السياسة في عصر هيسى: إصلاحات كبيرة يشوبها قصور في الأداء

ماتشيدوري ساتوشي [نبذة عن الكاتب]

[22/04/2019]

  شهد المشهد السياسي في اليابان تحولًا كبيرًا على مدار الثلاثين عامًا الماضية، حيث تم التخلص من نظام عام 1955 من خلال إصلاحات انتخابية وإدارية واسعة النطاق، وفقد الحزب الليبرالي الديمقراطي سيطرته المستمرة على مقاليد السلطة. ومع ذلك، لم تكن التحولات كافية لتمكين اليابان من الاستجابة بفعالية لبيئة عالمية سريعة التغير.

نهاية حقبة

يصادف هذا العام نهاية حقبة عصر الإمبراطور (هيسى) الذي استمر لثلاثة عقود في اليابان، حيث سيتنازل الإمبراطور أكيهيتو في أبريل/ نيسان المقبل عن العرش. ومن منظور دولي، فهو أيضًا الذكرى السنوية الثلاثين لنهاية الحرب الباردة. ويمكن القول بأن فترة الثلاثين عاماً هي تقريباً بمثابة حقبة جيل بأكمله؛ وهم الذين ولدوا مع بزوغ فجر عصر (هيسى) ولديهم الآن أولاد من أصلابهم. والعالم كذلك الآن على أعتاب الدخول في مرحلة جديدة مع اقتراب نهاية فترة ما بعد الحرب الباردة.

يقال إن اسم عصر الإمبراطوري (هيسى) يعبر عن الرغبة في السلام في الداخل والخارج، وكذلك على الأرض وفي السماء. وعلى صعيد السياسة اليابانية، فقد شابت الفترة التي بدأت في عام 1989 حالات من التوقف والاضطراب. وفي هذه المقالة، سأقدم نظرة عامة على التطورات السياسية الرئيسية على مدى العقود الثلاثة الماضية، مع تحديد العوامل الخارجية والمؤسسية التي أحدثت تغييرات كبيرة وعواقب تلك التغييرات.

تغيرات جذرية في الداخل والخارج

تأثرت تلك التغيرات بعوامل خارجية، وأعني التحولات الكبيرة على صعيد البيئة الدولية والتحولات داخل المجتمع والاقتصاد الياباني. وأولاً بالنسبة للتحولات الدولية فتشمل من الناحية الزمنية نهاية الحرب الباردة، والتغيرات الهيكلية في الاقتصاد العالمي الناجمة عن العولمة وثورة المعلومات، ومؤخراً صعود الصين.

خلال الحرب الباردة، تم تمركز وضع اليابان كعضو في العالم الحر، وبمثابة الدولة الديمقراطية الوحيدة غير الغربية المتطورة صناعياً، وكانت هذه هي الفرضية التي ارتكزت عليها سياسات البلاد. في حين أن حجر الزاوية في السياسة الخارجية لليابان هو تحالفها الأمني مع الولايات المتحدة، وارتباطها بالمجتمع الدولي كان في الغالب من خلال الأنشطة الاقتصادية. إلا أن هذه الركائز الأساسية قد تغيرت في العقود الثلاثة الماضية منذ نهاية الحرب الباردة.

ففي هذه الأثناء، نشأت التغيرات الكبيرة في المجتمع والاقتصاد الياباني عن طريق محاولات الشركات للتكيف مع الركود المطول الذي أصاب البلاد بعد فترة الفقاعة الاقتصادية، والعولمة السريعة، والمنافسة العالمية المكثفة. فقبل انفجار فقاعة الأصول، قامت معظم الشركات اليابانية بتعيين موظفين جدد حديثي التخرج وأبقت موظفيها على كشوف الرواتب طوال حياتهم العملية. وطالبتهم بساعات عمل أطول والامتثال لقرارات الإدارة، بغض النظر عن مدى منطقيتها. وكان في مقابل ذلك تأمين سبل العيش لكل من الموظفين وأسرهم. إلا أن مثل هذه الأنظمة أصبحت شيئاً من الماضي.

