قانون مدني عفا عليه الزمن ومعاناة لا تنتهي في اليابان

نينومييا شوهيي [نبذة عن الكاتب]

[13/03/2018] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | FRANÇAIS | ESPAÑOL | Русский |

تسبب نظام التسجيل العائلي في اليابان والقوانين البالية المنظمة للعلاقات الأسرية في مشكلة المواطنين الذين لا يملكون سجلاً عائلياً وبالتالي هم غير قادرين على المشاركة في المجتمع وممارسة حقوقهم الأساسية. يناقش كاتب المقال كيف أن الحل يكمن في إجراء إصلاح أساسي لأن نظام اليابان لا ينسجم مع دستور البلاد ومع الأعراف الدولية.

تمر على الإنسان في حياته أوقات حرجة يحتاج فيها أن يقدم وثيقة أساسية تثبت هويته وتاريخ ميلاده وجنسيته وأسماء والديه وذلك بهدف الحصول على جواز سفر أو وثيقة زواج أو المطالبة بميراث على سبيل المثال. ويتم إصدار شهادة ميلاد لكل فرد في الدول الغربية يمكن استخدامها لمثل هذه الأغراض. أما في اليابان فهذه الخاصية منوطة بالسجل العائلي ويعرف باليابانية باسم ’’كوسيكي‘‘. وأولئك الذين وجدوا أنفسهم بدون سجل عائلي بدون أي ذنب لهم، هم من حيث الجوهر محرومون من حقوقهم كمواطنين يابانيين. وسأناقش أدناه هذه القضية الاجتماعية وأبحث في جذورها وأصلها في القانون المدني الياباني الذي عفا عليه الزمن.

نظام السجل العائلي البالي في اليابان

بموجب نظام التسجيل العائلي، يتعين على الإدارات المحلية الحفاظ على سجلات لكل أسرة يابانية تسكن ضمن دائرة اختصاصها، ويتعين على كل أسرة أن تبلّغ عن حالات الميلاد والوفاة والزواج وغيرها من التغييرات في تركيب العائلة.

يقتصر نظام التسجيل العائلي على المواطنين اليابانيين (حالات الزواج من غير اليابانيين تسجل على شكل تدوينات هامشية وليس رسمياً). وهذا يعني أن أي شخص يمتلك مثل هذا السجل يمكنه بسهولة أن يثبت نسبه الياباني وبالتالي يكون مخولا لجميع الحقوق التي يتمتع بها المواطن الياباني. وبالمعنى الدقيق، فإن تسجيل نظام التسجيل العائلي ليس شرطا للمواطنة، فأي شخص ولد في اليابان لأبوين أحدهما ياباني يمكنه المطالبة بالجنسية اليابانية. وبالتالي، فإن تقديم دليل على النسب يمكن أن يكون في غاية الصعوبة إذا لم يكن مدوناً على السجل العائلي لأحد والديه.

وخلاصة القول إنه في اليابان بدون الحصول على دليل على التسجيل، سواء أكان نسخة مصدقة وكاملة من سجل العائلة أو حتى نسخة جزئية ’’موجز‘‘ رسمية عنه، لا يستطيع المرء استخراج جواز سفر بغرض السفر للخارج مثلاً أو لتوثيق الزواج قانونياً أو المطالبة بحقوقه القانونية كوريث. ومن حيث المضمون، يصبح الشخص محروماً من حقوقه كمواطن.

والوحدة الأساسية في التسجيل في هذا النظام ليس الفرد وإنما الأسرة البيولوجية، حيث تسجل كل عائلة تحت كنية واحدة. وبموجب القانون الياباني، يتعين على الزوج والزوجة استخدام نفس الكنية، وفي 96% من الحالات، تكون كنية الزوج. وبالتالي فإن نظام التسجيل العائلي من الناحية العملية هو السجل العائلي للزوج مضافا إليه الزوجة والأولاد باعتبارهم أفراد الأسرة. ويكرس هذا النظام مفهوما عن الأسرة ضيقا عفا عليه الزمن، وساهم بشكل كبير في بروز مشكلة عدم تسجيل بعض المواطنين.

