استمرار معاناة سكان فوكوشيما حتى بعد رفع أوامر الإجلاء

بعد ست سنوات من وقوع الكارثة في محطة فوكوشيما دايئتشي النووية للطاقة الكهربائية، رفعت الحكومة اليابانية أوامر الإجلاء في أربع بلديات حول المحطة مما سمح للسكان بالعودة إلى منازلهم للمرة الأولى منذ الانصهار النووي في المفاعل. ويدعو الكاتب، والذي شارك في عمليات التخطيط لإعادة الإعمار منذ إصدار أوامر الإجلاء لأول مرة، إلى خطة متعددة المسارات لتلبية الاحتياجات المعقدة لأولئك العائدين وهؤلاء الذين تم إجلائهم ممن لا يزالون يقيمون في مساكن الإيواء.

في الحادي والثلاثين من مارس/ آذار والأول من أبريل/ نيسان من ۲۰۱٧ رفعت الحكومة أوامر الإجلاء عن المناطق المحيطة بمحطة فوكوشيما دايئتشي للطاقة النووية والتي صدرت في أعقاب الحادث النووي الذي وقع في المحطة منذ أكثر من ست سنوات. وقد سمح القرار في النهاية لحوالي ٣۲ ألف من سكان البلديات الأربع المتضررة من الإشعاع وهي إييداتي، كاواماتا، ناميه، توميؤكا بالعودة إلى ديارهم. وبعد هذه الخطوة، فإن الأماكن الوحيدة التي لا تزال تخضع لأوامر الإجلاء هي فوتابا وأووكوما (حيث يوجد المفاعل دايئتشي) وأجزاء من خمسة بلدات وقرى مجاورة.

وأشادت وسائل الإعلام اليابانية على الصعيد العام بالقرار الخاص برفع أوامر الإجلاء على أنه ”نقطة فارقة كبيرة“ على الطريق تجاه سكان المناطق المتضررة من أجل إعادة بناء حياتهم. ولكن هذا الحدث المزمع قد يحتمل وجهتي نظر مختلفتين تماما. ففي كثير من وسائل الإعلام كان هناك شعور تفاؤلي بالعودة إلى الحياة الطبيعية، ناتج عن رؤية مفادها أن رفع أوامر الإجلاء كان بداية جديدة طال انتظارها فيما يتعلق بجهود إعادة الإعمار، وأن السكان سيكونون أخيرا قادرين على البدء في إعادة بناء مجتمعاتهم الحياتية. غير أن هناك رأي آخر أكثر انتقادية يعتبر ذلك مجرد علامة على بداية سلسلة جديدة من المشاكل. وبالنظر إلى التحديات التي تواجه السكان، أرى أن هذا التفسير الثاني هو الأقرب إلى الحقيقة.

وتدعم السلطات الوطنية والمحافظات المسؤولة عن النهوض بجهود إعادة الإعمار في فوكوشيما وجهة النظر المتفائلة، وتستند إلى السيناريو التالي:

۱ تعيين مناطق الإجلاء في المناطق المتضررة من الإشعاع، وتقديم الدعم المتمثل في المساكن المؤقتة والتعويضات للأشخاص الذين تم إجلاؤهم.

۲ تطھیر المناطق المتضررة.

٣ الاستعدادات لرفع أوامر الإجلاء أينما انخفضت مستويات الإشعاع.

٤ إعادة بناء البنية التحتية المحلية وإعادة إنشاء الخدمات المحلية وإعادة بناء المرافق الصحية والرعاية الاجتماعية ومتاجر التجزئة متى دعت الحاجة.

٥ رفع أوامر الإجلاء.

٦ عودة الأشخاص الذين تم إجلاؤهم إلى ديارهم.

وبالنسبة لآلاف الأشخاص الذين تم إجلاؤهم وأجبروا على العيش بعيدا عن ديارهم على مدار الأعوام الست المنقضية، فإن لديهم شعورا مختلفا تماما تجاه رفع أوامر الإجلاء. فبعض الناس سوف يقررون العودة إلى ديارهم في حين سيبقى آخرون أين هم. وبغض النظر عن قرارهم، يجب أن نواجه حقيقة أن التحديات الجديدة سوف تكون في انتظار كلا الطرفين.

