من نافذة مقهى ياباني تقليدي: حيث يلتقي عبق الماضي بنكهة الحاضر

مع كاماكورا.. عمارة تقليدية عمرها 220 عامًا تنتقل من أرض الثلوج إلى مدينة ساحلية مشمسة

لايف ستايل

يجمع مقهى «مع كاماكورا» (WITH KAMAKURA) في مدينة كاماكورا بين سحر العمارة اليابانية التقليدية ومتعة تناول الطعام المحلي، داخل مبنى أُعيد تشييده باستخدام أجزاء من ثلاثة بيوت زراعية تقليدية. ويقدم المقهى أطباقًا تستفيد من المكونات المحلية الموسمية، في تجربة تجمع بين أجواء المنزل الياباني العريق ونكهات المطبخ المحلي.

من شيراكاواغو إلى كاماكورا

”يُمثّل الحيّ المحيط بمحطة «هاسي» على خط «إينودان» وجهةً فريدة تتجاور فيها عراقة كاماكورا التاريخية مع بريق الشمس المتلألئ على صفحة البحر. وفي قلب هذا الحي، يستقبلُك مقهى «ويذ كاماكورا» في مبنى استثنائي أُعيد تشييده باستخدام أجزاءٍ من ثلاثة منازل تقليدية يعود تاريخها إلى زهاء 220 عاماً؛ نُقِلت من قرية «شيراكاواغو» الجبلية الشهيرة والمدرجة ضمن قائمة التراث العالمي. وقد أُعيد تجميعُ هذه المواد باتّباع أساليب البناء التقليدية ذاتها، لتُشكّل تصميماً ينسجمُ ببراعة مع أجواء ساحل «شونان» المشمسة.

وقد اخترتُ زيارة هذا المقهى لتناول وجبة الغداء والاستمتاع بإطلالةٍ هادئة على حديقته الغنّاء، قبل التوجه إلى ضريح «غوريو» القريب — أحد أكثر المعالم أُلفةً في المنطقة، والذي يُعتبر وفق التقاليد المحلية حارساً للحي منذ زهاء ألف عام. أصطحبكم معي في هذه الجولة الهادئة بين أزقة «هاسي»، حيث تتناغم العمارة التراثية مع سحر الطبيعة الساحلية وعمق التاريخ”.

اكتشاف سحر جديد في البيوت القديمة

”عقب الخروج من محطة «هاسي»، أسير لنحو خمس دقائق عبر ممر ضيق يمتد بمحاذاة خط «إينودان»، لأصل إلى ركن هادئ في الحي السكني، حيث يتجلى سقفٌ أملس بلون أخضر فاتح وشكل مثلث مميز. يستحضر هذا التصميم فوراً طراز أسقف «الغاشّوزوكوري» الشهيرة في «شيراكاواغو»، غير أن السقف هنا كُسي بألواح نحاسية بدلاً من القش التقليدي. كما تنفتح في المبنى نافذة نحوة الجنوب، تتراءى كأنها توحي للمارة بدفء بمقهى «ويذ كاماكورا».

وتجدر الإشارة إلى أن اختيار الألواح النحاسية لم يقتصر على البُعد الجمالي أو محاكاة المظهر القديم فحسب؛ إذ إن الأسقف القشية لا تُوفر الحماية الكافية من الحرائق بما يتناسب مع المعايير الحضرية، ناهيك عن صعوبة العثور على حرفيين متمرسين في فن تغطية الأسقف بالقش وصيانته التي أصبحت تمثل تحدياً مع مرور الزمن.

وفي مقابل غياب هذا العنصر التراثي، يستبق المبنى سمةً نادرة حتى في قرية شيراكاواغو ذاتها؛ إذ تبرز منه شرفة خشبية تمتد نحو حديقة غنّاء تحظى بعناية فائقة، لِتُشكّل مساحة انتقالية هادئة تتشابك فيها أصالة العمارة مع روعة الطبيعة”.