ولادة قضية اجتماعية

لم تحظ قضية الأشخاص الذين ليس لديهم سجل عائلي إلا على القليل من الاهتمام حتى سنوات قليلة ماضية. وفي عام 2014 بدأت القضية باقتحام الوعي الشعبي بفضل سلسلة من القصص في وسائل الإعلام، وعلى وجه الخصوص صحيفة أساهي شيمبون اليومية وهيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية. ففي ذلك الوقت كان الأشخاص الذين ليس لديهم سجل عائلي محرومين من خدمات اجتماعية مثل الاشتراك في خدمة التأمين الصحي الوطني، بالإضافة إلى حق الحصول على رخصة قيادة وجواز سفر وخدمات أخرى.

وفي شهر يوليو/تموز من عام 2014، أجرت وزارة العدل اليابانية مسحاً لتحديد عدد وظروف الأشخاص الذين لا يمتلكون سجلاً عائلياً في اليابان. ويصعب تقريباً من حيث الجوهر تحديد هوية هؤلاء الأشخاص، ولكن بحلول 10 أكتوبر/تشرين الأول من عام 2017 أحصت الوزارة 1495 شخص (من المعتقد أن الرقم الفعلي أكبر من هذا بعدة أضعاف). وفي وقت لاحق استطاع 780 شخصاً منهم الحصول على سجل عائلي، ولكن المتبقين وعددهم 715 شخصاً بقوا في طيّ النسيان. وتقريباً نصف هؤلاء (49.2%) كانوا أطفالاً تحت سن الدخول إلى المدارس.

وقد اتخذت وزارة العدل وبعض السلطات المحلية خطوات للتخفيف من حالة العزلة لهؤلاء من خلال تمكينهم من التسجيل في البلديات التي يقطنون بها للحصول على تغطية من التأمين الصحي القومي والفحوصات الطبية لحديثي الولادة والتطعيمات وإعانات رعاية الأطفال والتسجيل في دور الرعاية النهارية والمدارس العامة. ولكن بالنظر إلى الظروف التي تترافق عادة مع عدم وجود سجل عائلي (انظر أدناه)، فيمكننا الافتراض أن الأغلبية لا تزال غير مدركة لحقوقها وغير قادرة على الاستفادة منها.

التسرب من خلال الشقوق

ولكن كيف ولماذا ينفذ الناس من خلال شقوق نظام التسجيل العائلي في اليابان؟

عندما يولد طفل في اليابان، يتعين على الوالدين إخطار إدارة البلدية من خلال تقديم وثيقة إبلاغ عن ميلاد. وتستخدم المعلومات المبينة على هذه الوثيقة بما فيها جنس الطفل وتاريخ ميلاده والمعلومات الأساسية عن الوالدين في تسجيل الطفل في سجل العائلة للأب القانوني (باستثناء حالات نادرة يكون فيها نظام التسجيل العائلي باسم الأم).

وفي أغلب الحالات، فإن هذا التسجيل يجري بدون معوقات أو مشاكل. ففي اليابان تتم مراقبة الرعاية خلال الحمل وبُعيد الولادة بعناية. حيث يتم إصدار كتيب عبارة عن سجل صحي للحوامل مع جدول بمواعيد الفحوصات أثناء الحمل وبُعيد الولادة. ويساعد موظفو الرعاية الصحية المسؤولون عن توليد وفحص الرضيع، الوالدين في تسجيل أطفالهم. وبالرغم من ذلك، فإن الوالدين لا يقومون بذلك في بعض الحالات.

ويمكن أن تعزى المشكلة في بعض الأمثلة إلى العزلة الاجتماعية أو الإهمال. وقد نشرت صحيفة أساهي شيمبون على صفحتها الأولى من عددها ليوم 8 يوليو/تموز عام 2014 قصة عن طفل ظل حبيس المنزل وبدون أن يذهب للمدرسة لمدة 17 عاما.

ولكن في معظم الحالات، تتعلق المشكلة بنظام نظام التسجيل العائلي وبنود القانون المدني التي عفا عليها الزمن فيما يخص الطلاق والأبوة. ووفقاً لوزارة العدل فإن 75.1% من الحالات التي قامت بفحصها تندرج ضمن هذه الفئة.

