كيف يمكن توظيف الإنترنت لمنع وقوع حوادث الانتحار في اليابان؟

سويكي هاجيمي [نبذة عن الكاتب]

[03/01/2018] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | FRANÇAIS | ESPAÑOL | Русский |

تم اكتشاف حادثة قتل متسلسلة قام بها القاتل عن طريق دعوة النساء اللواتي يرغبن بالانتحار من خلال تويتر، وقام بقتلهن واحدة تلو الأخرى. هناك أصوات تطالب بتقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن يشير الكاتب الذي يقوم بأبحاث تطبيقية حول طرق منع وقوع الانتحار إلى أنه يجب التفكير بطرق توظيف الإنترنت بشكل فعال لمنع وقوع الانتحار.

صدمة جرائم القتل المتسلسلة في مدينة زاما

في هذا الوقت، هناك اهتمام اجتماعي بالعلاقة بين استخدام الإنترنت والانتحار. وذلك نتيجة لحوادث القتل التي تم اكتشافها في مدينة زاما في محافظة كاناغاوا في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2017. وحتى وقت كتابة هذه السطور، لم يتم الكشف عن الخلفية الكاملة للحادثة بعد، ولكن نشرت وسائل الإعلام أخبارا حول وقوع جريمة قتل 9 ضحايا وترك جثثهم كما هي في فترة قصيرة بين شهري أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول. وبالإضافة إلى العدد الكبير من الضحايا، فإن الطريقة التي تواصل بها المتهم مع ضحاياه صدمت عامة الناس بشكل كبير. حيث قام المتهم بالبحث عن النساء اللواتي لديهن ”التفكير بالانتحار“ (يرغبن ”بالانتحار“ أو ”بالموت“) عن طريق تويتر والذي يعتبر من وسائل التواصل الاجتماعي، وكان يقوم بدعوة الضحايا إلى منزله بشرط مساعدتهن على الانتحار.

وعلى الرغم من أن الكاتب تعرض لصدمة كبيرة عند سماعه لخبر الحادث وذلك لكثرة عدد الضحايا، إلا أنه لم يتفاجأ بطريقة دعوة الضحايا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي. ففي الأساس إن قيام الأشخاص الذين يعبرون عن رغبتهم بالانتحار في الإنترنت بالتعرض لحادثة ما بحد ذاته هو أمر يحدث بشكل مستمر على الرغم من أن حدوثه أقل تواترا. وبالطبع، لم يكن هناك أي تدخل لوسائل التواصل الاجتماعي قبل انتشار استخدامها إلى هذه الحد. ولكن، كان هناك حوادث قتل في الماضي قام القاتل فيها بدعوة الضحية من خلال نوع من مواقع الإنترنت تُسمى ”مواقع الانتحار“ كالتدوينات وغيرها. وقبل أي شيء، فإن رسالة الدكتوراه التي قام الكاتب بكتابتها (ونشرها ككتاب بعد ذلك تحت عنوان ”هل يمنع الإنترنت وقوع الانتحار؟“) تمت كتابتها من خلال جمع آراء مستخدمي الإنترنت الذين تعرف عليهم عن طريق التدوينات ومواقع التواصل الاجتماعي

التي تتطرق في مواضيعها إلى الانتحار. وعند القيام بذلك البحث أيضا، تحدث الكثير من مستخدمي مواقع الانتحار بشكل مفصل إلى الكاتب الذي كان طالب دراسات عليا يقوم ببحث حول الانتحار.

 توفير بيئة إنترنت تُمكن من ”التواصل“ مع الأشخاص الأخيار

بعد تلقي الحكومة خبر حادثة القتل المتسلسلة في مدينة زاما، ذكرت بأنه سيتم اتخاذ إجراءات لمنع تكرارها. إذن فما هي التدابير التي يمكن اتخاذها؟ أود أن ألخص ذلك من خلال أبحاث وخبرة الكاتب حتى الآن. عند حدوث مثل تلك الحوادث على شبكة الإنترنت فإن أول ما يُنادى به كإجراء وقائي هو تقييد الاستخدام. ولكن من المستحيل تقييد كافة أنواع التعليقات أو المعلومات المتعلقة بالانتحار في الإنترنت (أو في مواقع التواصل الاجتماعي)، وحتى لو كان ذلك ممكنا فسيكون إجراء من الصعب أن نقول بأنه إجراء بناء. والأشخاص الذين يغردون على تويتر ”أرغب بالموت“ ”أرغب بالانتحار“ يكونون في حالة يُجبرون فيها على القيام بذلك. وحتى لو تم حذف التغريدة، فهذا لا يعني أن الشعور بالألم لدى أولئك الأشخاص قد زال. وإذا كان سيتم تقييد الاستخدام فإنه من الأفضل القيام بذلك بشكل يمنع الجاني من التواصل مع الضحايا، ولكن من الصعب الاعتراف بالضرر حتى تقع الحادثة بشكل فعلي.

