أو الاستحواذ في عالم الصحف. فهل الصحف اليابانية يا تُرى منيعة ضد الضغوط التي تهز وسائل الإعلام المطبوعة في الخارج؟ وفيما يلي أقدم بعضاً من خصائص صناعة الصحف في اليابان وتوقعاتي حول مستقبل هذه الصناعة على المدى الطويل في العصر الرقمي.

إيرادات تداول ثابتة

هنالك مؤشر واضح يدل على مدى تعافي هذه الصناعة والذي يكمن في الإيرادات. ففي اليابان، انخفض إجمالي إيرادات الصحف خلال السنوات الخمسة عشر الماضية (انظر الشكل ١)، وإن لم يكن ذلك بشكل حاد كما هي الحال في الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا. ومع حلول عام ٢٠١١، انخفضت عائدات الصحف بنسبة زادت بنحوِ ٢٠ ٪ عن ذروتها التي بلغت ٢٫٥٣ تريليون ين في عام ١٩٩٧.

يحدد الشكل ١ أيضا المصدر الرئيسي لهذا التراجع. فقد انخفضت عائدات الإعلانات، التي تشكل ما يقارب ثلث المجموع، لا سيما منذ الركود الاقتصادي العالمي الأخير. لكنّ بالمقارنة، لم تنخفض إيرادات التداول والتوزيع والتي تمثل تقريبا ٦٠ ٪ من المجموع لتصلَ مستوىً جديرٌ بالاهتمام. ففي عام ٢٠١١، انخفضت ايرادات التداول بنسبة أقل من ١٠٪ عن ذروتها عام ١٩٩٧. (في الولايات المتحدة ، تشكل حسابات إيرادات التداول ٢٧ ٪ من إجمالي الإيرادات وذلك وفقا لأحدث استطلاع أجرته جمعية الصحف الأمريكية).

لكن تبقى أرقام توزيع الصحف مرتفعة بشكل ملحوظ في اليابان. فمن بين الصحف الوطنية الكبرى، نجد صحيفة يوميوري شيمبون أكبر الصحف اليابانية انتشاراً، حيث يصل حجم تداولها إلى ما يقارب ١٠ مليون نسخة يومياً بينما تحتل صحفية أساهي شيمبون المرتبة الثانية في سلم حجم التداول برقم خجول نسبياً يصل الى ٨ مليون نسخة. أمّا الصحف الإقليمية في اليابان فعادةً ما تصل إلى ٥٠ ٪ من البيوت في أسواقها المحلية، كما يتفاخر عدد لا بأس به من الصحف بأن لديهم معدلات تداول تصل إلى ٦٠ ٪ أو أكثر. وعلاوة على ذلك، تعمل معظم الصحف الإقليمية اليابانية بشكل مستقل، وذلك على عكس نظيراتها في الولايات المتحدة، والتي تسيطر على أغلبيتها صحف وطنية مثل ماكلاتشي .

وباختصار، فانه على الرغم من تراجع إيرادات الإعلانات نتيجة للحالة الاقتصادية، فقد ظلت الصحف اليابانية قوية نسبياً وذلك لسبب بسيط وهو أن القراء لم يلغوا اشتراكاتهم .

وربما يتساءل المرء ما تفسير هذا الولاء؟ ولعل السبب الرئيسي يكمن في أن الصحف بالنسبة لمعظم الراشدين الذين وصلوا الى مرحلة معينة من العمر، ليست مجرد وسيلة للحصول على المعلومات ولكنها جزءٌ لا يتجزأ من أسلوب حياتهم. فإذا كنت راشدا في اليابان، فمن الأرجح أن أحد الأشياء الأولى التي تفعلها بعد الاستيقاظ في الصباح هو الذهاب لتفحص صندوق البريد الخاص بك، وجلب الصحيفة الصباحية. ثّم في وقت لاحق، عندما تصلك صحيفة المساء، ستقوم بتصفح العناوين لمتابعة أحداث ذلك اليوم (رغم أن أعداد متزايدة من الصحف الإقليمية علقت طبعاتها المسائية).

شبكة ناجحة للتوصيل المنزلي

وإلى حد ما، يعكس هذا السلوك الولع الياباني بالقراءة المطبوعة من جميع الأنواع. ولكن من الناحية العملية، تعتبر شبكة التوصيل المنزلي لهذه الصحف السبب الحقيقي في انتشارها الواسع، حيث تخترق هذه الشبكة جميع أنحاء الأرخبيل الياباني.