  يُضفي خضار الحديقة المتسلّل عبر النوافذ سكينةً تبعث الراحة في النفس. (© كاواغوتشي يوكو)
يُضفي خضار الحديقة المتسلّل عبر النوافذ سكينةً تبعث الراحة في النفس. (© كاواغوتشي يوكو)

”ما إن تجاوزتُ ستائر «النورِن» ودخلتُ المقهى، حتى وجدتُ نفسي في فضاء فسيح ومشرق تغمره الإضاءة الطبيعية المتدفقة من الحديقة الغنّاء التي يتسلل خضرتها الباهية عبر النوافذ. وتربض العوارض الخشبية المتينة في السقف كشاهدٍ صامت على تاريخٍ يمتد لنحو 220 عاماً، حين كانت تسندُ البيوت التقليدية وتحميها من ثلوج الشتاء القاسية.

وفي زاويةٍ تتوسطها مدفأة تعمل بالحطب، يتدلى من السقف إطارٌ مربع شبكي الشكل، معلّق بحبلٍ متين من القنب.

استكشاف النكهات المحلية

أرجأتُ فضولي لمعرفة سرّ هذا الإطار المعلّق إلى وقتٍ لاحق، وتفرغتُ لاختيار وجبة الغداء. توفر قائمة مقهى «مع كاماكورا» تشكيلة شهية من الوجبات المتكاملة التي توظف ببراعة المكونات الموسمية لـ منطقة «شونان». وتُقدّم «الوجبة الخاصة من مع كاماكورا» تنوعاً غنياً من المذاقات، حيث يتاح للزائر الاختيار بين شرائح «الهامبرغر ستيك» أو «السلمون» كطبق رئيسي، لتكتمل الوجبة بباقة من الأطباق الجانبية الصغيرة، من بينها أوتار لحم «هاياما» البقري المطهوة ببطء، إلى جانب السلطة والأرز وحساء «الميسو»”.

 تُعدّ الوجبة الخاصة للكافيه غنية بتشكيلة وافرة من المكونات المحلية الموسمية. وتُقدَّم وجبات الغداء من الساعة 11 صباحًا حتى 2:30 ظهرًا. (© كاواغوتشي يوكو).
تُعدّ الوجبة الخاصة للكافيه غنية بتشكيلة وافرة من المكونات المحلية الموسمية. وتُقدَّم وجبات الغداء من الساعة 11 صباحًا حتى 2:30 ظهرًا. (© كاواغوتشي يوكو).

”وقع اختياري على طبق السلمون، وسرعان ما قُدّم لي ليفوق كل توقعاتي؛ إذ أُحِضرت قطعة فيليه سخية الوفار. وما إن لامست عيدانُ الطعام جلدَها المقرمش المطهو على طريقة «التيبانياكي»، حتى أصدر قرقعةً شهية تبشّر بمتعة الطبق، لتتكامل التجربة مع الشذى الممتع والقوام الغني اللذين لا يقلان أهمية عن المذاق نفسه.

ويكتسب السلمون بعداً أعمق من نكهة «الأومامي» بفضل صلصة مركزة مُعدّة من الثوم الأسود المحمّص والفطر، ما يمنح الطبق مذاقاً متوازناً وشديد الغنى.

وفي هذا الصدد، يوضح أحد العاملين في المقهى أنهم يحرصون على تقديم وجبات بسيطة لكنها متقنة الصنع، تُبرز الجوهر الطبيعي الكامن في كل مكوّن. كما أن تغيّر عناصر الوجبات مع تعاقب الفصول يتيح للضيوف التمتع بنكهات موسمية متجددة طوال العام.

وجديرٌ بالذكر أنه فور انتهاء فترة الغداء، يتحول المقهى إلى ملتقى هادئ لتناول الشاي والقهوة، إلى جانب تشكيلة مميزة من الحلويات، مثل كعكة الجزر المتبلة وكعكة الآيس كريم بالماسكاربوني.

حلّ اللغز

شُيّد مبنى «ويذ كاماكورا» عبر تفكيك ثلاثة بيوت تقليدية في «شيراكاواغو» يعود تاريخها جميعاً إلى حقبة «إيدو» (1603–1868)، قبل نقل أجزائها وإعادة تركيبها في هيكل واحد بمنطقة «هاسي» نحو عام 1984.

