كيف يمكن إعادة دمج الياكوزا السابقين في المجتمع الياباني؟

ثقافة

بينما تحتفي وكالات تطبيق القانون بتراجع الانتساب إلى جماعات الجريمة المنظمة في اليابان، يحذر عالم الاجتماع هيروسوي نوبورو من أن القوانين والمواقف الحالية تقود أعضاء الياكوزا السابقين إلى مزيد من الانغماس في عالم الجريمة. كما يدعو المجتمعات لابتكار مسارات لإعادة الاندماج في المجتمع.

انخفضت نسبة الانتساب إلى العصابات المصنفة في اليابان كجماعات جريمة منظمة ’’بوريوكودان‘‘ بشكل حاد. فقد كان إجمالي عدد الأفراد المنخرطين بشكل كامل في جميع العصابات المصنفة والبالغة 22 حتى نهاية عام 2016 طبقا لإحصاءات وكالة الشرطة الوطنية 18100 عضو. وهو ما يشكل تراجعاً بنحو 10% عن العام الماضي ولأول مرة منذ أن بدأت الحكومة اليابانية بتسجيل هذه البيانات في عام 1958، يتراجع فيها عدد الأعضاء الرسميين الياكوزا أو ’’المافيا اليابانية‘‘ إلى ما دون 20 ألفا.

وقد بدأ هذا التراجع الحاد في عام 2010، عندما بدأت المحافظات في كافة أرجاء اليابان بسنّ ’’قوانين محلية لاستبعاد الياكوزا‘‘. ومن شأن هذه القوانين قطع مصادر الدخل الرئيسية لها من خلال حظر المواطنين العاديين والشركات من القيام بأعمال مع أعضاء جماعات الجريمة المنظمة. وعلى الرغم من أن تلك القوانين المحلية تفتقر إلى صفة القانون الوطني، إلا أنه كان لها الكثير من ذات التأثير الذي ستحدثه لو أنها فرضت على جميع الأراضي اليابانية. ومنذ تبني هذه القوانين على الصعيد الوطني، ازدادت صعوبة كسب لقمة العيش للأفراد المنتمين لجماعات الجريمة المنظمة.

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان أعضاء الياكوزا السابقين الذين يتزايد عددهم يندمجون مجدداً مع السواد الأعظم في المجتمع أم أنهم ببساطة يُدفعون دفعاً نحو مزيد من الانغماس في عالم الجريمة.

عقوبات صارمة

في بداية عام 2014، أجريت دراسة لمدة عام على أشخاص كانوا قد تخلوا فيما سبق عن عضويتهم في جماعات الجريمة المنظمة. فقد أجريت مقابلات مع 11 عضوا سابقاً في الياكوزا من غربي اليابان متواجدين في بيئات غير السجن، وذلك بغية معرفة سبب وكيفية انشقاقهم عن جماعاتهم.

كانت أكثر العوامل المحفزة لقرارهم والتي أوردوها في إجاباتهم هي رزقتهم بطفل والخوف من دخول السجن (لأن ذلك سيحرمهم من رؤية طفلهم بطبيعة الحال) والفرصة التي تتاح عند رحيل رؤساء تلك العصابات. كما أشاروا إلى أن جماعات الياكوزا لم تعد تفرض العقوبات التقليدية المستوجبة جراء الانشقاق عنها.