حيث يشكل ما يقارب ٢٠ ألف موزع محلي محاور هذه الشبكة. سيما وانه لدى معظم الموزعين عقوداً حصرية مع أحد الناشرين ويتم العمل من خلال تعاون وثيق مع قسم المبيعات لبيع وتسليم صحفهم بأكبر قدر من الكفاءة. وتَميّزوا ايضاً بانهم عملوا طويلاً وبجد في انشاء شبكات توزيع فعّالة في مناطقهم وتأمين أكبر عدد ممكن من المشتركين. والبرهان على كونهم قادرين على زيادة أرباحهم عن طريق إدراج إعلاناتهم في الصحف قبل التسليم. وقد خلق هذا النظام على الصعيد الوطني شبكة شاسعة للتوصيل المنزلي تشمل نحو ٩٥ ٪ من الصحف اليابانية المباعة. وحتى في ألمانيا، التي لديها سوق مشابه لسوق اليابان من حيث الحجم ونظام التسليم المتطور، فانَّ النسبة المئوية لتوصيل الصحف للمنازل لا تتجاوز سوى  نسبة ٧٠٪. فقط

دور العوامل الاجتماعية

في اليابان، تعد العلاقات الشخصية والمجتمعية العوامل الرئيسية التي تحدد ولاء المشترك بصحيفة ما. فالصحف اليابانية لديها القليل من التلوين الأيديولوجي الذي يميز بعض الصحف الأوروبية والتي بدأت على شكل منشورات حزبية. ويعود ولاء القارئ الياباني لصحيفة ما ببساطة إلى عائلة هذا القارئ التي اشتركت بشكل دائم بهذه الصحيفة في الماضي، أو نظراً لأنه أي القارئ على معرفة بالموزع المحلي في الجوار.

ففي اليابان، كانت الصحف دائما أكثر من مجرد وسيلة للحصول على الأخبار. فقد احتل ال ”paperboy“ أو ما يُعرف بـ ”صبي توزيع الصحف“ على سبيل المثال، مكانا بارزا في المجتمع الحضري الياباني في سنوات النمو السريع بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية . وقد عمل العديد من الشباب الذين احتشدوا في المدن لمتابعة التعليم العالي في منافذ التوزيع التي دعمتهم ماديا من خلال توزيع الجرائد اليومية .سيما وانه تلقى عدد لا بأس به منهم أيضا منحا دراسية سخية. ومن المفترض أن يكون دور الصحف كجهاتٍ متبرعة لآلاف المهاجرين الشباب جزءا من السبب في شعبيتها بين اليابانيين الذين تتراوح أعمارهم بين ٥٠ وما فوق (وخاصة أولئك الذين هاجروا إلى المدينة من قراهم عندما كانوا في سنوات الشباب).

ولعل توزيع الصحف لم يعد خيارا شعبيا بين طلاب الجامعات والباحثين عن أعمالا جزئية لكسب العيش وجمع الأقساط المدرسية. وفي الواقع، انخفض عدد الأشخاص الذين يعملون في مراكز التوزيع بنحو ٧٥ ٪ في السنوات العشرين الماضية. ومع ذلك، وجد موزعو الصحف وسائل اخرى لتدعيم أعمالهم في مناطقهم المحلية. ففي مجتمعات المناطق الريفية التي تمت الهجرة منها والتي تعج بالمسنين، تكيف العديد من الموزعين لعملائهم من المسنين، فأدخلوا خدمات مثل تأجير الكراسي المتحركة أو الزيارات المنزلية للاطمئنان على المسننين الذين يقطنون منازلهم بمفردهم منذ سنوات ما بعد الحرب مباشرة، وقد استطاعت الصحف بهذا الأسلوب تأمين قدر كبير من المشتركين الأوفياء من خلال المساهمة في المجتمع المحلي بتقديم الخدمات لهم مُغطّيةً بذلك ثغرات الحكومة المحلية والمركزية ولعل تلك هي بعضٌ من الاسباب الكامنة وراء تغلغل الصحف اليابانية بقوة في الحياة والثقافة اليابانية.

”أبناء المجتمع الرقمي“ لن يعودوا الى الوراء

وعلى الرغم من وجود اعداد كافية من القراء المخلصين والاستقرار المالي الذي تتمتع به الصحف اليابانية اليوم، فانه لمن الصعب أن نكون متفائلين حول آفاق مستقبل هذه الصحف. ويتطلب الواقع الادراك بانّ قدرة الصناعة الحالية للتقدم بشكل يوازي نجاحها السابق يجعل الأمر أكثر صعوبة في تصور النتيجة السعيدة في المستقبل.

كما انّ طبيعة المعضلة ليس لغزا كبيرا. في اليابان، فكما هي الحال في الدول المتقدمة صناعيا في الغرب، تراجعت اشتراكات الصحف الجديدة مع انتشار الإنترنت وتكنولوجيا الهواتف الذكية. كما ان من الطلاب في الجامعة حيث أقوم بالتدريس فيها  قلّة ممن يشتركون في الصحف، لا سيما إذا كانوا يعيشون لوحدهم. ولعل الشباب اليوم على استعداد لدفع مبالغ طائلة لفواتير الهواتف المحمولة، لكنهم يترددون في إنفاق حتى جزء صغير من هذا المبلغ على الصحف.

