المواضيع طبيب نفسي ياباني يغوص في تجارب الحياة
لماذا نخاف من ”الوحدة“؟

إزومي كانجي [نبذة عن الكاتب]

[12/04/2018] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | ESPAÑOL | Русский |

يتجنب الناس ”الوحدة“، ويحاولون شغل ”وقت الفراغ“ حتى لا يشعروا بها. وهذه رسالة من طبيب نفسي يواجه يوما بعد يوم مراجعين لديهم تساؤل يتمثل بهل يجب أن نتجنب ”الوحدة“ إلى هذا الحد.

أدوات من أجل الهروب من ”وقت الفراغ“

في الوقت الحالي، نشعر بقدر أقل من التقييد المادي، ومقارنة بالماضي أصبح من الممكن العيش حياة مريحة إلى حد ما. ولكن الغريب في الأمر هو أن الناس يتناسبون عكسيا مع الرضا المادي، حيث أن عدد الأشخاص الذين لديهم فراغ في مكان ما في قلوبهم آخذ في الازدياد. فمثلا حتى إذا حصلنا على الشيء الذي كنا نريده، فسوف يشتت انتباهنا لفترة قصيرة من الوقت فقط، ولن يتلاشى هذا الفراغ بشكل كامل.

ويتم تطوير أدوات واحدة تلو الأخرى لتقوم بشغل هذا الفراغ من أجل الاستجابة لحاجات مثل هؤلاء الأشخاص العصريين. ويتوفر في هذه الأدوات الكثير من الحيل التي تشد الانتباه من أجل عدم الشعور بالفراغ عند دخولنا في ”وقت الفراغ“.

وقبل وقت قصير كانت الأداة الرئيسية هي التلفزيون، ولكن حل محلها الهاتف الذكي. حيث أصبح مظهر الكثير من الأشخاص المحدقين بشاشات هواتفهم في داخل القطارات وشوارع المدن منظرا مألوفا. وليس من النادر أبدا ألا يبعد هؤلاء الأشخاص أعينهم عن الهاتف الذكي حتى عند عبورهم ممر المشاة.

ولكن لماذا نقوم بإضاعة وقت حياتنا الثمين باستماتة، ونحاول تشتيت انتباهنا يا ترى؟

فهم خاطئ حول ”الوحدة“

إن سبب تجنبنا ”وقت الفراغ“ بشكل مستميت، يعود إلى رغبتنا بالهروب من ”الوحدة“ وبعدم الشعور بها. وطالما نخاف من ”الوحدة“، يجب علينا الاستمرار بتشتيت انتباهنا بشكل مستميت، حتى لا يتولد ”وقت الفراغ“.

ولكن هل ”الوحدة“ هي شيء مخيف يجب علينا تجنبه إلى هذا الحد يا ترى؟

تركيبة الإنسان
العقل – مكان التفكير
القلب – مكان المشاعر، والرغبات، والأحاسيس (المباشرة)

تقول الفيلسوفة حنة آرنت (1906 – 1975) التي ولدت في ألمانيا، هناك ثلاث حالات للإنسان عندما يكون لوحده وهي ”الوحدة (solitude)“ و”العزلة (loneliness)“ و”الانعزال (isolation)“.

و”العزلة“ تعني بعبارة أخرى ”البقاء وحيدا“، وهي حالة القلق الدائم من ذلك الوضع، و”حالة عدم التمكن من الاتصال مع الذات بشكل جيد“. و”الانعزال“ يعني الانشغال بعمل ما، والدخول في ”حالة من عدم الاتصال مع الذات“ وليس فقط مع الأشخاص الآخرين.

ولكن، ترى آرنت أن ”الوحدة“ هي حالة مرغوبة جدا، وليس هناك معنى سلبي لها أبدا. وتقول عن ”الوحدة“ إنها تعني ”يوجد شخصان في داخل شخص واحد“.

إذن، فما هو المقصود بـ ” يوجد شخصان في داخل شخص واحد“ يا ترى؟

معنى ”يوجد شخصان في داخل شخص واحد“

للتفكير بهذه المسألة، ربما يجب علينا أولا أن ندرك تركيبة الإنسان.