حيث كانت هناك تحولات هائلة في المنظومة الوظيفية، والممارسات العمالية، وحتى التركيبة الأسرية والسكانية تأثرت بالديون العامة المتصاعدة، وعدد السكان المتناقص وزيادة معدلات الأعمار، والتغير في المفاهيم المتعلقة بالمرأة فيما يتعلق بالقوى العاملة. وقد أدى ذلك إلى إجراء مراجعات كبيرة في السياسات الحكومية ذات الصلة.

الإصلاحات الانتخابية والإدارية

كان التحدي الأكبر الذي يواجه القادة السياسيين في مواجهة هذه التغيرات الخارجية هو إصلاح السياسات التي عفا عليها الزمان وأصبحت غير فعالة.

وكان هذا هو محور الإصلاحات التي تم إجراؤها في التسعينيات، وخاصة تلك التي أعادت تشكيل الحكم السياسي. وفي حين أن العديد من العوامل المختلفة ساهمت بلا شك في تحقيق تلك الإصلاحات، إلا أن التحدي الأكبر تمثل في تعزيز استجابة النظام السياسي لمواجهة التحول السريع والواسع النطاق الذي شهده العالم في أعقاب الحرب الباردة.

وكانت أبرز التغييرات التي أُدخلت على النظام السياسي هي الإصلاحات الانتخابية لعام 1994 والإصلاحات الإدارية التي نُفذت بشكل رئيسي في عام 2001.

وتضمنت الإصلاحات الانتخابية استبدال الدوائر متعددة الأعضاء المكونة من ثلاثة إلى خمسة مقاعد لانتخابات مجلس النواب بنظام يجمع بين الدوائر ذات المقاعد الفردية والتمثيل النسبي. الأمر الذي كان يهدف إلى تسهيل التغييرات في الحكومة من خلال تشجيع نظام الحزبين وتعزيز السلطة المركزية لقادة الأحزاب المعنية. وعليه فإن الحزب الذي سيفوز في الانتخابات العامة، كما كان متصوراً، سيكون قادرًا على تشكيل الحكومة حتى بدون شركاء الائتلاف، وسيتم تطوير صياغة السياسات بطريقة فعالة بشكل تنازلي بواسطة رئيس الوزراء ووزراء حكومته. وسيكون الشعب قادرًا على التعبير عن دعمه أو رفضه في الانتخابات العامة إما عن طريق تأييد الحزب الحاكم أو التصويت ضده.

الإصلاحات الإدارية هي الأخرى تركزت على تعزيز ديوان رئيس الوزراء وتبسيط بيروقراطية الحكومة المركزية، مع التركيز على الإصلاحات السابقة. وفي الوقت الذي كان يُنتظر فيه من الإصلاحات الانتخابية أن تشكل دوراً تنازلياً في صياغة السياسات، فقد تُرك رئيس الوزراء بدون الموارد اللازمة لتطوير برنامج أكثر قوة. لذا سعى الإصلاح الإداري إلى إعطاء ديوان رئيس الوزراء سلطة التعامل مع الأولويات السياسية بدلاً من الإذعان لمطالب الوزارات المختلفة. وبشكل عملي، تم توسيع أمانة مجلس الوزراء، وتم إنشاء ديوان جديد لمجلس الوزراء، وتمكن رئيس الوزراء من تعيين وزراء في مجلس الوزراء لهم حقائب خاصة.

الأحداث الكبرى في اليابان والعالم خلال العقود الثلاثة الماضية

1989 بداية عصر الإمبراطور (هيسى) بعد وفاة الإمبراطور (شووا)، واستحداث ضريبة الاستهلاك.
مظاهرات مطالبة بالديمقراطية والإصلاح بساحة ميدان تيانانمن في بكين، وسقوط جدار برلين.
1991 بداية حرب الخليج، وانهيار الاتحاد السوفييتي.
1993 هوسوكاوا موريهيرو يصبح أول رئيساً للوزراء من خارج الحزب الليبرالي الديمقراطي منذ ما يقرب من أربعين عامًا.
تأسيس الاتحاد الأوروبي رسمياً.
1994 سن أربعة مشاريع قوانين متعلقة بالإصلاح السياسي، بما في ذلك تلك الخاصة بمراجعة النظام الانتخابي.
1995 زلزال كوبي المدمر، وعملية الهجوم بغاز الأعصاب (السارين) على محطات مترو طوكيو
1997 إفلاس بنك هوكايدو تاكوشوكو، وإغلاق مؤسسة يامإيتشي للأوراق المالية.
2001 إعادة هيكلة هيئات الحكومة المركزية داخل ديوان مجلس الوزراء وتشكيل اثنا عشر وزارة.
هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول على الولايات المتحدة الأمريكية.
2002 زيارة رئيس الوزراء كويزومي جونإيتشيرو إلى بيونغ يانغ وتوقيع إعلان اليابان وكوريا الشمالية.
توحيد العملة الورقية والعملات المعدنية بين 12 دولة في الاتحاد الأوروبي واستحداث عملة اليورو.
2003 بداية الحرب على العراق.
2008 انهيار بنك ليمان براذرز، واندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية.
2009 الحزب الديمقراطي الياباني يفوز بالانتخابات العامة ويشكل الحكومة.
2011 زلزال وتسونامي توهوكو المدمر يضرب سواحل شرق اليابان
2012 الحزب الليبرالي الديمقراطي يعود للسلطة وشينزو آبى يبدأ ولايته الثانية كرئيس للوزراء.
2016 انتخاب دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية.