وتعكس هذه التقنية براعة أساليب النجارة اليابانية الأصيلة التي تستغني تماماً عن المسامير لتثبيت الهيكل، بل تعتمد على نحت القطع الخشبية بفتحات وبروزات متداخلة تشتبك معاً بإحكام. وبفضل هذا الهندسة الفريدة، يمكن تفكيك المبنى ونقل أجزائه إلى مواقع بعيدة ثم إعادة تجميعها بدقة متناهية، كأنها أحجية ثلاثية الأبعاد عملاقة.”

 يتميز التصميم الداخلي بأجواء مريحة وهادئة، مع رحابة تمنح المكان إحساسًا بالاتساع. (© كاواغوتشي يوكو)
يتميز التصميم الداخلي بأجواء مريحة وهادئة، مع رحابة تمنح المكان إحساسًا بالاتساع. (© كاواغوتشي يوكو)

استُخدم المبنى بعد إعادة تجميعه كمطعمٍ لنحو 40 عاماً، قبل أن يتولى إدارةَ المكان مقهى «ويذ كاماكورا». ومنذ ذلك الحين، خضع التصميم الداخلي لتحديثات شاملة، وأُعيد تنسيق الحديقة مع تكثيف العناية بها؛ سعياً لابتكار مساحة تتناغم فيها أصالة العمارة اليابانية العريقة مع متطلبات الحياة المعاصرة، وفق ما أوضحه القائمون على المكان.

وبحسب أحد العاملين، نُفّذت أعمال التجديد على مراحل متأنية بعد دراسة دقيقة لتحقيق التوازن بين الهيكل التاريخي والتجهيزات الحديثة، إلى جانب تدعيم الأجزاء التي تطلب صيانة إضافية. وفي الوقت ذاته، حرص القائمون على صون العوارض الخشبية المتينة التي تميز بيوت «الغاشّوزوكوري»، للحفاظ على أريج الخشب والأجواء الأصيلة التي تمنح المكان روحه.

ومع ذلك، أتاح القائمون لأنفسهم هامشاً من الحرية لإعادة النظر في بعض التفاصيل الداخلية، كاختيار الأثاث وتنظيم مسارات الحركة؛ بغية توفير بيئة مريحة تلائم تطلعات الزوار المعاصرين دون الخروج عن الهوية التاريخية للمبنى.

أما الإطار المربع المعلّق الذي أثار فضولي في البداية، فقد اتضح أنه يُعرف باسم «هيدانا» (Hidana). وكانت هذه الإطارات تُعلّق تقليدياً فوق الموقد، ليتدلى منها حبلٌ من القنب يُستخدم لتعليق القدور فوق النار بوساطة خطاف قابل لتعديل الارتفاع يُسمى «جيزاي كاغي» (Jizai-kagi). ولم تقتصر وظيفة هذا الإطار على التقاط الشرر المتطاير وشظايا الحطب فحسب، بل كان يتعداها إلى أدوار عملية متعددة؛ كتعليق الأسماك والخضروات لتدخينها وحفظها، فضلاً عن تجفيف الأدوات والأواني المبللة.”

  كان الموقد جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، تجاوز دوره حدود التدفئة، إلى اللطهي وتدخين الطعام لحفظه لفترات طويلة، إلى جانب استخدامات أخرى. (© كاواغوتشي يوكو)
كان الموقد جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، تجاوز دوره حدود التدفئة، إلى اللطهي وتدخين الطعام لحفظه لفترات طويلة، إلى جانب استخدامات أخرى. (© كاواغوتشي يوكو)

إن رؤية مدفأة عصرية تعمل بالحطب تحت هيكلٍ ينبض بعبق الحياة في «شيراكاواغو» قبل نحو قرنين من الزمن، تبعثُ في النفس تأملاً عميقاً في تعاقب العقود وتداخل الماضي بالحاضر. لذا، أنصحُ كل زائر لمقهى «ويذ كاماكورا» ألا يفوت فرصة التطلع إلى الأعلى للبحث عن «الهيدانا»؛ إذ قد لا يسترعي هذا العنصر التراثي الدقيق الانتباه للوهلة الأولى، وهو يقبع بهدوء إلى جوار العوارض الخشبية المهيبة.