أشعر بأنه لا يمكن تفسير جميع الظواهر المختلفة التي تحدث للإنسان بشكل جيد من خلال الرسومات القياسية لعلم النفس، وأصبحت منذ زمن معين أنظر إلى الإنسان باستخدام مثل الرسم التالي. وأعتقد أن هذا مفيد جدا في العلاج الطبي الفعلي، وهو رسم يسهل على عامة الناس فهمه، لذلك أود أن أشرح حالات الإنسان باستخدامه.

نحن البشر مثل الحيوانات الأخرى نقوم على المبدأ البري المستمد من الطبيعة العظمى والمتمثل بـ ”القلب = الجسد“. وفوق ذلك، يوجد ”العقل“ الذي تطور خلال مراحل التطور ويقوم بدوره كقسم لمعالجة المعلومات الذي يستند إلى مبدأ غير طبيعي، إذ يمكن القول إن لنا بنية هجينة.

و”العقل“ لديه أداة تُسمى اللغة، ويقوم بمعالجة المعلومات مثل الحاسوب، ويقوم بمحاكاة ومقارنة الأشياء. ومن خلال هذه الآلية يقوم بالتحليل والتنبؤ والتأمل والتخطيط ويتعامل مع الأشياء الماضية والمستقبلية، ولكنه ليس جيدا في فهم الحاضر. و”العقل“ لديه ميل قوي للسيطرة على الأحداث باستخدام عبارات من سلسلة must وshould ليقول ”يجب أن تفعل كذا“ و”لا يجب أن تفعل كذا“. لذلك يقوم ”العقل“ في بعض الأحيان بغلق حاجز موجود بينه وبين ”القلب“ بشكل أحادي عندما يكون في ظروف غير مناسبة.

ويرتبط ”قلب“ واحد مع ”الجسد“ كـ ”جسم واحد“، ولا يوجد تناقض بينهما. ويستجيب القلب دائما إلى اللحظة الآنية المتمثلة بـ ”الآن، وهنا“ بشكل حدسي ومرتجل. ويتم استخدام عبارات من سلسلة want to ليقول ”أريد أن أفعل كذا“ و”لا أريد أن أفعل كذا“، ولكن من صفاته عدم التساؤل عن كل مبرر وسبب كما يفعل ”العقل“.

والآن دعونا نفكر حول عبارة آرنت التي تقول ”يوجد شخصان في داخل شخص واحد“ بالاستناد إلى هذا.

أي أنه في داخل الإنسان الواحد يوجد قسم يستند إلى مبدأ غير طبيعي يُسمى ”العقل“، وقسم يستند إلى مبدأ طبيعي يُسمى ”القلب = الجسد“، كما لو أنه يوجد شخصان. وبعبارة أخرى، الإنسان هو في الأصل ”شخص واحد ولكنه شخصان“.

ولكن، عند إغلاق الحاجز، ينقطع الاتصال بين العقل والقلب، ويلفت ”العقل“ نظره إلى العلاقة مع المحيط الخارجي. ويصبح لا بد من الانشغال بأشياء مثل ”هل أنا على تواصل مع الناس أم لا“ و”كيف ينظر إلي الناس“. والقول عند شرح ”العزلة“ و”الانعزال“ بأنه ”لا يوجد اتصال مع الذات“، يُقصد به الوصول إلى مثل هذه الحالة.

ثراء وحيوية ”الوحدة“

تختلف حالة ”الوحدة“ التي يكون فيها الحاجز مفتوحا و”يوجد شخصان في داخل شخص واحد“ عن حالة ”العزلة“ وغيرها، حيث تكون عبارة عن حالة ثراء وحيوية. ويقوم الإنسان بالتأثر لشيء ما، والحصول على أفكار جديدة، وتعميق التأمل بعناية، في ظل حالة ”الوحدة“.

وكما أشرنا في الرسم السابق، فإن الاستماع إلى صوت ”القلب = الجسد“ يرتبط بعبارة أخرى بالعناية الإلهية للطبيعة العظمى التي تمتد أبعد من ذلك. وهناك يوجد معرفة غنية يجب أن ندعوها ”الوريد الجوفي“ المشترك لدى البشر.