من إعداد فريق عمل Nippon.com.

تغيير الحكومة

هذه الإصلاحات المؤسسية فتحت الباب أمام تغييرات شاملة في الوضع السياسي القائم. وأدى استحداث نظام الدوائر الانتخابية ذات المقعد الواحد إلى زيادة احتمال الإطاحة بالحزب الليبرالي الديمقراطي من السلطة، وهو ما حدث بالضبط في عام 2009، عندما تولى الحزب الديمقراطي الياباني الذي تأسس في عام 1996 مقاليد الأمور. وأصبحت السلطة داخل كل من الحزب الليبرالي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الياباني أكثر مركزية، الأمر الذي لم يكن كذلك من قبل كما اتضح في رفض رئيس الوزراء كويزومي جونئيتشيرو تأييد المرشحين غير الراغبين في دعم خطة الخصخصة لقطاع الخدمات البريدية في عام 2005. وما يتمتع به اليوم رئيس الوزراء شينزو آبى من هيمنة على السلطات في الحزب الليبرالي الديمقراطي مثال آخر على توطيد السلطة في رئيس الحزب.

استعمل كويزومي بدهاء السلطات المضافة على عاتق ديوان رئاسة الوزراء للمضي قدماً بإصلاحاته المعلنة. حينها لم يكن يتم تحديد اتجاهات السياسات من قِبل المجلس التشريعي (البرلمان)، ولكن من قِبل ديوان مجلس الوزراء بدعم من رئيس مجلس الوزراء ووزراء الحكومة المعينين خصيصًا، وأبرزهم تاكيناكا هايزو، الذي شغل منصب وزير الدولة في حكومة كويزومي كمسؤول عن السياسات الاقتصادية والمالية، ووزير الدولة للخدمات المالية قبل أن يصبح عضواً بالبرلمان. وتم تنفيذ مبادرات رئيس الوزراء من قبل مكتب رئاسة مجلس الوزراء، الأمر الذي جعل البعض يشعر بصلاحيات مبالغ فيه. وقد ولت هذه الأيام التي بدت فيها المعارك السياسية لرئيس الوزراء كأنها تدور بالمقام الأول بين الوزارات وغالبًا داخل أروقة الوزارات ذاتها، إلا أن الكلمة الأخيرة كانت لوزارة المالية.

سياسات غير مجدية

شهدت عملية وضع السياسات وكيفية اتخاذ قراراتها تحولاً على مدى العقود الثلاثة الماضية، ولكن لا يزال الأمر محل شك فيما إذا كانت هذه التغيرات قد أوجدت سياسات أكثر انسجاما مع التطورات العالمية أم لا.

يمكن أن يُعزى الفشل في تحقيق استجابة سياسية أكبر إلى عاملين رئيسيين. الأول هو أن بعض المجالات إما بقيت خارج نطاق الإصلاحات الانتخابية والإدارية أو كانت لها تدابير نُفذت بطريقة تتعارض مع أهداف الإصلاحات، الأمر الذي حد من آثارها. فعلى سبيل المثال، تم تعزيز استقلال بنك اليابان في التسعينيات، مما أعاق في وقت لاحق جهود الحكومة وبنك اليابان لتنسيق سياساتهما الاقتصادية. وبما أن الإصلاحات الانتخابية تركت مجلس المستشارين (الشيوخ) على حاله دون مساس إلى حد كبير، فقد توقفت عملية وضع السياسات كلما كان هناك انقسام داخل الحكومة.

