نسيان الدروس المستفادة من أولمبياد موسكو: دورة الألعاب الأولمبية في ظل السياسة

طوكيو 2020

تحت وطأة تفشي فيروس كورونا الجديد، توافق رئيس الوزراء شينزو آبي ورئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ على تأجيل دورة الألعاب الأولمبية التي كان من المقرر إقامتها في طوكيو لمدة عام واحد. ولكن فيما يعد استبعادًا مثيرًا للقلق، لم يشترك رئيس اللجنة الأولمبية اليابانية ياماشيتا ياسوهيرو في هذا القرار. على الرغم من أهمية أن يكون في مقدمة جهود البلد المضيف.

جدول زمني سياسي للألعاب من وضع الحكومة

في مساء يوم 24 مارس/ أذار، شارك أربعة أشخاص مع رئيس الوزراء الياباني في مقر إقامته في إجتماع جرى عبر الهاتف مع رئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ. وهؤلاء الأربعة هم موري يوشيرو، رئيس اللجنة المنظمة لألعاب طوكيو الأولمبية والبارالمبية، ومحافظة طوكيو كوئيكي يوريكو، وهاشيموتو سيكو الوزير المسؤول عن دورة الألعاب، وأمين مجلس الوزراء سوغا يوشيهيدي. وبصرف النظر عن السياسيين الأربعة الحاليين، فإن موري ليس مجرد عضوًا متقاعدًا في البرلمان، ولكنه أيضًا رئيس وزراء سابق. وبمجرد النظر لقائمة الحاضرين، يتضح أن الاجتماع على الأرجح كان ذا دوافع سياسية.

تم التوقيع عقد المدينة استضافة طوكيو كمكان لدورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2020 من قبل اللجنة الأولمبية الدولية وحكومة طوكيو م واللجنة الأولمبية اليابانية. وجرى لاحقًا إضافة اللجنة المنظمة لألعاب طوكيو الأولمبية والبارالمبية، بعد توقيع العقد، ثم ضمت كأحد أطراف الاتفاقية، مما رفع من عدد أطراف العقد إلى أربعة. وبما أن الحكومة اليابانية ليست طرفًا من تلك الأطراف ويفترض أن يقتصر تواجدها على لعب دورًا داعمًا فقط، فإن تدخل رئيس الوزراء المتمثل في السيطرة بشكل مباشر على المفاوضات الرئيسية ، من المفترض أن يشكل عادة إفراطًا في استخدام سلطاته.

وبعد أسابيع من المعارضة السياسية، تفرر تأجيل الألعاب أخيرًا حتى صيف عام 2021، ومن المقرر أن تقام الألعاب الأولمبية في الفترة بين 23 يوليو/ تموز إلى 8 أغسطس/ آب والألعاب البارالمبية من 24 أغسطس/ آب إلى 5 سبتمبر/ أيلول. وقام موتو توشيرو، الأمين العام للجنة المنظمة لألعاب طوكيو، الإعلان عن هذه المواعيد في مؤتمر صحفي. وقال ”هناك انتخابات جمعية طوكيو في يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز، وتنتهي فترة عضوية أعضاء الجمعية في 22 يوليو/ تموز. وسيكون من غير المناسب إجراء فعاليات البطولة قبل ذلك الحين“، مما يوضح الدوافع السياسية وراء هذا الجدول الزمني. وبالإضافة إلى ذلك، تنتهي فترة رئيس الوزراء آبي كرئيس للحزب الليبرالي الديمقراطي، وبالتالي كرئيس للوزراء، في سبتمبر/ أيلول من العام المقبل، مما أدى إلى تكهنات بأنه قد ينظر إلى انعقاد الألعاب الأولمبية كختام جيد لعمله بالسياسة.

إحباطات سابقة من دورة موسكو الأولمبية

هناك مثال سابق للجدل حول المزج بين السياسة والألعاب الأولمبية، وهو مقاطعة ألعاب موسكو الأولمبية عام 1980. بعد أن دعا الرئيس الأمريكي جيمي كارتر إلى مقاطعة الألعاب الأولمبية للاحتجاج على غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان، اتبعت العديد من دول الكتلة الغربية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا الغربية قراره. وفي النهاية، شاركت 80 دولة فقط بالألعاب.

