المواضيع طبيب نفسي ياباني يغوص في تجارب الحياة
ماهي الحلول الجذرية لمواجهة ظاهرة التغيب عن المدرسة في اليابان؟

إزومي كانجي [نبذة عن الكاتب]

[02/05/2019]

يتناول هذا التقرير رؤى نافذة جديدة عن ظاهرة التغيب عن المدارس الإعدادية اليابانية.

نظرة أكثر شمولية على المشكلة

لطالما كان التغيب عن المدارس قضية اجتماعية كبرى في اليابان. ولقد قدمت نتائج الدراسة الاستقصائية التي أجرتها مؤسسة نيبون عام 2018 نصائح مهمة لحل المشكلة.

على خلاف الدراسات الاستقصائية التي سبق تنفيذها بواسطة وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا، قامت مؤسسة نيبون بإجراء دراسة استقصائية عبر الإنترنت عن طريق طرح أسئلة مباشرة على الأطفال (بمن فيهم الذين يحضرون المدرسة بانتظام). وقد استطاعت هذه الدراسة تقديم صورة أوضح عن الغياب المدرسي من خلال تجاوز نطاق التعريف الذي حددته وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا، أي الأطفال الذين يتغيبون عن المدرسة لمدة 30 يومًا أو أكثر في السنة. وغطت أيضًا ما يمكن أن أصفه بالفيلق الاحتياطي لحالات الغياب: الأطفال الذين لم يتجاوزوا الحد الأدنى للغياب عن المدرسة المتمثل في 30 يومًا، والذين يذهبون إلى المدرسة ولكنهم يدرسون بشكل منفصل عن زملائهم في الفصل، أو الذين يأتون إلى الفصل ولكنهم يقومون بعمل مختلف أو يشعرون بعدم الرغبة في المشاركة، إلى جانب أولئك الذين تخفي مواظبتهم على الحضور ما يشعرون به داخلياً من نفور تجاه المدرسة. وجد هذا النطاق الموسع 330.000 طفلاً متضرراً، أو أكثر من ثلاثة أضعاف العدد المندرج تحت تعريف وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الضيق، مما يدل بوضوح على أن المشكلة أكثر خطورة مما كان يُعتقد في السابق.

إن الأسباب التي ذكرها الطلاب لتبرير عزوفهم عن الذهاب إلى المدرسة الإعدادية توضح الحالة الحقيقية لمشاعرهم المعقدة، التي تعذر العثور عليها في الإحصاءات السابقة. سأركز هنا على تحليل الإجابات لفحص الحالة النفسية لطلاب المرحلة الإعدادية في عالمنا المعاصر.

الفئات الخمس لأسباب التغيب عن المدرسة 

لقد تم تقديم أسباب متعددة لعدم الرغبة في الذهاب إلى المدارس الإعدادية، لكنني قمت بتصنيفها في الفئات الخمس التالية.

  1. المشاعر المكبوتة، كما يتضح في إجابات مثل: “لا أستطيع الاستيقاظ في الصباح”، “هذا يصيبني بالتعب”، “أشعر بالغثيان عندما أحاول الذهاب” و “حتى أنا أجهل السبب حقًا”. وعلى الرغم من عدم وجود إدراك لشعور عدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة، إلا أن النتيجة النهائية هي عدم القدرة على الحضور.
  2. وجود مشاكل مع الآخرين، ويظهر ذلك واضحاً من ردود مثل: “أنا لا أتواصل مع الطلاب الآخرين أو أساتذي (أساتذتي)”، “لا يمكنني الاعتماد على أستاذي (أساتذتي)” و “لا أشعر بالراحة في المدرسة”. وعلى الرغم من أن القضية الأساسية هنا هي ظاهرة التنمر، إلا أن هذه الفئة تضم تعريفاً أقل وضوحًا لما يشعرون به من عدم الارتياح.
  3. مشاكل مع الواجبات المدرسية. من بين تعليقات في هذه الفئة: “أنا لا أفهم الدروس”، ” لا يمكنني الحصول على درجات جيدة كما كان الحال في المدرسة الابتدائية” و “لا أريد إجراء الاختبارات”.
  4. المشكلات الوجودية مثل “لا أفهم لماذا يجب علي الذهاب إلى المدرسة” و”إنها مملة مقارنةً بالمدرسة الابتدائية.” ولعل السبب في شعور الطلاب بأن المدارس الاعدادية مملة هو عدم قدرتهم على الاقتناع بجدواها أو بالهدف من ورائها.
  5. هناك أيضاً بعض المشاكل الأخرى المتعلقة بالمدرسة، مثل: “أكره قوانين المدرسة” أو ” أنشطة النادي صعبة للغاية”. تختلف ردود الطلاب بشكل كبير على حسب أنواع القواعد التي تفرضها عليهم مدرستهم وعلى كثافة ومدة أنشطة النادي (مثل ممارسة الرياضة).