ولكن التفسير الرئيسي الذي ساقه معظمهم بشأن سبب تراجع عدد أعضاء الياكوزا منذ سنّ قوانين الاستبعاد هو ازدياد الصعوبة على أعضاء العصابات لدعم أنفسهم مادياً كأفراد ناهيك عن عائلاتهم. في عام 1991 مُرر قانون منع الأعمال الظالمة من قبل أعضاء جماعات الجريمة المنظمة والذي أسس أرضية العمل لهذا التطور من خلال وضع حواجز قانونية تبعد الياكوزا عن بقية المجتمع. عززت مراسيم الاستبعاد هذه الحواجز على المستوى المحلي، ما أدى إلى وقف حتى مصادر الدخل الشرعية. وأن ترتبط بجماعة جريمة منظمة يابانية في الوقت الحالي يعني حرمان الفرد من حق دستوري في ’’الحفاظ على الحد الأدنى من معايير الحياة الصحية والمتحضرة‘‘. وبإمكان المرء تفهم لماذا أن إنجاب طفل سيحرض الناس على الانشقاق في ظل هذه الظروف. فالعقوبات الاقتصادية المفروضة بموجب القانون الحالي لا تؤثر على رجال العصابات أنفسهم فحسب وإنما عائلاتهم أيضا. وليس من المستغرب أن يتراجع الانتساب إلى هذه المنظمات.

ولكن ما الذي يحدث لأفراد الياكوزا السابقين؟ هل يتحولون إلى مواطنين منتجين ملتزمين بالقوانين؟ لسوء الحظ، هذا لا يحدث إلا في حالات نادرة.

تمييز مستشري

في السنوات السبع التي سبقت سريان مفعول قوانين استبعاد الياكوزا في جميع المحافظات البالغ عددها  محافظة47، انشق رسميا نحو 4170 عضو من جماعات الجريمة المنظمة في أرجاء البلاد (نحو 600 عضو سنويا) من منظماتهم، وذلك طبقاً لإحصائيات وكالة الشرطة الوطنية. ومن بين هؤلاء المنشقين عن العصابات، 90 فردا فقط أو 2% حصلوا على وظائف قانونية. ولا يمكن للمرء إلا أن يتساءل ماذا عن الـ98% الآخرين. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد معلومات تشير ما إذا كان الـ90 عضوا المنشقين الذين وجدوا أعمالاً قد استطاعوا الحفاظ عليها.

بالنسبة لأعضاء الياكوزا السابقين فإن العقبات التي تحول دون إعادة اندماجهم في المجتمع هائلة. وتتمثل إحدى العوائق الرئيسية في ثقافة الشركات اليابانية. فمن بين الشركات القليلة التي استجابت لاستبيان أجرته مدينة كيتاكيوشو (فقط 40% من إجمالي الشركات التي أرسل إليها الاستبيان)، أشارت 80% من الشركات إلى أنها لا ترغب في توظيف أعضاء ياكوزا سابقين. أما رجال العصابات السابقين الذين تمكنوا من الحصول على وظيفة فإنهم يجدون أنفسهم منبوذين ويعانون من التمييز في أماكن عملهم.

وقد اطلعت على الكثير من القصص عن مثل هذه المعاملة. فقد عانى أعضاء ياكوزا سابقون أجريت معهم مقابلات في كتابي الأخير ’’ياكوزا تو كايغو-بوريوكودان ريداتسوشيا-تاتشي نو كينكيو (الياكوزا والرعاية التمريضية: قصة منشقين عن جماعات الجريمة المنظمة)‘‘ من تهديدات من زملائهم المتدربين خلال فترة التدريب، ومن اتهامات بسرقة أدوية من أماكن العمل وإهانات أخرى. وفصلت قصة نشرت في 27 ديسمبر/كانون الأول من عام 2016 في صحيفة نيشينيبون شيمبون معاناة عضو سابق في الياكوزا في التأقلم مع عمله في شركة مقاولات أنظمة كهربائية والتي استطاع الحصول على عمل فيها من خلال وساطة من أحد أصدقائه. وقد تم الاشتباه به هو أيضا بالسرقة وكان عرضة للإساءات اللفظية من زملائه في العمل الذين كانوا ينعتونه بـ’’القذر‘‘ ويتذمرون من العمل جنبا إلى جنب مع مجرم. وبعد تعرضه لمثل هذه المعاملة على مدى 3 سنوات، قام في نهاية المطاف بلكم مشرفه وترك العمل. ولم تكن هذه بأي حال من الأحوال حالات معزولة. فالتمييز والنبذ في أماكن العمل تشكل عقبة خطيرة أمام أعضاء العصابات السابقين في إعادة الاندماج بالمجتمع.