وفي ذلك الوقت، كانت رابطة الرياضة اليابانية، تحت إدارة وزارة التعليم السابقة، وكانت اللجنة الأولمبية اليابانية مجرد جزء من الجمعية.  وكان دورها توزيع إعانات التدريب الحكومية على الاتحادات الرياضية الأعضاء في اللجنة الأولمبية اليابانية. وأصرت شخصيات مرموقة عالم الرياضة على وجوب مشاركة اليابان في دورة الألعاب الأولمبية في موسكو، ولكن في النهاية أدت تهديد الإدارة اليابانية الصديقة لأمريكا ورابطة الرياضة اليابانية بقطع الدعم دفعت أعضاء اللجنة الاولمبية اليابانية إلى التصويت بالمقاطعة.

لم يكن الرياضيون اليابانيون هم الوحيدون الذين شعروا بالإحباط من هذا التدخل السياسي. قام العديد من الرياضيين من دول الكتلة الغربية، مثل أولئك من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وأستراليا، بالمشاركة حاملين الراية الأولمبية بينما يعزف النشيد الأولمبي بدلًا من تلك الخاصة ببلدانهم. وكان هذا تعبيراً واضحاً عن الرغبة في إبقاء الرياضة مستقلة ومنفصلة عن عالم السياسة.

وبعد انتهاء دورة الألعاب، شعر الكثيرون في عالم الرياضة في اليابان بأن الوقت قد حان لتأسيس اللجنة الأولمبية اليابانية كمنظمة مستقلة، بمعزل عن أي تأثير السياسي. وفي عام 1989، تلقت اللجنة الأولمبية اليابانية إذن تأسيسها كمنظمة غير ربحية بميزانية مستقلة عن رابطة الرياضة اليابانية. وكان أول رئيس لها هو تسوتسومي يوشيئاكي، عملاق القطاع المالي ورئيس مؤسسة سيبو. تحت قيادة تسوتسومي، بدأت المنظمة تحرك واضح نحو الإدارة المستقلة، بمبادرات تجارية مثل حملة  ”غانباري! نيبون“ أو تشجيع اليابان، التي استخدمت الاعجاب الذي يحظى به الرياضيون في الإعلانات لكسب المال لتغطية تكاليف التدريب.

عودة النفوذ السياسي

ومع ذلك، أدى انهيار اقتصاد الفقاعة إلى قيام العديد من الشركات بحل فرقها الرياضية في أواخر التسعينات من القرن الماضي، مما أدى إلى تعطيل بطولات الشركات التي كانت الأساس التنافسي للعديد من كبار الرياضيين. ولاحقًا، جلبت الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008 هزة أخرى، وواجهت هياكل الدعم المالي للرياضيين تحديات أكبر. وفتحت تلك الظروف من عدم الاستقرار الباب مرة أخرى، لعودة التدخل السياسي إلى الرياضة.

وشكل عام 2005، نقطه التحول الحقيقية. فحتى بعد تقاعد تسوتسومي من اللجنة الأولمبية اليابانية، واصل رجل الأعمال ذو الشخصية القيادية، ممارسة التأثير على الأعمال الرياضية كرئيس فخري للجنة. وفي مارس/ أذار عام 2005، تم القبض عليه بتهمة انتهاك قانون تداول الأوراق المالية. وخسر بعد ذلك كل انجازاته مع اللجنة الأولمبية الياباني ، وشكل ذلك بداية تعثر مبدأ الإدارة المدنية المستقلة للجنة.