مشكلة الأبوة المفترضة

بموجب الفقرة 1 من المادة 772 من القانون المدني، فإن الطفل الذي حملت به امرأة بينما كانت متزوجة، من المفترض أن يكون طفل زوجها. وهذا ما يعرف بافتراض الشرعية. ونظراً لأنه قد يصعب إثبات موعد الحمل بالطفل على وجه التحديد، تنص الفقرة 2 على أن أي طفل يولد بعد أكثر من 200 يوم من زواج شخصين وضمن 300 يوم من فسخ الزواج يعتبر أن الحمل به تم أثناء الزواج. وهنا يكمن جزء كبير من المشكلة.

ودعونا نلقي النظر على حالتين. في الحالة الأولى، تترك امرأة المنزل هرباً من زوجها الذي يسيء معاملتها. وتنجذب إلى رجل أكثر جدارة بعواطفها، ويدخلان في علاقة حميمية وترزق المرأة بطفل. بموجب القانون الياباني، فإذا تم الحمل بينما كانت لا تزال من الناحية القانونية على ذمة زوجها (وإن كانا منفصلين)، فإن زوجها هو والد الطفل المفترض. وفي الحالة الثانية، امرأة منفصلة عن زوجها لبعض الوقت، وغير قادرة على الحصول على الطلاق، ودخلت بعلاقة مع رجل آخر أثناء انفصالها عن زوجها. وبعد تمكنها في نهاية المطاف من الطلاق، تزوجت مجدداً وأنجبت طفلاً من زوجها الجديد. فإذا كانت ولادة الطفل ضمن 300 يوم (قرابة عام) من الطلاق، فإن الزوج الأول يعتبر والد الطفل، حتى ولو كان من الواضح أن زوجها الجديد هو الأب البيولوجي للطفل.

إذا رغبت الأم بتسجيل الولادة، فإنه ليس لديها خيار آخر غير تسجيل اسم الأب القانوني (زوجها السابق أو المنفصلة عنه) على وثيقة الإبلاغ عن ميلاد. وإذا أدخلت اسم الأب البيولوجي فإنه سيتم رفض عملية التسجيل. وبالنسبة لامرأة مطلقة أو منفصلة عن زوج – وخاصة في حالات العنف الأسري – فإن هذا يخلق معضلة كبرى. فأي شخص يمكنه استخدام السجلات العامة لتحديد هوية الأب القانوني للطفل، والزوج الحالي أو السابق قد يستخدمها لتعقب زوجته أو زوجته السابقة. وفي مثل هذه الحالات، يمكن للمرء أن يتفهم لماذا ستتردد المرأة قبل أن تسجل ولادة طفلها.

وفي 50.9% من الحالات التي راجعتها وزارة العدل في الفترة ما بين يوليو/تموز 2014 وأكتوبر/تشرين الأول 2017، كان جميع الأطفال غير المسجلين مولودين ضمن 300 يوم من الطلاق. بينما 15.7% من الأطفال غير المسجلين ولدوا خلال زواج فُسخ منذ ذلك الحين، و11.2% ولدوا خلال زواج قائم.

وأمام السيدات في الحالات المذكورة أعلاه خيار قانوني واحد هو تقديم مناشدة لمحكمة الأسرة وتطلب منها أن تقرر أنه لا صلة أسرية بين الزوج السابق (أو المنفصلة عنه) وبين الطفل. وإذا تأكدت المحكمة من عدم وجود صلة، فإن المادة 772 لا تنطبق على الحالة. ولكن لتحقيق ذلك، يتعين على المرأة أن تثبت أن الزوجين كانا في حالة ’’طلاق من الناحية الفعلية‘‘ في وقت الحمل. وهذا قد يكون في غاية الصعوبة إذا رفض الزوج السابق (أو المنفصل عن زوجته) التعاون، أو إذا كانت المرأة لا تريد التواصل مع الزوج.

وقد أصدرت وزارة العدل في يونيو/حزيران عام 2007 قراراً ينص على أن المرأة المطلقة التي تلد ضمن 300 يوم بعد الطلاق بإمكانها تقديم وثيقة إبلاغ عن ولادة لا تحتوي اسم زوجها السابق كأب للطفل طالما أنها ترفق رسالة من طبيب تثبت أن الحمل بالطفل تم بعد إتمام الطلاق. ولكن هذا القرار لا يساعد نساء في حالات مثل تلك التي ذكرت أعلاه واللواتي أصبحن حاملات بينما كن منفصلات ولسن مطلقات بشكل قانوني عن أزواجهن.