الشكل ٢ يمثل هذا الاتجاه في مصطلحات إحصائية بكل معنى الكلمة، وذلك باستخدام بيانات على شكل مسح إحصائي أجريت في عامي ٢٠٠٥ و٢٠١٠ من قبل معهد البحوث الثقافية في إذاعة الـ NHK. عام ٢٠١٠ ، وقد أقر الشباب في العشرينات من العمر بأنهم أمضوا وسطيا أربع دقائق في اليوم الواحد لقراءة صحيفة مطبوعة​​، مقارنة مع ٦٨ دقيقة على الانترنت. اما في الماضي فقد كان الشباب تبدأ يومها بقراءة الصحف جديا بعد الاستقرار والحصول على وظائف عمل ثابتة. ولكن حتى في اليابان، يبدو أن هذا النمط في طريق الزوال. ويبدو انه من المستبعد جدا لـ ”أبناء المجتمع الرقمي“، وهم الشباب في سن المراهقة والعشرينات الذي نشأوا مع التكنولوجيا الرقمية، العودة للإعلام المطبوع عندما يتقدمون في العمر.

هل هم ضحايا نجاحهم الخاص!

وقد اعتمد ناشرو الصحف اليابانية مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات لجذب القراء الشباب، لكنها جميعا لم تنجح في معالجة المشكلة الأساسية بشكل مباشر. ويبدو ان المدراء التنفيذيون اليوم، الذين بنوا إمبراطوريا تهم بمساعدة الآلاف من الموزعين المحللين، عاجزون عن القيام بأي شيء سوى التعبير عن قلقهم حيث أن التحول إلى الإعلام الرقمي يهدد وجودهم.

وفي سياق بحثي هذا، أجريت مقابلات مع العديد من المدراء التنفيذيين في الصحف اليابانية بشأن استراتيجية أعمالهم لمواجهة هذا التوجه الرقمي. وقدعبر تقريبا كل واحدٍ منهم عن نفس القلق، وهو أنه أي تحول كبير نحو المحتوى الرقمي المدفوع من شأنه أن يؤدي إلى رد فعل عنيف من الموزعين المحليين التي تدعم شبكات التوصيل إلى المنازل. حيث أعربوا جميعهم بأنه ”لا يمكن تجاهل الموزعين“.

وربما يكون هذا هو السبب في أن يوميوري، أكبر الصحف اليومية في اليابان، جعلت طبعتها الرقمية المدفوعة، اليوميوري بريميوم، متاحة فقط للمشتركين بالصحيفة المطبوعة. وبالمثل، فإن أساهي شيمبون ونيبون كيزاي شيمبون تقومان بأعمال الدعاية لحزم الصحف المطبوعة والرقمية معا ولكنهما لا تشجعان زبائنهما على الاشتراكات الرقمية فقط والتي تم تسعيرها بشكل قريب من حزم الاشتراكات المطبوعة والرقمية. اضافة الى ان معظم الصحف الإقليمية، في الوقت نفسه، أبدت معارضتها في نشر الطبعة الرقمية. ومُشيرة الى ان مواقعها على شبكة الإنترنت تحمل محتويات مجانية فقط على شكل ”مواد مثيرة“ تهدف الى اثارة الاهتمام في النسخة المطبوعة.

وهكذا فانّ صناعة الصحف في اليابان هي مثال ساطع على صناعة يحركها الطلب المحلي الناجح التي تستغل بمهارة في قاعدة المستهلكين في الوقت الذي كان ينمو بسرعة. لكن الصحف اليابانية ظلت متشبثة إلى نفس نموذج الأعمال القديم في عالم سريع التغير، حيث حفز كل من اشهار الإفلاس وعمليات الاستحواذ إعادة هيكلة وتجديد صناعة الصحف في الخارج.

والسؤال هو متى سيبدأ تجديد صناعة الصحف في اليابان؟ وكيف ستعمل الصحف على الحفاظ وتطوير المشتركين وأولياء امورهم لأربعين او خمسين سنة من الآن في مجتمع رقمي؟ وربما تكون المسألة في انه مازالت الصحف اليابانية واقعة في كمين نجاحات القرن الماضي وبالتالي فهي بحاجة لصياغة رؤية واضحة لمواجهة القرن الواحد والعشرين.

 (المقالة الأصلية باللغة اليابانية، بتاريخ ٢٠ سبتمبر/ أيلول ٢٠١٣ )

 

الصحف