ثم، في أبريل/ نيسان، تولى موري يوشيرو رئاسة الرابطة اليابانية للرياضة. وكان رئيس الوزراء السابق رئيسًا لاتحاد الرغبي الياباني وعضوًا تنفيذيًا في اللجنة الأولمبية اليابانية. سرعان ما بدأ السياسيون الآخرون في الحزب الديمقراطي الليبرالي يتخذون مناصب على رأس الاتحادات الرياضية الوطنية المختلفة. اهتز العالم الرياضي حين أتى آسو تارو فجأة على رأس اتحادات رماية الأطباق الطائرة وكرة السلة، وتولى كونو يوهي رئاسة اتحاد ألعاب القوى، وتولى ياماساكي تاكو اتحاد لعبة السوفتبول أو الكرة اللينة، وتولى رئيس الوزراء آبي رئاسة اتحاد الرماية. في نهاية المطاف، بدأت الاتحادات الرياضية ترى أن وجود السياسيين في القمة يسر طرق الحصول على الدعم المادي من الحكومة المركزية.

وسرع يانصيب المجلس الرياضي الياباني اتجاه التحول نحو الإدارة السياسية. وبدأ بيع تذاكر اليانصيب القائمة على توقع الفائزين في مباريات الدوري الاحترافي باليابان في عام 2001 تحت إدارة المجلس الرياضي الياباني، وهي شركة إدارية مستقلة مرتبطة بوزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا. وكانت المبيعات بطيئة في البداية، ولكن مع طرح بيع بيغ تيكيت، أو التذكرة الكبيرة في عام 2006، التي تتيح إمكانية الفوز بجائزة مالية قدرها 600 مليون ين، ارتفعت المبيعات بشكل كبير. وسرعان ما توفر للمجلس التمويل الكافي.

وبهذا النفوذ الاقتصادي، اكتسب مجلس الرياضة الياباني الذي تديره الحكومة سلطة أكبر على عالم الرياضة. ومن عام 2015 مُنحت السيطرة الحصرية لتوزيع إعانات تكلفة التدريب على الاتحادات الرياضية الأعضاء في اللجنة الأولمبية اليابانية. لشهد دور الأخيرة المزيد من التراجع.

رياضيون دون ثقل

تم اختيار رئيس اللجنة الأولمبية اليابانية الحالي، ياماشيتا ياسوهيرو، لتمثيل اليابان في رياضة الجودو في دورة الألعاب الأولمبية في موسكو، واكتسب شهرة خاصة عندما ظهر في اجتماع المقاطعة الذي نظمته اللجنة الأولمبية وقتها ومطالبتها بالمشاركة، في موقف شاركه فيه المصارع الحاصل على الميدالية الذهبية تاكادا يوجي (الذي يشغل الأن منصب رسمي على رأس الاتحاد الياباني للمصارعة وعضو تنفيذي باللجنة الأولمبية اليابانية). ومع ذلك، فإن مطالبات الرياضيين اليابانيين مرت دون إكتراث، على خلاف بريطانيا والدول الأخرى التي شارك رياضيون منها في دورة موسكو الأولمبية.

ويبدو أن أصوات الرياضيون والاتحادات الرياضية قد جرى تجاهلها مرة أخرى، عند تأجيل الأولمبياد. فبينما كانت الإدارة تصر على أن الألعاب الأولمبية ستستمر كما هو مقرر، فإن ياماغوتشي كاووري، وهي عضوة في اللجنة الأولمبية الياباني، والتي قد سبق وأن مثلت اليابان ضمن فريق الجودو للسيدات في أولمبياد سيول، كانت العضو الوحيد الذي دعى جهرًا إلى التأجيل. وتجنب رئيس اللجنة، ياماشيتا أن ينحاز إلى جانب الاتحادات الرياضية، مكتفيًا بالتصريح بأنه من ”المؤسف للغاية“، أن يأتي هذا الجدل في خضم هذا العمل الشاق. وربما يبدو أن ”المؤسف للغاية“، قد يكون هو التعليق المناسب لرئيس اللجنة، الذي يبدو أنه نسي دروس موسكو، حين واصل الانصياع لإرادة الحكومة حتى النهاية بدلًا من اتخاذ موقفًا متحيزًا للرياضيين.

