اللجوء للعزلة بعد وفاة الحبيب في مجتمع المسنين باليابان

كوتاني ميدوري [نبذة عن الكاتب]

[07/05/2019]

غالباً ما يعيش الأزواج كبار السن بمعزل عن أفراد الأسرة الآخرين، وعندما يتوفى أحد الزوجين لا يكون لدى الشريك المكلوم في كثير من الأحيان من يلجأ إليه ليدعمه فيما هو قادم. إحدى الخبيرات في أنماط حياة كبار السن تطرح هذه القضية وتفكر في الطرق التي يمكن بها للمسنين التواصل مع المجتمع.

سنوات المحيا وفجيعة الفراق

في غضون العشرين عامًا القادمة، سيكون لدى اليابان واحدة من أعلى معدلات المسنين وكبار السن في العالم. هذا إلى جانب تزايد متوسط العمر المتوقع في البلاد، الأمر الذي جعل الطريقة التي يتعامل بها كبار السن مع فقدان شريك الحياة قضية اجتماعية بارزة. ففي كثير من الحالات عندما يتوفى الزوج أو الزوجة، يواجه الشريك المكلوم الواقع الصعب المتمثل في قضاء ما تبقى من حياته في كنف العزلة. لذا تحتاج اليابان بشكل عاجل إلى إيجاد طرق لدعم كبار السن الذين تقطعت بهم الأسباب اجتماعيًا بعد رحيل الحبيب لإعادة التواصل مع المجتمع والاستمتاع بحياة أفضل.

على مدار الربع الأخير من القرن الماضى، ارتفع متوسط الوقت الذي يحياه الأزواج كبار السن معًا بمقدار عشر سنوات. وتشير إحصاءات التعداد الوطني لعام 1990 إلى أن 56.6% من النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 65 عامًا أو أكثر كن من النساء الأرامل مقابل 40.1% من اللائي لا يزالن مع أزواجهن. وبحلول عام 2015، انعكست هذه النسب، حيث كانت 38.7% من النساء من نفس الفئة العمرية السابقة أرامل مقابل 51.4% لا يزالن متزوجات. ولاحقاً، ارتفع معدل ترمل النساء من سن 75 وما فوق إلى 57.6%. ويرجع السبب الرئيسي وراء طول عمر الأزواج كبار السن إلى زيادة متوسط العمر المتوقع للرجال. ففي عام 1990، كان 30.5% فقط من الرجال يعيشون ليصلوا إلى ثمانين عاماً، ولكن بحلول عام 2016 ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 51.7%.

ويقال إن المرأة اليابانية يمكنها الحصول على فرصة جديدة للحياة عندما يتوفي أزواجهن. ولكن ما نشهده حالياً من طول عمر الذكور أدى إلى تقليل عدد السنوات التي يمكن للنساء الأرامل فيها أن تحيا بصحة جيدة بعد وفاة أزواجهن. وعلى سبيل المثال، وَالِدَيّ أحد أصدقائي كانوا في أواخر الثمانينات من عمرهم، وكان كل منهما يعيش في دُور مختلفة لرعاية المسنين عندما توفي الأب، وكانت الأم حينها قد أصيبت بمرض الخرف، الأمر الذي أقنع صديقي بعدم البوح بخبر الوفاة خوفًا من حالتها العقلية. ويزداد خطر الإصابة بالخرف لدى النساء بشكل كبير بعد سن الثمانين، وتشير بعض الأبحاث إلى أن ما يصل إلى نسبة 59% من النساء تظهر عليهن علامات الخرف عند بلوغهن سن الخامسة والثمانين.

الرجال الأرامل في عزلة

أدى تغيير هيكل الأسرة اليابانية على مدى العقود القليلة الماضية إلى مزيد من العزلة الاجتماعية لكبار السن. ووفقًا لدراسة استقصائية شاملة أُجريت في عام 1980 لوزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية عن ظروف المعيشة، أظهرت أن الأسر المكونة من ثلاثة أجيال والتي تستأثر بنسبة 50.1% من مساكن الإقامة باليابان كان بها على الأقل شخص واحد يبلغ من العمر 65 عامًا أو أكبر. إلا أنه بحلول عام 2015، انخفضت النسبة إلى 12.2% مقارنة بـ 31.5% من الأسر التي تتكون من زوجين مسنَّين فقط. وجرت العادة بأن يستمر الآباء المسنون في العيش مع أولادهم وأحفادهم، حتى بعد وفاة أحد الزوجين. أما اليوم، فوفاة شريك الحياة في كثير من الأحيان تعني مواجهة التحدي الصعب المتمثل في بدء حياة جديدة منفرداً.