يتجاوز الاختلافات في الخبرة وطباع كل شخص من الأشخاص.

يرجى مشاهدة الرسم على اليمين. فإذا لم يكن الحفر كافيا سيحدث اختلاف في الرؤية مثل ”سيخرج ماء أحمر من هنا“، أو”ماء أخضر“ وفقا للمكان الذي يتم الحفر فيه. ولكن، عند الاستمرار بالحفر عميقا سنجد هناك ”الحقيقة والجمال“ المشتركان لدى الجميع، واللذان من الممكن أن يتجاوزا الاختلافات في الخبرة وطباع كل شخص من الأشخاص.

وما نسميه الإلهام (الإلهام من الحدس) هو ليس ما يقوم ”العقل“ بحسابه واستخراجه، بل يشير إلى الفكرة التي تخطر على ”القلب = الجسد“ فجأة. وهذا ممكن بسبب اتصال العناية الإلهية للطبيعة العظمى التي تكون وراء ”القلب = الجسد“ بهذا ”الوريد الجوفي“. والأعمال الفنية والأدبية الرائعة، والاكتشافات والابتكارات في العلوم والأفكار العميقة أيضا، كانت جميعها أشياء عامة تم استخراجها والعبور بها من هذا الطريق.

وهكذا فإن حالة ”الوحدة“ تجعل من الممكن الاتصال بـ ”الوريد الجوفي“ الذي يكون أكثر إثراء من الاتصال بالأشخاص الآخرين سطحيا أو الدخول إلى المعلومات الموجودة بشكل مسبق. لذلك، لن يكون هناك خوف من الشعور بالضيق أبدا.

فإن لم يكن هناك ”وقت فراغ“ فلن يدخل الإنسان في حالة ”الوحدة“، وإن لم يكن هناك ”وحدة“ فلن يتم القيام بالحوار الثري في داخلنا. فحتى لو قمنا بشكل مستميت بالتواصل مع الأشخاص الآخرين من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها خوفا من ”وقت الفراغ“، فإن لم نتمكن من التواصل مع ذاتنا، فإن ذلك لن يتجاوز كونه ”انعزالا“ يحدث بسبب الانشغال بالهاتف الذكي، ولا يمكن إزالة الشعور بالفراغ والوحدة بشكل كامل. والسبب في الشعور بالفراغ لا يعود إلى ”عدم الاتصال بالناس“، بل يعود إلى ”عدم الاتصال بالذات“.

لذلك تحلى بقليل من الشجاعة وقم بالتقليل من ”تشتيت الانتباه“، وحاول أن تخلق ”وقت الفراغ“. وحاول أن تتحاور بهدوء مع الشخص الآخر الموجود في داخلك، من دون الخوف من ”الوحدة“. فإن قمت بذلك، فمن المؤكد أن حياتك ستبدأ بالتغير بما يتناسب معك، ولا يوجد شك في أنك ستجرب أقصى درجات السعادة التي ترتبط بالمعرفة الناتجة عن ”الوريد الجوفي“ يوما ما.

(النص الأصلي باللغة اليابانية. صورة العنوان الرئيسي والصور التوضيحية من أوكادا ميكا. تقديم الرسوم التوضيحية في داخل النص من إزوميا كانجي)

  • [12/04/2018]

طبيب نفسي وملحن. تخرج من كلية الطب في جامعة توهوكو. عمل في مستشفى سيوا التابع لمعهد أبحاث الأعصاب (هيئة اعتبارية) وغيره. سافر إلى فرنسا في عام 1999 للدراسة في المعهد الموسيقي إيكول نورمال في باريس، وبعد العمل كاستشاري تعليمي في مدرسة اليابانيين في باريس عاد إلى اليابان. افتتح في عام 2005 عيادة متخصصة بالعلاج النفسي (”عيادة إزومي“ طوكيو). له العديد من المؤلفات منها ”مرض اسمه ”العادي أفضل““، و”لا تجعلوا العمل هدف الحياة“.

مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع

المقالات الأكثر تصفحا

تغطية خاصة جميع المقالات

فيديوهات مختارة

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)