إن العديد من هؤلاء الأكثر حرصا على العودة إلى ديارهم هم من كبار السن، ولكن الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية لا تزال بعيدة عن المستوى المرضي في العديد من المناطق. وهناك أيضا شكوك مستمرة بالنسبة لأفراد المجتمع الآخرين، مثل مستقبل الزراعة والحراجة والمزارع السمكية في المنطقة. فقد دمر الاقتصاد المحلي، ومع مشكلة التوظيف التي تلوح في الأفق والتي لا تزال أمر مبهم، فمن غير المؤكد ما إذا كان الناس قادرين على دعم أنفسهم أو حتى شراء ضروريات الحياة اليومية.

كما أن الوضع في محطة توليد الطاقة يظل محفوفاً بالمخاطر، ولا يزال يتعين القيام بالكثير من الأعمال. فمشكلة المياه المشعة لم تحل بعد، ويجب إيجاد مرافق للتخزين على المدى المتوسط لكميات هائلة من المواد الملوثة. ومع ذلك، فليس هناك حتى جدول زمني لتحديد وقت إنجاز هذه الأمور. وفي ظل مواجهة هذا الغموض، سيختار الكثير من السكان ببساطة البقاء أين هم بدلا من خطر العودة إلى ديارهم. ومن ناحية أخرى، فإن هذا القرار سيجلب حزمة مختلفة من المشاكل، لأن العديد من أنظمة الدعم التي وضعت لمساعدة من تم إجلاؤهم سوف تنقطع الآن حيث لا يوجد ما يمنعها من العودة.

وفي استطلاعات للرأي أجريت بين عامي ۲۰۱٤ و ۲۰۱٧ من قبل وزارة إعادة الإعمار وحكومة محافظة فوكوشيما والبلديات التي تم إجلاؤها فإن أكثر من نصف سكان أحياء فوتابا، ناميه، أووكوما وتوميؤكا قالوا بأنهم لم يخططوا للعودة إلى ديارهم بعد رفع أوامر الإجلاء. وفي مناطق أخرى حيث مر بالفعل أكثر من عام منذ إلغاء أوامر الإجلاء، يظل عدد السكان الذين عادوا يصل إلى ۲۰٪ أو أقل في كل المناطق باستثناء مدينة تامورا. هذه المؤشرات الجادة توضح المنحدر الصعب الذي يقبع في انتظار الأشخاص الذين تم إجلاؤهم ممن يرغبون في العودة إلى ديارهم.

تقييم الأوضاع على المناطق المتضررة

حقيقة أن السلطات رفعت أوامر الإجلاء على الرغم من وجود العديد من القضايا التي لا تزال معلقة يدل على تجاهل التحديات التي تواجه السكان. والآن أكثر من أي وقت مضى علينا أن ننظر في حالة عدم اليقين التي يواجهها السكان وأن نتأكد من التحديات المستقبلية.

وفي المناطق التي اعتبرت صالحة مرة أخرى للسكن البشري، لا تزال حاويات مرنة مليئة بالمواد الملوثة موجودة في أكوام في نقاط تخزين مؤقتة مختلفة، وذلك منذ أن بدأت عمليات التنظيف. في حين أن الخطة هي في نهاية المطاف نقل هذه المواد الملوثة إلى مرافق التخزين على المدى المتوسط، وأتساءل عما إذا كانت السلطات عند اتخاذ قرار لرفع أمر الإجلاء فهمت حقا القلق والتوتر والمخاوف التي تساور السكان الذين يجب أن يعيشوا حياتهم وسط هذه الجبال من المخلفات الملوثة.

حاويات تحتوي على تربة ملوثة في مخازن مؤقتة في انتظار عمليات فحص السلامة في مدينة مينامي سووما، محافظة فوكوشيما، في ۱۱ يونيو/ حزيران ۲۰۱٦. تصوير تسوتشيئي هيرونوري. (جريدة ماينيتشي/ أفلو)

تقع مدينة هيرونو على بعد ۲۲ كيلومترا من محطة فوكوشيما دايئتشي. وفي أعقاب الكارثة، تراجعت الخدمات الطبية المقدمة في المدينة إلى الجهود الوحيدة المبذولة من قبل رئيس المستشفى المحلي الدكتور تاكانو هيديو. بيد أن مستقبل المستشفى أصبح مبهم مع وفاة تاكانو في حريق في أواخر العام المنصرم. وقد قام ناكاياما يووجيرو أحد الأطباء بطوكيو بالمساعدة لفترة من الوقت، حيث أمضى شهرين في وقت سابق من هذا العام كطبيب مقيم بالمستشفى.