وكان لذلك تأثير كبير على الرجال خاصة مع زيادة متوسط العمر المتوقع للذكور، الأمر الذي سيؤول إلى ارتفاع مطرد في عدد الأرامل الرجال الذين سيعيشون بمفردهم. ويشير العديد من الخبراء في مجال التقادم في العمر إلى أنه مقارنة بنظرائهم، فإن الرجال غالباً ما يواجهون صعوبة أكبر في التكيف مع الحياة بعد فقدان الشريك، وخاصة فيما يتعلق بالتفاعلات الاجتماعية.

ووفقًا لمسح أجراه المعهد الوطني لبحوث السكان والضمان الاجتماعي لعام 2017، أظهر أنه من بين الأشخاص البالغين من العمر 65 عامًا أو أكثر والذين عاشوا بمفردهم، تحدث 49% فقط من الرجال مع شخص واحد على الأقل يوميًا، مقارنة بـ 62.3% من النساء. وفي المتوسط، 15% من الرجال – حوالي واحد من كل ستة أو سبعة – مقارنة بـ 5.2% فقط من النساء تحدثوا إلى شخص أقل من مرتين في الشهر.

يمتد الانسحاب من المجتمع والعزلة الاجتماعية أيضًا إلى التفاعلات مع أفراد الأسرة. حيث أظهر استطلاع أجراه معهد أبحاث الحياة (داي-إيتشي) عام 2016 أنه من بين كبار السن ممن هم في الستينيات والسبعينيات من عمرهم ويعيشون بمفردهم، تحدث 27% من الأرامل الرجال مقابل 50.8% من الأرامل النساء لأفراد الأسرة مرة واحدة على الأقل في الأسبوع، وتحدث أكثر من 40% من الرجال للأقارب بالكاد مرة واحدة في الشهر أو حتى أقل. وربع الرجال الذين شملهم الاستطلاع لم يتبادلوا التحية حتى مع الجيران.

كبار السن والشعور بالوحدة والعزلة

أظهر الاستطلاع نفسه أنه في حين أن 75.8% من النساء الأرامل اللائي يعشن بمفردهن لديهن أصدقاء من نفس الجنس ويمكن أن يستمتعن معهن بقضاء بعض الوقت لاحتساء الشاي أو تناول الطعام، فإن الرقم بالنسبة للرجال كان أقل من النصف – 40.8% فقط – وأن 33.6% من الرجال ليس لديهم أصدقاء من الذكور على الإطلاق. ورداً على السؤال ”هل لديك أحد الأصدقاء من نفس الجنس يمكن أن تناقش معه مشكلاتك أو مخاوفك؟“ أجاب 54.8% من النساء و 25.2% من الرجال بنعم. وهذا يوضح درجة العزلة التي يعانيها الكثير من الرجال بعد وفاة زوجاتهم. وفي كثير من الأحيان لا يكون للأرامل الرجال أصدقاء للاختلاط معهم أو مشاركتهم هواياتهم، ناهيك عن الشخص الذي يمكنهم التشاور معه حول مخاوفهم وإحباطاتهم

ومن المفارقات التي أظهرها الاستطلاع أن الرجال كان أكثر شيوعا بينهم بأن يكون لديهم صديق واحد على الأقل من الجنس الآخر بنسبة تصل إلى 59.2% مقارنة بنظائرهم من النساء اللاتي بلغت نسبتهن 44.8%، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة أن العديد من الأرامل الرجال لديهم عدد قليل جدًا من الأصدقاء من كلا الجنسين.

ومسألة العزلة بين كبار السن لا تقتصر فقط على أولئك الذين فقدوا شريك حياتهم، حيث تشير البيانات إلى أن كبار السن اليابانيين لديهم أصدقاء أقل من نظرائهم في البلدان الأخرى. فوفقًا لمسح أجراه مكتب مجلس الوزراء لعام 2015 عن الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم ستين عامًا أو أكثر في بلدان مختلفة، قال 25.9% من المشاركين في اليابان إنهم ليس لديهم أحد خارج نطاق أسرهم المباشرة يمكنهم اللجوء إليه وقت الاحتياج إلى مشورة أو دعم في الأوقات العصيبة، مقارنة بـ 11.9% في الولايات المتحدة و8.9% في السويد. وبالمثل، قال ما يقرب من 60% من المشاركين في السويد بأن لديهم أصدقاء من كلا الجنسين، في حين قال 13.8% فقط ممن هم في اليابان بأنهم كذلك.