الحرمان الاجتماعي

كما تكمن العقبة الرئيسية الأخرى أمام إعادة الاندماج في المجتمع في حقيقة أن بنود مراسيم الاستبعاد المحلية تقيد بشكل شديد الحقوق الاجتماعية لأعضاء العصابات السابقين لفترة زمنية طويلة – عادة 5 سنوات – منذ مغادرتهم العصابات. ويطلق على هذه البنود ’’الشروط الخمسية‘‘. وخلال فترة المراقبة تلك، يعامل أعضاء الياكوزا على أنهم مشاركين لجماعات الجريمة المنظمة ويحرمون من فتح حسابات بنكية أو استئجار عقارات بأسمائهم، كما لو أنهم أعضاء عصابات نشطون. وعلى المدى القصير، يمكن التغلب على هذه القيود من خلال تزوير طلبات الشخص. ولكن في ضوء ممارسات التوظيف المتبعة في الشركات اليابانية، فإن هذه الشروط الخمسية تمثل عقبة ضخمة أمام إعادة الاندماج.

في عام 2016، قادت محافظة فوكوؤكا اتفاقية بين مجموعة مؤلفة من 14 محافظة إقليمية بشأن حزمة تدابير سياسية لدعم عملية إعادة الاندماج في المجتمع لأعضاء الياكوزا السابقين، تتضمن دفع إعانات للشركات التي توظفهم. وهذه التدابير تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح ولكنها ليست كافية. ويجب أن تدعم بحملة كاسحة لتغيير السلوكيات الاجتماعية وإعادة دراسة الشروط الخمسية، أو على الأقل الطريقة التي تطبق بها.

أما المشكلة الأخيرة فتتمثل في التعريف الفضفاض للغاية لعملية إعادة الاندماج في المجتمع السائد حالياً في اليابان. ويبدو أن الشرطة والسلطات الإدارية الأخرى تعتبر أن المنشق عن العصابات قد نجح في إعادة التأهيل بمجرد أن يعثر على وظيفة قانونية. ولكن السؤال الأكثر الأهمية هو بالتأكيد ما إذا كان المنشق قادراً على الحفاظ على عمله أم لا. وفي هذا الشأن فقد أجرى المعهد الوطني للعلوم السياسية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين دراسات متابعة مستفيضة لتعقب إعادة الاندماج في المتجمع لفترة طويلة لأعضاء ياكوزا سابقين. وخلصت دراسة أجريت في عام 1974 إلى أن منشقاً من بين ثلاثة منشقين قد اندمج بنجاح مع السواد الأعظم من المجتمع. ولكن جاءت هذه الدارسة في وقت كانت المجتمعات فيه متقبلة نسبيا لهم. ولكن لسوء الحظ، لم يتم إجراء أي دراسة مماثلة في السنوات الأخيرة.

ولكن من الذي يجب أن يقرر ما إذا كان شخص ما قد اندمج مجددا في المجتمع، وما هي المعايير التي يجب أن يتبعوها؟ لدي تحفظ جدي بشأن ترك هذا الحكم للمسؤولين الحكوميين. وعلى اعتبار أن الوعي العام بمشكلة أعضاء الياكوزا السابقين آخذ في التنامي حاليا، فقد حان الوقت للباحثين والمنظمات الخاصة وأفراد المجتمع للانخراط في نقاش أعمق وأوسع بشأن التحديات التي تعترض طريق إعادة اندماج الياكوزا.

ابتكار مسارات لإعادة الاندماج

فكما رأينا فإن التشريع القومي ومراسيم الاستبعاد المحلية بالمشاركة مع عوامل اجتماعية وثقافية متنوعة قد شددت الخناق على أعضاء الياكوزا السابقين والحاليين على حد سواء، ما أدى إلى تقييد حقوقهم الاجتماعية بشكل شديد وهو ما أثر بعمق على عائلاتهم أيضا.