قام ناكاياما بكتابة مذكرات استنادا على تجربته، والتي نشرت في أبريل/ نيسان ۲۰۱٧ من خلال موقع Nikkei Business online بعنوان ”واقع فوكوشيما من وجهة نظر طبيب“. حيث يصف ناكاياما في رسالته المأساة المستمرة للكارثة ويناقش قضية وفاة العديد من الأشخاص بسبب الظروف الناجمة عن ضغوط الإقامة في أوضاع معيشية مؤقتة. ويشير إلى ثلاثة أسباب رئيسية لهذه الوفيات: الانفصال عن الأسرة وفقدان الحياة المجتمعية؛ وانقطاع العلاج الطبي المستمر؛ وتغير البيئة. وتظهر تجربة ناكاياما للأوضاع أن أعداد الضحايا الناجم عن الكارثة آخذ في الارتفاع بطريقة غير مباشرة.

التخلي عن حلم العودة للديار

ساساكي ياسوكو قبيل وفاتها، وهي تعمل على مجسم لمنزلها الذي فارقته في ناميه. الصورة التقطها الكاتب عام ۲۰۱٣.

ولا يزال الوضع أسوأ لهؤلاء الذين تخضع منازلهم لقرارت أوامر الإجلاء المستمرة. ساساكي ياسوكو، التي تم إجلاؤها من منزلها في بلدة ناميه، والتي قضت حياتها منذ الكارثة في إحدى المساكن المؤقتة في بلدة كوؤري كتبت في مذكراتها التي تحتوي على ٩۰ صفحة من حياتها بعد الإجلاء والتي أطلقت عليها Osoroshii hōshanō no sora no shita (تحت سماء مشعة مليئة بالخوف): ”أنا لا أريد أن أموت في مساكن مؤقتة. هذا كل ما أتمناه. الجميع يتحدث عن مواراة الأمور ووضع حد للكارثة، ولكني لا أريد تنتهي حياتي هكذا. ...منذ أن حلت الكارثة يبدو أن هناك شعارات في كل مكان أذهب إليه وأعرف أن المقصود الحفاظ على معنوياتنا مرتفعة. ولكن ماذا يمكنني أن أفعل أكثر مما فعلت؟ أتمنى أن يقول لي أحد ماذا عساي أن أفعل“.

التقيت ساساكي للمرة الأخيرة في ربيع عام ۲۰۱٣. كانت لا تزال تعيش في مساكن مؤقتة، وتعمل على إكمال مجسم لمنزلها في ناميه، محاولة يائسة لإعادة شيء من ذكريات مكان اعتقدت أنها لن تراه مجددا. وبعد حوالي شهر، علمت أنها قد أدخلت إلى المستشفى وتوفيت وهي في عمرها الرابع بعد الثمانين. كما سمعت أنه قبل دخولها المستشفى، قامت بتحطيم مجسمها إلى فتات.

كتاب مذكرات حياة ساساكي ياسوكو بعد انتقالها للسكن المؤقت.

كانت لدي العديد من الفرص الأخرى للتحدث مع الأشخاص الذين فقدوا منازلهم في المناطق التي أدرجت ضمن فئة ”مغلقة للسكن لأجل غير مسمى“. وقال لي العديد منهم إنه عندما حاولوا تنظيف منازلهم في إحدى زياراتهم القصيرة، وجدوها في حالة من الفوضى نتيجة لعمليات الاقتحام من قبل الخنازير وغيرها من الحيوانات البرية. طلب السكان من السلطات أن تفعل شيئا حيال ذلك، سائلين: ”ألا يمكنكم صيد الخنازير، أو على الأقل تعيين شخص ما لمنعهم من الدخول إلى بيوتنا؟“ ولكن لا يمكن إقناع أي جهة للقيام بأية أعمال نظرا لخوف الجميع الشديد من مستويات الإشعاع العالية.