الحالة النفسية لطلاب المدارس الاعدادية

ومن خلال هذه الفئات، يمكننا ملاحظة الاتجاهات التالية. 

من بين جميع الطلاب الذين قاموا بالرد، بما في ذلك الطلاب الذين يحضرون المدرسة بانتظام، كانت أكثر الإجابات شيوعًا هي تلك التي تشير إلى المشاعر المكبوتة والتي تصنف في إطار الفئة الأولى أعلاه. ويعد هذا مؤشراً مفيداً على الحالة النفسية لطلاب المرحلة الاعدادية. من الناحية النفسية، فإن الكبت يعني كبح الأفكار حتى لا تصل إلى مستوى الوعي. في هذه الحالة، الفكرة هي “لا أريد الذهاب إلى المدرسة”. وبما أنها فشلت في الوصول إلى العقل الواعي، فإنها تكون عرضة لأن يتم التعبير عنها جسديًا، كبديل، في آلية تُعرف بالتجسيد. وهذا يؤدي إلى الشعور بعدم القدرة على الاستيقاظ في الصباح والإحساس بالمرض أو التعب المرتبط بالذهاب إلى المدرسة.

يحدث الكبت عندما يكون لدى الأطفال مشاعر واعية قوية بأنهم “يجب” أن يذهبوا إلى المدرسة و”لا ينبغي” لهم التفكير في الحضور بشكل سلبي. من المحتمل أن يكون هذا السلوك قد برز إلى الواجهة لأنه لم يُسمح لهم بقول “لا” منذ الصغر؛ وقد حملهم الوالدان والمعلمون على اتباع التعليمات بشكل سلبي.

وقدم برر بعض الأطفال عدم التحاقهم بالمدرسة لفترة طويلة بوجود مشاكل مع الآخرين أو مع الواجبات المدرسية، وهم المصنفون ضمن الفئتين الثانية والثالثة أعلاه، اللتين طالما تم اعتبارهما الأسباب الرئيسية للتغيب. الأطفال في المراحل المبكرة من المراهقة يهتمون كثيرًا بالطريقة التي يراهم بها الناس المحيطون بهم، وبالتالي فليس من المستغرب أن تكون  “العلاقات مع الآخرين” محوراً لإجابات العديد من الأطفال في تبريرهم لعدم الحضور. إنها مشكلة متعلقة بعملية النمو يصعب تجنبها.

بالنسبة للطلبة الذين يذهبون إلى المدرسة ويحضرون الدروس بشكل طبيعي مع زملائهم بينما يخفون رغبة داخلية في عدم الذهاب إلى المدرسة، فقد جاءت معظم إجاباتهم مندرجة تحت الفئة الرابعة، أي القضايا الوجودية. يُعد التشكيك في مغزى المدرسة الإعدادية أو الفائدة الأساسية من ورائها أمرًا شائعًا بين الأطفال الذين يصلون إلى مرحلة النضج العقلي مبكراً ويتسمون بدرجة عالية من التعمّق، سوف يبدأ أقرانهم الآخرون في التفكير في نفس المسألة لاحقًا: في المدرسة الثانوية أو الجامعة أو عندما يبدؤون العمل.