قليل من المهارات الحياتية

إحدى القضايا البارزة التي تواجه العديد من الرجال اليابانيين كبار السن هي افتقارهم للمهارات الحياتية الأساسية اللازمة للعيش بمفردهم. فعند وصلوهم إلى السبعينيات من عمرهم أو أكبر فهم بذلك يكونوا في مرحلة عمرية من المتوقع أن تهتم فيها زوجاتهم بكل جانب من جوانب الحياة المنزلية، حيث أن معظم كبار السن من الرجال لم يتعلموا كيفية الطهي بمفردهم أو القيام بالأعمال المنزلية. ووفقًا لإحدى الدرسات الاستقصائية، فإن أكثر من 60% من الرجال ممن هم في الستينيات من عمرهم لا يعدون وجبة العشاء حتى ولو لمرة واحدة في الأسبوع. وأحد معارفي لم يسبق له القيام بأي من الأعمال المنزلية حتى سن السبعين عندما توفيت زوجته. والآن حيث أنه يعيش بمفرده يفضل تناول الطعام كل ليلة خارج المنزل، حتى وإن لم يكن لديه ما يبقيه مشغولاً طوال اليوم. فذهابه إلى المطاعم يعد أفضل بالنسبة له من الجلوس محبوساً بين جدران المنزل طوال اليوم. وحتى عندما يقوم بإعداد الطعام كوجبة الإفطار مثلاً، فإنه لا يقوم مطلقًا بطهي أي شيء، فقط عوضاً عن ذلك يقوم بتحضير بعض الجبن أو تناول بعض شطائر اللحم المقدد مع قليل من المكونات الأولية التي يتم شراؤها من مراكز التسوق المحلية.

شخص آخر أعرفه فقد زوجته يعتمد على ما تعده له ابنته عندما يتعلق الأمر بوجبات العشاء. وفي وقت عملها أثناء النهار، يذهب إلى إلى إحدى مراكز التسوق القريبة لشراء وجبة خفيفة لتناول طعام الغداء. وعلى الرغم من أن الأمر يبدو مهمة بسيطة، إلا أنه يقول إنه يجد كم هائل من الاختيارات، الأمر الذي يجعله عاجزاً عن تحديد ما يمكنه شرائه. حيث تعد مسألة عدم القدرة على تحديد ما تشتهيه نفسك من طعام أمر شائعًا بشكل ملحوظ بين كبار السن من الرجال، وربما يرجع ذلك إلى حقيقة أنهم قضوا حياتهم بأكملها في تناول ما يوضع أمامهم من طعام دون نقاش أو اعتراض.

فقدان الشهية

تواجه النساء أيضًا مشكلات تتعلق بنظام حياتهن الغذائي بعد وفاة شريك حياتهن. حيث تتخلى العديد من النساء الأرامل عن عادة الطهي بانتظام، وعوضاً عن ذلك يقمن بإعداد العديد من الوجبات لعدة أيام في وقت واحد، أو يقللن من مقدار ما يستهلكونه إلى الحد الأدنى. ووفقًا لمسح أجرته وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية في عام 2016 بشأن الصحة والتغذية، فإن 22% من النساء اللائي تبلغ أعمارهن 65 عامًا أو أكثر كان لديهن مؤشر كتلة جسم (مقياس متعارف عليه عالميا في القياسات الجسمية) يبلغ 20 أو أقل، مما يدل على سوء التغذية، وكانت نسبة النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 85 عامًا أو أكثر أعلى بنسبة 34.3%. بشكل عام، وزادت نسبة المسنات اللائي يعانين من سوء التغذية على مدى السنوات العشر الماضية. ومن المرجح أن تعيش النساء بمفردهن مع تقدمهن في العمر، وعلى الرغم من أن الدراسة الاستقصائية لم تنظر تحديداً إلى هذه المرحلة العمرية، إلا أن النتائج تشير إلى أنه حتى النساء اللاتي عشن معظم حياتهن تُعِدَّن وجبات الطعام لعائلاتهن قد فشلن في الحصول على التغذية الكافية بمجرد إقامتهن بمفردهن.