وفي ظل مواجهة هذه الصعوبات والمذلات، فإن رغبة السكان في العودة إلى ديارهم تذبل رويدا رويدا. ويقولون إن الإشعاع نزع كل شيء من جذوره - التاريخ والثقافة والحياة الاجتماعية - ويتساءلون عما إذا كان أي مبلغ من التعويض يمكن أن يعوض مثل هذه الخسارة. فقد حُرموا من تراثهم المحلي، وما زال العديد من سكان المناطق المتضررة يرثون الأضرار الثقافية للكارثة.

الحاجة إلى دعم السكان

وتتصور السلطات سيناريو مبسطاً حيث تعتقد بأن رفع أوامر الإجلاء سيؤدي إلى عودة الجميع إلى ديارهم والعيش بسعادة أبدية. ولكن الحياة ليست بهذه البساطة، وهذا التصور لا يقدم حلولا لمشاكل كتلك المذكورة أعلاه. فبالإضافة إلى العمل على إعادة الإعمار واستعادة البنية التحتية الملموسة في المدن والقرى التي تم إجلاؤها، يتعين على السلطات العمل مع السكان لتطوير برامج تساعدهم على التعافي واستعادة حياتهم ووضعها على المسار الصحيح. ويجب أن تكون هذه البرامج ذات نظرة واقعية للمستقبل، وأن تنظر بعين حثيثة إلى آمال السكان أنفسهم.

ومنذ الأيام الأولى التي تلت الكارثة، كانت رسالة الحكومة الوطنية وشركة طوكيو للطاقة الكهربائية تيبكو، المشغل لمحطة دايئتشي، هي: ”اتركوا الأمر لنا“. وقد تمثل ذلك في موقفهم من إنشاء جهود دعم للمُرحلين في مساكن مؤقتة، ووضع معايير السلامة الإشعاعية، وأعمال التنظيف، والمفاوضات المتعلقة بالتعويضات، ودعم سبل العيش، وخطط إعادة الإعمار. وقد تم التعامل مع كل شيء بطريقة عشوائية، مما أدى إلى سوء فهم وقلق وفتح ثغرات بين السلطات وتلك التي يفترض أنها تحاول المساعدة. فبالنسبة للسكان كل هذه الإجراءات ترتبط ارتباطا وثيقا. ولا توجد حتى الآن أية آلية لبناء توافق في الآراء وسد الفجوة التي شُكلت بين السلطات والسكان الذين ينبغي أن يؤدوا دورا قياديا في إعادة بناء مجتمعاتهم. وفي ظل هذا السياق تم رفع أوامر الإجلاء.

وينبغي أن تعطي السلطات أولوية لوضع تصور أكثر جدية يعكس على نحو أفضل ما يحدث على أرض الواقع. وينبغي لهذه الخطة المزدوجة المتعددة المحاور أن توازن بين برامج إعادة بناء المجتمعات المحلية ودعم حياة العائدين إلى ديارهم بجانب توفير المساعدة لهولاء الذين تم إجلاؤهم ممن اختاروا البقاء أين هم. وهناك فكرة تستحق النظر إليها وهي برنامج يسمح للأشخاص الذين تم إجلاؤهم بتقسيم حياتهم بين منطقتين لفترة انتقالية، مما يتيح لهم الوقت لإعادة بناء بلداتهم مع الاستمرار في الإقامة في منازلهم ”المؤقتة“. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق توفير المساكن في بلدهم التي يمكن أن يعيش فيها الأشخاص الذين تم إجلاؤهم بشكل مؤقت أثناء عملهم على إعادة بناء مجتمعاتهم وإصلاح منازلهم المتضررة والمهملة.

(النص الأصلي نشر باللغة اليابانية في ٩ مايو/ أيار ۲۰۱٧. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: مصور يلتقط صور لأشجار الساكورا في مدينة توميؤكا بمحافظة فوكوشيما، في ۱۲ أبريل/ نيسان ۲۰۱٧. منطقة أشجار الساكورا الممتدة على طول ۲.۲ كم مغلقة بالحواجز داخل إحدى المناطق المفروض عليها أوامر الإجلاء. في الربيع الماضي تم افتتاح أول ٣۰۰ متر من الطريق أمام الجمهور خلال النهار، وأصبحت المنطقة الآن تصنف ضمن فئة ”منطقة مغلقة أمام السكن مؤقتا“. جيجي برس.)

فوكوشيما زلزال شرق اليابان الكبير