والعامل الآخر تمثل في العواقب غير المقصودة للإصلاح السياسي. حيث اتضح أن مزج الدوائر ذات العضو الواحد مع نظام التمثيل النسبي يمثل رادعًا كبيرًا لنظام الحزبين الذي أثبت كفأته، لأن أعضاء المعارضة الضعيفة يمكن أن ينشقوا ويشكلوا مجموعات أصغر على أمل الفوز بالمقاعد من خلال التمثيل النسبي، الأمر الذي حد بشكل كبير من الزخم لأعضاء البرلمان للبقاء تابعين لأي من الحزبين الرئيسيين.

علاوة على ذلك، فقد تعرض بعض ساسة الحزب الحاكم لمواقف معارضة تطورت بشكل جعلهم يشعرون بالقلق حيال إزاحتهم من السلطة، لذا بدلاً من محاربة خصومهم بشكل علني على أساس مزايا مواقفهم السياسية، كانوا يقدمون وعوداً وردية لأجل البقاء في السلطة بأي ثمن. الأمر الذي أدى إلى تضاؤل فرص قيام الإدارة بتنفيذ التدابير الضرورية التي لا تحظى بشعبية بين جموع المواطنين كرفع الضرائب مثلاً.

التحديات أمام قادة الجيل القادم

شهدت التحولات السياسية المؤسسية التي حدثت خلال عهد هيسى تغيرات شاملة، إلا أنها لم تكن كافية لخلق سياسات أكثر فعالية ومتجاوبة مع التوجهات الاجتماعية والدولية. ويبدو أن جمهور الناخبين قد سئم من الإصلاحات التي لا تنتهي، وبدأ ينظر إلى حقبة عصر هيسى على أنها ”عقود ضائعة“ ليس فقط من الناحية الاقتصادية ولكن من الناحية السياسية أيضًا.

ولقد ساهمت فترة ولاية رئيس الوزراء آبي الطويلة في خلق حالة من الاستقرار السياسي على مدى الأعوام المنصرمة، إلا أنه لم يكن هناك تقدم ملموس، علاوة على أن المظهر الحالي للاستقرار السياسي يتضاءل مقارنة بالهيمنة التي يتمتع بها الحزب الليبرالي الديمقراطي، مما يجعله استقرار مختلف عن نظام 1955. وفي الواقع، قد يكون الاستقرار ثمنا باهظا عندما يكون ما تحتاجه البلاد حقا هو القدرة على مواكبة وتيرة التغيير التي لا هوادة فيها في العالم الخارجي. لذلك فإن تعزيز مردود الاستجابة السياسية، بالإضافة إلى دعم المناطق التي لم تصل إليها الإصلاحات السابقة قد تكون قضايا تمثل التحدي الأكبر التالي للجيل القادم من الزعماء السياسيين في اليابان.

 (النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية في الحادي عشر من مارس/ شباط 2019، والترجمة من الإنكليزية. صورة الموضوع: رئيس الوزير هوسوكاوا موريهيرو على اليمين، ورئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي كونو يوهي يتبادلان توقيع الاتفاقيات في التاسع والعشرين من يناير/ كانون الثاني من عام 1994، بعد سن مشاريع قوانين الإصلاح السياسي. جيجي برس)

  • [22/04/2019]

أستاذ في كلية الحقوق بجامعة كيوتو. حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية بعد القيام بعمل الدراسات العليا في جامعة كيوتو وتدريسه بالكليات بما في ذلك جامعة أوساكا قبل أن يشغل منصبه الحالي. متخصص في الدراسات السياسية المقارنة والسياسة الأمريكية. ومن ضمن أعماله: (Seitō sisutemu to seitō soshiki) (الأنظمة الحزبية والمنظمات الحزبية)، و (Daigisei minshushugi: “Min’i” to “seijika” o toinaosu) (الديمقراطية التمثيلية: إعادة النظر في إرادة الشعب والسياسيين)

مقالات ذات صلة
أحدث المقالات

المقالات الأكثر تصفحا

منوعات جميع المقالات

فيديوهات مختارة

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)