أثار البرلماني ماتايتشي سيئيجي في عام 2012 بعض الأسئلة المهمة فيما يخص حقوق أعضاء الياكوزا السابقين والحاليين في بيان مكتوب قدمه إلى مجلس الشيوخ (المستشارين) خلال مداولات بشأن تشريع جديد يستهدف الجريمة المنظمة. فقد تساءل ما إذا كان التشريع – عند ضمه إلى مراسيم الاستبعاد – لن يستبعد من الناحية الفعلية العصابات وأفرادها من جميع مجالات المجتمع الطبيعي ويحشر تلك الجماعات والأفراد في الزاوية ما سيؤدي إلى تفاقم الجريمة؟ ودعا إلى ابتكار ’’مسارات تمكن (أعضاء الياكوزا السابقين) من ممارسة حياة طبيعية كمواطنين‘‘ بمساعدة ’’برامج معدة بعناية، من بينها تقديم المشورة وتدابير التوظيف‘‘.

ولكن لسوء الحظ لا توجد أي من هذه المسارات لإعادة الاندماج حاليا. فتقبل المجتمع غير ممكن لمعظم الذين تخلوا عن عضويتهم في جماعات الجريمة المنظمة. ونتيجة لذلك لا يملكون خيارا سوى الالتجاء إلى أنشطة غير قانونية للبقاء على قيد الحياة. وقد شهدت هذا بأمي عيني خلال دراسة عن أعضاء ياكوزا سابقين. فهم يدعمون أنفسهم بعد رفض السواد الأعظم من المجتمع لهم عن طريق مثل هذه الأنشطة الإجرامية كبيع المخدرات والابتزاز والسطو والسرقة والاحتيال. وكما تنبأ البرلماني ماتايتشي، فإن النبذ والاستبعاد الاجتماعيين يقودان أعضاء الياكوزا السابقين لليأس وهو ما يؤدي إلى تفاقم الجرائم.

وأعضاء الياكوزا السابقين الذين يعودون إلى الجريمة بعد أن يطردهم السواد الأعظم في المجتمع هم خارجون عن القانون بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ففي الماضي، ربما كانوا يبيعون منشط الميثامفيتامين وغيره من المخدرات، ولكنهم على الأقل كانوا ملتزمين بقواعد الياكوزا الداخلية التي تحظر عليهم البيع للقصّر. ولكنهم حالياً لا ينصاعون للقانون أو لقواعد مجتمع الياكوزا، وهو ما يجعلهم خطرين على نحو خاص.

وتؤكد نتائج دراسات المعهد الوطني للعلوم السياسية التي أجريت في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين اعتقادي بأن الاحتواء المجتمعي وليس الاستبعاد هو السبيل الأمثل لمحاربة الجريمة من قبل أعضاء الياكوزا السابقين والحاليين. لا يوجد شك في أن المناخ الحالي يؤيد المنهج المتشدد الغير متسامح لمراسيم استبعاد الياكوزا المحلية. ولكننا بحاجة إلى إدراك أن تلك السياسات المتشددة ستولد طبقة متنامية من الخارجين عن القانون ما لم تستكمل بمسارات الاحتواء وإعادة الدمج في المجتمع المحلي.

ومن أجل رسم سياسة متوازنة وفعالة تجمع بين العصى والجزرة، فإننا بحاجة إلى توحيد معرفتنا من خلال مشاركة نماذج ناجحة عن إعادة الاندماج في المجتمع. وبالقول ’’نحن‘‘ فأنا لا أعني المسؤولين الحكوميين فحسب وإنما الشركات وأفراد المجتمع المحلي. وما لم نتمكن من إيجاد مكان للمنشقين عن العصابات وآخرين يرغبون في بدء حياة جديدة، فإننا سنجد صعوبة متزايدة في الحفاظ على مجتمع آمن ينصاع للقانون.

(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية في 4 ديسمبر/كانون الأول 2017. الترجمة من الإنكليزية. حقوق النشر لصورة العنوان ليوشي/بيكستا)

جريمة ياكوزا