يعتقد أن الخط الأساسي للإجراءات التي من الممكن اتخاذها هو القيام بتصميم بيئة وسائل الإعلام كتويتر ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى بشكل يُمكن الأشخاص الذين يغردون ”أرغب بالموت“ ”أرغب بالانتحار“ من التواصل مع الأشخاص الأخيار أكثر من التواصل مع الأشخاص الأشرار. وتختلف تفاصيل هذا التصميم باختلاف الخصائص التي تمتلكها كل وسيلة من وسائل الإعلام، ولا يوجد سياسة واضحة من الممكن تطبيقها على جميع تلك الوسائل.

وكمرجع أرغب بالتعريف بنشاط ”يوماواري (دورية ليلية) 2.0“ والذي تقوم به المنظمة غير الربحية ” “ OVAالتي يرتبط الكاتب بعلاقة معها. ففي هذا النشاط، عند القيام بالبحث عن الكلمات ذات العلاقة بالانتحار في غوغل أدووردز (Google AdWords=محرك بحث، وخدمة لنشر الإعلانات المبوبة ذات الصلة بنتيجة البحث في غوغل) يظهر إعلان مبوب له علاقة بنتيجة البحث يخبرك بأنه من الممكن استقبال الاستشارات المجانية عن طريق البريد الإلكتروني. وعند إرسال بريد إلكتروني من الشخص الذي يرغب بالحصول على الاستشارة، يتم وصله بمنظمات الدعم التي من الممكن له الحصول على الدعم من خلال المقابلة معها (مثلاً مستشفى أمراض نفسية)، وحسب خطورة درجة الانتحار والمشاكل التي يعاني منها، والقيام بحمايته من خلال البقاء على تواصل معه عن طريق البريد الإلكتروني. وبهذه الطريقة من الممكن تقليل احتمال وصول مستخدم الانترنت الذي كان يبحث عن معلومات تتعلق بطريقة الانتحار إلى تلك المعلومات الضارة، وفِي نفس الوقت تزداد إمكانية وصله بالداعمين.

ولكن كما قلت سابقا فإن هذه الطريقة ليست طريقة متكاملة قابلة للتطبيق على جميع وسائل الإعلام. ولكن من خلال توظيف خصائص كل وسيلة من وسائل الإعلام، يصبح من الممكن القيام بإجراءات أفضل. وخصوصا وسائل التواصل الاجتماعي التي تتميز بقدرتها على تحديد مستخدمي الإنترنت الذين يتعرضون لخطر القيام بالانتحار. وفِي الواقع، ووفقا لأبحاث الكاتب، تبين أن خطر قيام الأشخاص الذين يغردون في تويتر ”أرغب بالموت“ أو ”أرغب بالانتحار“ بالانتحار أكبر من خطر قيام من لا يقومون بذلك بالانتحار. فعلى سبيل المثال، من خلال اتخاذ إجراءات كالقيام بعرض إعلانات مبوّبة من أجل دعم الأشخاص الذين تبين في تويتر أن خطر قيامهم بالانتحار مرتفع، ربما يكون هناك إمكانية للتدخل بطريقة ما قبل وصول الأيدي الخبيثة إليهم، ومنع وقوع مثل هذه الحادثة التي وقعت في هذه المرة.

الحاجة إلى استثمارات مالية حكومية لا مفر منها لتعزيز الإجراءات

المشكلة هي من سيقوم بإخراج المال لدعم أولئك المعرضين لخطر الانتحار المرتفع؟ وإجراءات منع وقوع الانتحار هي مجال لا يمكن أن يقف على قدميه دون الدعم الحكومي. وذلك بسبب أن منع الانتحار في حد ذاته ليس عملا تجاريا. فعند وقوع مثل هذه الحوادث بسبب الإنترنت، فإن الناس يميلون إلى القول إن شبكة الإنترنت سيئة، ولكن هذه المشكلة ليست مشكلة شركة تويتر لوحدها. فشركة تويتر ربما تكون قادرة على إجراء تحسينات على تصميمها لجعل بيئة وسائل الإعلام أفضل، ولكن هذا لا يعني أنها قادرة على حماية جميع الناس الذين يعانون من خطر الانتحار.

عندما يحدث أمر مثير للاهتمام كهذه المرة، سترتفع أصوات العامة التي تنادي بأهمية الإجراءات الوقائية. ولكن المقدرة على تعزيز الإجراءات من عدمه تعتمد على وعي المواطنين ككل بكيفية إدارة هذا الخطر (ونادرا ما يحدث ذلك). وإذا قلنا أكثر من ذلك، فإن الأمر يتعلق بكيفية تفكيرنا في أولوية استخدام الضرائب. وللأسف، هناك ميل قوي إلى عدم الموافقة على استخدام الأموال من أجل منع الموت الناتج عن الانتحار، على الرغم من الموافقة على استخدام أموال الضرائب لمنع الوفيات الناتجة عن الظواهر الأخرى كحوادث المرور وغيرها. وطالما أن وعي المواطنين لم يتغير، فإن هذه الحوادث ستحدث مرارا وتكرارا من دون أي تغيير.