إن تباين الآراء بين أعضاء اللجنة الأولمبية الدولية والرياضيين الدوليين المطالبين بالتأجيل على مواقع التواصل الإجتماعي وأماكن أخرى، مشيرين إلى خطر انتشار الوباء، كان ملفتًا للنظر. وكان الصوت الرئيسي لتلك الحركة المطالبة بالتأجيل هو رئيس الاتحاد العالمي لألعاب القوى، سيباستيان كو، وهو عداء بريطاني أسطوري حصل على الذهب في سباق 1500 متر في ألعاب موسكو. وكتب كو رسالة إلى اللجنة الأولمبية الدولية قدم فيها بيانًا واضحًا بشأن ضرورة وضع الرياضيين وألعاب القوى أولًا، ”لا يمكننا عقد الحدث في جميع الأحوال، وبالتأكيد لا يجب أن يكون ذلك على حساب سلامة الرياضيين“.

مع استمرار اتساع نطاق الألعاب الأولمبية، ستزداد صعوبة استضافتها بدون دعم حكومي. ومع ذلك، مهما كانت الظروف، فمن الضروري أن تبقى الألعاب تحت سيطرة الرياضيين والمنظمات الرياضية.

إن الدور الأساسي للجنة الأولمبية الوطنية لكل بلد ليس فقط في اختيار الرياضيين الوطنيين للمشاركة في البطولات الرياضية. فيحدد الميثاق الأولمبي، مجموعة متنوعة من المسؤوليات المرتبطة بالألعاب، بما في ذلك تعزيز قيم الحركة الأولمبية، وتعليم الشباب، ودعم تطوير الرياضة للجميع، وتدريب الإداريين الرياضيين، والعمل ضد أي شكل من أشكال التمييز أو الإساءة في الرياضة، وضمان الامتثال مع المعايير العالمية لمكافحة المنشطات، وتدعم التدابير المتعلقة بالرعاية الطبية وصحة الرياضيين، وأمور أخرى كثيرة.

كما ينص الميثاق بوضوح على ما يلي ”يجب أن تحافظ اللجان الأولمبية الوطنية على استقلاليتها وأن تقاوم جميع الضغوط أي كانت، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الضغوط السياسية أو القانونية أو الدينية أو الاقتصادية التي قد تمنعها من الامتثال للميثاق الأولمبي“.

التخطيط في زمن كورونا

اتخذت إدارة آبي قرارًا سياسيًا بتأجيل الألعاب لمدة عام واحد. ويذكر الموقع الرسمي للجنة الأولمبية الدولية: ”لقد أوضح شركاؤنا اليابانيون ورئيس الوزراء أن اليابان لن تستطيع تأجيل الألعاب إلى وقت بعد الصيف المقبل على أقصى تقدير“. ولكن لا يمكن التنبؤ بتوقيت تراجع حدة الوباء. فماذا قد يحدث إذا لم يتم إحراز أي تقدم في تطوير اللقاح أو العلاج، ولم يشهد الوضع تحسنًا بحلول الصيف المقبل؟

ولا تزال الألعاب الأولمبية والبارلمبية المسيسة في طوكيو تواجه التحدي بعد الآخر، وأصبح من الواضح أن إدراتها بمعزل عن القيادة الرياضية، تلقي بغيوم متواصلة وتكتنفها بالغموض، مما ينعكس بآثار ضارة على انعقادها. ويتوجب على اللجنة الأولمبية اليابانية، بصفتها المنظم الرئيسي للألعاب، الاستجابة لأصوات الرياضيين. وستحتاج في سبيل ذلك، إلى الشجاعة لتأكيد استقلاليتها وإعادة بناء استقلالها ونفوذها.

(النص الأصلي باللغة اليابانية. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: موري يوشيرو، رئيس اللجنة المنظمة لألعاب طوكيو الأولمبية والبارالمبية، مع ياماشيتا ياسوهيرو، رئيس اللجنة الأولمبية اليابانية. جيجي برس)

طوكيو الرياضة الألعاب الأولمبية