المثال الكوري الجنوبي

تنص اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (تم تبنيها في عام 1989) والتي وقعت عليها اليابان، على أنه ’’يجب تسجيل الطفل فورا بعد الولادة‘‘. وهذا يعني أن الحكومة اليابانية ملزمة بإصلاح نظام يتسبب بزيادة ظهور حالات من ليس لديهم سجل عائلي. ولتحقيق ذلك وضمان التسجيل الفوري لكل طفل مولود، يتعين على اليابان أن تعدل القانون المدني مع بنوده القديمة والتمييزية المتعلقة بالطلاق والأبوة.

ومن أجل الامتثال إلى معاهدة حقوق الطفل، تحتاج اليابان نظاماً ’’يحترم حقوق الطفل في الحفاظ على هويته، بما في ذلك ….العلاقات الأسرية‘‘، ويضمن للطفل نشأة آمنة. وفي رأيي فإن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي تبني المبدأ القانوني الأساسي في تحديد الأب البيولوجي بوصفه الأب القانوني والسماح للأم بتسجيل ولادة طفلها تحت اسم الأب البيولوجي بدون الحاجة إلى تقديم فحوصات طبية متداخلة أو انتظار المحاكم للبت في الأمر.

ويمكننا البدء بتعديل الفقرة 1 من المادة 772 من القانون المدني لتنص على أن الطفل المولود لأم متزوجة هو افتراضيا ابن الزوج. ومن ثم فإن الطفل المولود بعد زواج المرأة مرة ثانية سيتم اعتباره ابن الزوج الحالي، مما يحل معضلة المرأة في الحالة الأولى.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يعترف القانون بحق الأم أو الطفل البالغ في إنكار أبوة الأب المفترض، بدلا من إعطاء ذلك الحق إلى الزوج فقط، كما هو الحال حاليا (المادتان 774 و775). ومن شأن ذلك أن يسمح للمرأة في الحالة الثانية بإبطال الأبوة المفترضة لزوجها السابق بإثبات عدم وجود علاقة بيولوجية بينه وبين الطفل وأن يعترف زوجها الحالي بأنه الأب القانوني. ومن غير المعقول أن تحرم الأم الحق في تحديد هوية والد طفلها.

إن النظام الحالي لليابان لا ينسجم مع دستورها الذي ينص على أنه ’’في المسائل المتعلقة بالزواج والأسرة، يجب سن قوانين من زاوية تراعي الكرامة الفردية والمساواة الأساسية بين الجنسين‘‘. كما أنه غير متزامن مع الاتجاهات العالمية. ففي بلدان أخرى حول العالم، بما في ذلك شرق آسيا، اتخذت خطوات لإصلاح قانون الأسرة القديم. فقد اعترفت كوريا الجنوبية – والتي كان لديها نظام مماثل لليابان – بحق الأم في إنكار الأبوة وذلك في مارس/آذار 2005. وفي مايو/أيار من عام 2007، استبدلت سجل الأسرة القديم بنظام تسجيل شخصي يدون الصلات الأسرية على أساس فردي. وطالما أن كوريا الجنوبية تمكنت من تحديث قانونها المدني، فاليابان يمكنها ذلك أيضا. الجواب الأساسي على مشكلة من ليس لديهم سجل عائلي هو أن تحذو اليابان حذو كوريا الجنوبية.

(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية بتاريخ 8 فبراير/شباط 2018. صورة العنوان: امرأة لا تمتلك قيدا مدنيا (وسط ومقدمة الصورة) في مؤتمر صحفي في أوساكا في 2 يونيو/حزيران عام 2008. فبسبب العنف الأسري، لم تسجل والدتها ولادتها وبالتالي لم تسجل أطفالها هي أيضا. جيجي برس)

كلمات مفتاحية:
  • [13/03/2018]

بروفيسور في جامعة ريتسوميئيكان متخصص في قانون الأسرة. ولد بمدينة يوكوهاما عام 1951. تخرج وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة أوساكا. من مؤلفاته، ’’كازوكو هو (قانون الأسرة)‘‘ و’’كازوكو تو هو -كوجينكا تو تايوكا نو ناكا دي (القانون والأسرة -في سياق تنامي الفردية والتنوع)‘‘.

مقالات ذات صلة
أحدث المقالات

المقالات الأكثر تصفحا

منوعات جميع المقالات

فيديوهات مختارة

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)