وهناك أيضاً تغيير آخر حدث في السنوات الأخيرة بين النساء الأرامل يتمثل في العدد المتزايد من النساء اللائي يخترن ”الطلاق بعد وفاة أزواجهن“ لقطع علاقاتهن مع أسرة زوجهن المتوفى رسمياً. ففي اليابان، عندما يقدم الزوجان أوراق اعتماد زواجهم في مكتب البلدية، يتم الجمع بينهم برباط الزواج لا سيما من الناحية القانونية لعائلة شريك الحياة. إلا أن هذه الروابط تنتهي في حالة الطلاق، ولكن ليس في حالة وفاة أحد الزوجين. ففي الزيجات التي يكون فيها الزوج هو الابن الأكبر، كان يُفترض تقليديًا أن تكون الزوجة مسؤولة عن رعاية وَالِدَيّ الزوج المسنًّين ورعاية قبر أسرة الزوج.

وعلى كل حال فإن العدد المتزايد من النساء اللاتي يخترن قطع هذه العلاقات لتخليص أنفسهن من الالتزام برعاية أهل زوجها، تستند في حجتها إلى أنها كانت متزوجة من الزوج فقط وليست الأسرة بأكملها.

الاستمتاع بحياة جديدة

لقد مر على وفاة زوجي ثماني سنوات، وقد ألهمتني هذه التجربة بإنشاء جمعية للأزواج الثكلى مكونة من الطلاب والخريجين السابقين لكلية المرحلة الثانية في جامعة ركييو، وهي مدرسة للأشخاص الذين يبلغون من العمر 50 عامًا تأسست من قبل جامعة ريكييو. والفكرة هي أنه بدلاً من قضاء ما تبقى من حياتنا في حداد، يجب أن نسعى جاهدين للاستمتاع بالوقت المتبقي منها، من أجل أنفسنا ومن أجل من نرثوا فراقهم.

ولقد قمنا بتنظيم حدث واحد عبارة عن عرض أزياء للأرامل الرجال الأكبر سناً. وكما أشرت أعلاه، من السهل على هذه المرحلة العمرية أن تصبح معزولة اجتماعيا، حيث كانت الفكرة من وراء العرض إعطاء الرجال طريقة بسيطة التكلفة للاعتناء بأزيائهم، وأن مظهرهم قد يمنحهم حافزًا أكبر للخروج من المنزل والاستمتاع بالتواصل الاجتماعي مع الآخرين مرة أخرى.

الراجل الأرامل أثناء مراسم عرض الأزياء

ففي مجتمعنا المعاصر، أصبح من المعتاد للأزواج المسنين أن يقيموا بمفردهم بمنأي عن بقية عائلاتهم كلما تقادم بهم العمر. وهذا يمكن أن يؤدي بسهولة إلى العزلة والوحدة مع فقدهم لشريك الحياة. وبينما نتجه نحو مجتمع تعيش فيه أعداد أكبر من كبار السن بمفردهم، فنحن بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لمساعدة كبار السن على بناء شبكاتهم الاجتماعية والاحتفاظ بها للاستمتاع بحياة أكثر ثراءً بينما لا يزالون بصحة جيدة.

(النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية في فبراير/ شباط 2019، والترجمة من اللغة الإنكليزية. كل الصور مقدمة من كاتبة المقال. صورة الموضوع: عرض أزياء للرجال الأرامل أُقيم في معبد كوبوجي البوذي بحي ميتا في طوكيو في ديسمبر/ كانون الاول 2018.)

كلمات مفتاحية:
  • [07/05/2019]

باحثة سابقة في معهد داي-إيتشي لأبحاث الحياة. ومتخصصة في الدراسات المتعلقة بالوفاة والاحتضار والممارسات المرتبطة بهم، وأنماط حياة المسنين والقضايا المتعلقة بمراسمهم الجنائزية. ولدت في محافظة أوساكا. بعد حصولها على درجة الماجستير من جامعة نارا النسائية، التحقت بمعهد أبحاث تصميم الحياة (الذي أصبح حالياُ جزءًا من معهد داي-إيتشي لأبحاث الحياة) في عام 1993. حصلت على درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية في عام 2009. ومن ضمن مؤلفاتها (Hitori shi jidai no osōshiki to ohaka) (الجنائز والمقابر في عصر من يموت وحيداً) و (Hitori shūkatsu: fuan ga kieru banzen no sonae) (الاستعدادات لمن هم مقبلين على الموت منفردين: تبديد المخاوف مع التخطيط الشامل).

مقالات ذات صلة
أحدث المقالات

المقالات الأكثر تصفحا

منوعات جميع المقالات

فيديوهات مختارة

أحدث المواضيع

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)