أما الطابق الثالث، الذي يرتقي إليه الزائر عبر درج شديد الانحدار، فيُستغل حالياً في إقامة الفعاليات؛ خلافاً لما كان عليه الحال في الماضي حين كانت بيوت «الغاشّوزوكوري» توظف ذلك الفراغ المثلث تحت السقف لتربية ديدان القز، حيث كان صوت أعدادها الغفيرة وهي تقضم أوراق التوت يُشبه في كثير من الأحيان بوقيع قطرات المطر. ولعل من الصعب ألا تستحضر مخيلتك هذه الصورة الشاعرية القادمة من غياهب الماضي وأنت تصعد نحو هذا الطابق، حيث ما يزال المكان يختزن شيئاً من أصداء الحياة التي دارت تحت تلك الأسقف قبل قرون.

 إطلالة من الطابق الثالث إلى الأسفل، حيث تبدو وحدة الإضاءة الممتدة في غاية الروعة داخل هذا الفراغ ذي السقف المقبب. (© كاواغوتشي يوكو) إطلالة من الطابق الثالث إلى الأسفل، حيث تبدو وحدة الإضاءة الممتدة في غاية الروعة داخل هذا الفراغ ذي السقف المقبب. (© كاواغوتشي يوكو)

أزقة هاسي الخفية

بعد أن استمتعتُ بوجبة الغداء على أكمل وجه، قررتُ التوجه نحو ضريح «غوريو». يُذكر أن هذا الضريح أُنشئ قبل زهاء 900 عام تخليداً لذكرى المحارب الشجاع «كاماكورا غونغورو كاغيماسا»، الذي كان من أوائل أسياد المنطقة المسهِمين في عمرانها؛ ولذا يطلق عليه السكان المحليون بكل مودّة اسم «غونغورو-ساما».

ومما يثير الدهشة أن خط قطار «إينودان» يمرّ بمحاذاة بوابة «التوري» الموصلة للضريح مباشرة، في مشهدٍ نادر يتداخل فيه قدسيّة المكان مع وتيرة الحياة اليومية. عبرتُ الممرّ الصغير لِأطأ الطريق المؤدي إلى الضريح، في تجربةٍ حميمية لا تهبها سوى أزقة «هاسي» الضيقة.

ختاماً، إن «الهيدانا» التي تختزن ذكريات الحياة العريقة في بيوت «الغاشّوزوكوري»، والشرفة الخشبية المطلة على الحديقة الغنّاء، والقطار الذي يكاد يلامس بوابة الضريح؛ كلها مشاهد تتجاور بانسجام في أزقة «هاسي» الخلفية، لتمنحها سحراً متجدداً مع تعاقب الفصول. ولا ريب في أن السير بين جنباتها في ذروة الصيف كفيلٌ بأن يوقظ في الوجدان أطياف ذكرياتٍ بعيدة لعطلات صيفية هادئة، حين كانت أيام هذا الفصل الأشد حرارة تبدو وكأنها تمتد بلا نهاية.

ويذ كاماكورا

  • العنوان: 3-7 ساكانوشيتا، كاماكورا، محافظة كاناغاوا
  • الهاتف: 0467-33-5521
  • ساعات العمل: من الساعة 10:00 صباحًا حتى 4:00 مساءً (آخر طلبات الطعام 2:30 ظهرًا، والمشروبات 3:30 عصرًا)
  • أيام الإغلاق: يُرجى التحقق من الموقع الرسمي
  • الوصول: على بُعد 5 دقائق سيرًا على الأقدام من محطة هاسي على خط سكة حديد إينوشيما الكهربائي
  • الموقع الرسمي: الموقع الرسمي لـ«ويذ» (باللغة اليابانية)

(نُشر النص الأصلي باللغة اليابانية في 4 أغسطس/آب 2026، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان الرئيسي: مقهى ”ويذ كاماكورا“، الذي شُيّد من خلال إعادة تجميع ثلاثة منازل تقليدية نُقلت من شيراكاواغو في محافظة غيفو)

الثقافة الشعبية الثقافة التقليدية الثقافة اليابانية