يجب التوقف عن التعامل مع الحوادث كمواد “استهلاكية”

وفي النهاية، سنشير إلى الحالات التي يُعتقد أنه يوجد تقدم في منع وقوع الانتحار بسبب التغير في وعي المجتمع ككل. وهي طريقة وسائل الإعلام حول التعاطي مع أخبار الانتحار. فعندما يتم الإبلاغ عن انتحار المشاهير مثل الفنانين والسياسيين على نطاق واسع في وسائل الإعلام، يزداد عدد المنتحرين بعد ذلك بفترة قليلة. وهذه الظاهرة تُعرف باسم ”تأثير ويرثير“، وتم التأكد أنها تحدث في جميع أنحاء العالم. وحتى في اليابان، زاد انتحار الشباب بعد انتحار أوكادا يوكيكو المشهورة في الثمانينيات من القرن الماضي. ويمكن مشاهدة حالة التغطية التلفزيونية في ذلك الوقت أيضا في يوتيوب وما إلى ذلك. حيث من الممكن مشاهدة المراسلين الفنيين وهم يقومون بتصوير مكان الانتحار وصور الجثة المغطاة بغطاء أزرق إلى جانب الموسيقى المذهلة. وهذه الصور كلها مليئة بالأمور التي تنتهك كتيب منظمة الصحة العالمية ”منع الانتحار: إرشادات للإعلاميين“.

وبعد ثلاثين عاما، يكاد يكون من المستحيل على وسائط الإعلام الجماهيري في اليابان تقديم مثل هذه التقارير. وبطبيعة الحال، لم يتم رفض طريقة تعاطي الصحافة التي تنتهك المبادئ التوجيهية المذكورة أعلاه تماما بعد، ولكن يمكن القول أن وضع التقارير قد تحسن بشكل ملحوظ. وقد يكون ذلك بسبب زخم الحاجة إلى الامتثال للمبادئ التوجيهية من جانب وسائل الإعلام، ولكن يعتقد أنه نتيجة لقول المشاهدين ”لا“ لكيفية تقديم هذه المعلومات. ومن جانب وسائل الإعلام التي توفر المعلومات، هناك دائما إغراءات للقيام بتغطية مثيرة وكسب الأرقام (رفع أعداد المشاهدين وعدد قراء الصحف). ولا يوجد سوى المشاهدين والمواطنين من يقوم بمراقبة مثل تلك الإغراءات.

تتطلب التغييرات بعض الوقت، ولكن إذا تغير الوعي العام، ستتغير وسائل الإعلام وستتغير السياسات. وإذا ارتفع الوعي برفض مشغلي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يتجاهلون خطر المستخدمين، فإن مشغلي وسائل التواصل الاجتماعي سوف يضطرون لتحسين الخدمة. وعلى العكس من ذلك، إذا لم يرتفع هذا الوعي، فإن الوضع لن يتحسن. وإجراءات منع الانتحار أيضا متشابهة. وفي اليابان التي تعاني من مشاكل في التركيبة السكانية، هناك مشاكل كثيرة يجب معالجتها. من بينها، كيفية التفكير في أولوية مشكلة الانتحار. فهل سيتم هذه المرة استهلاك حوادث القتل المستمرة في زاما بصفتها مادة تواصل مثيرة للاهتمام؟ الأمر يعتمد على هذا الشيء.

(النص الأصلي باللغة اليابانية. صورة العنوان: شرطي يقف أمام الشقة التي تم العثور على جثث 9 أشخاص فيها في مدينة زاما في محافظة كاناغاوا، 31/10/2017، جيجي برس)

كلمات مفتاحية:
  • [03/01/2018]

أستاذ مساعد في كلية الدراسات الإنسانية المعاصرة في جامعة واكو. ولد في عام 1983. حصل على درجة الدكتوراه في التربية والتعليم باختصاص علم النفس السريري من قسم أبحاث التربية والتعليم في كلية الدراسات العليا في جامعة طوكيو. أخصائي علم نفس سريري. التحق بعمله الحالي منذ عام 2016 بعد العمل كمدرس في كلية الدراسات الإنسانية المعاصرة في جامعة واكو. يقوم بأبحاث تتعلق بالانتحار وطرق منع وقوعه باستخدام وسائل الإعلام (وخصوصا الإنترنت) ومن منظور القيمة الاقتصادية. من مؤلفاته ”هل يمنع الإنترنت وقوع الانتحار؟“ (منشورات جامعة طوكيو، عام 2013)، و”المعرفة الأساسية لمنع وقوع الانتحار“ (نشر دار ديزاين إغ، عام 2013).

مقالات ذات صلة
أحدث المقالات

مقالات ذات صلة

المقالات الأكثر تصفحا

منوعات جميع المقالات

فيديوهات مختارة

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)