على الرغم من تشكيكهم في مغزى ما يقومون به، إلا أن هؤلاء الأطفال قادرون على أداء دورهم المتوقع منهم كطلاب يحضرون إلى المدرسة ويشاركون في الفصول الدراسية. ونظرًا إلى أنهم ماهرون في تحييد مشاعرهم الداخلية والتعامل مع متطلبات الحياة الطلابية، فمن غير المرجح نسبياً أن يذكروا في إجاباتهم المجموعة النهائية من الأسباب، أي، مشاكل محددة متعلقة بمدارسهم.

المعارضة اللاشعورية

حتى الآن، كانت التدابير الرامية إلى معالجة ظاهرة التغيب لفترات طويلة عن المدرسة تركز بشكل كبير على دعم التعامل مع التنمر وضعف الأداء الدراسي. وغني عن الذكر أن تلك القضايا ستظل مهمة. إلا أن تحليل التقرير الأخير يوضح الكبت النفسي بين الطلاب، وهو الأمر الذي لم يلق نصيبه من الاهتمام.

يبدأ الأطفال في تكوين هويتهم عندما يتعلمون أولاً قول “لا!” خلال “مرحلة الازدواجية الشديدة” حينما يستيقظ لديهم الشعور بالذات ويرفضون الانصياع بشكل سلبي لتعليمات الوالدين. يجب على الآباء والمربين تقدير هذا النوع من التحدي بشكل صحيح باعتباره علامة لنشأة الشعور الذاتي. هذه هي بداية العملية التي يبدأ الأطفال من خلالها تعلم كيفية التعبير عن أنفسهم.

في الوقت الحاضر، يدفع الحماس للتعليم المبكر الوالدين إلى ملء أوقات أطفالهم بالفصول الدراسية وغيرها من أنشطة التعلم خلال هذه المرحلة الحساسة من نموهم الذاتي وقد يتسبب هذا في إضعاف إحساسهم الناشئ بالذات، ويحولهم إلى شباب مطيعين ولكن بلا روح. غير قادرين على التعبير عن أنفسهم عن طريق التمرد، يبدو أن أطفال اليوم يميلون إلى عدم الحضور في المدرسة كشكل من أشكال المقاومة الاشعورية. ففي حالة الكبت التي يعيشونها، لا يمكنهم سماع أصوات قلوبهم.

لا شك أن الاتجاه نحو السلبية نابع منذ البداية من المنزل وقطاع التربية قبل أن يذهب الأطفال إلى المدرسة، لذا أعتقد أنه يجب علينا أن نعيد التفكير في كيفية تربية الأطفال حتى يتمكنوا من النمو بشكل طبيعي، وعلى جميع البالغين إعادة النظر بشكل فردي في قيمهم التي باتت تميل نحو الإدارة والسيطرة المفرطة.

(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية)

  • [02/05/2019]

طبيب نفسي وملحن. تخرج من كلية الطب في جامعة توهوكو. عمل في مستشفى سيوا التابع لمعهد أبحاث الأعصاب (هيئة اعتبارية) وغيره. سافر إلى فرنسا في عام 1999 للدراسة في المعهد الموسيقي إيكول نورمال في باريس، وبعد العمل كاستشاري تعليمي في مدرسة اليابانيين في باريس عاد إلى اليابان. افتتح في عام 2005 عيادة متخصصة بالعلاج النفسي (”عيادة إزومي“ طوكيو). له العديد من المؤلفات منها ”مرض اسمه ”العادي أفضل““، و”لا تجعلوا العمل هدف الحياة“.

مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع

المقالات الأكثر تصفحا

تغطية خاصة جميع المقالات

فيديوهات مختارة

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)