القيادة الصينية تستعد لعصر ما بعد الكورونا!

سياسة

تقترب القيادة الصينية من الدخول في ”حرب تحمل“ قادمة في مواجهة فيروس كورونا باعتباره تهديدًا للأمن وحافزًا للتغيير العالمي كما يشير كامو توموكي المتابع للأوضاع الصينية.

بينما تكافح الحكومات في جميع أنحاء العالم مع جائحة كورونا أصبح نجاحها أو فشلها مؤشرًا لتقييم قدراتها على الحكم. ونتيجة لذلك تتعامل الأنظمة الاستبدادية مع أزمة الصحة العامة على أنها تحدٍ تتوقف عليه شرعيتها.

وكان نظام الرئيس الصيني شي جين بينغ أول من واجه التحدي. فبعد التعثر السيئ في استجابتها الأولية لتفشي الفيروس، حاولت بكين السيطرة على التفسيرات المتدوالة حول الأوضاع، متذرعة بتواجد ”القيادة القوية“ وراء ”الإنجازات الاستراتيجية الرئيسية في البلاد في مكافحة الفيروس“. وسيواصل قادة الصين بلا شك دعم وتجميل رواية الانتصار هذه كوسيلة لتعزيز هيبتهم وقوتهم. ومن المؤكد أنهم لم يحاربوا فيروس كورونا حقًا. ولكنهم قد استقروا فقط في المرحلة التالية من الجائحة وهي ”حرب التحمل“.

كيف تنظر القيادة الصينية إلى مكافحة فيروس كورونا في سياق تحدياتها المحلية والدولية الأوسع؟ للإجابة على هذا السؤال، قد يتطلب الأمر، إلقاء بعض الضوء على القضية الأكثر جوهرية في رؤية بكين لعالم ما بعد فيروس كورونا. وفي ما يلي أسعى لإلقاء الضوء على فهم النظام الحالي لتأثير الوباء وتداعياته على المستقبل، بالاعتماد بشكل أساسي على البيانات الصادرة خلال الدورة الثالثة للمؤتمر الشعبي الثالث عشرأو 2020 NPC التي عقدت في مايو/ أيار من هذا العام.

تحدي الفاعلين الشعبيين

من أجل فهم رؤية بكين لأزمة كورونا وتأثيرها على السياسة الداخلية، يجب أن نبدأ بسؤال جوهري: من هم اللاعبون الأساسيون المسؤولون عن التغلب على فيروس كورونا؟ وردت الإجابة في التقرير الخاص بعمل الحكومة الذي قدمه رئيس مجلس الدولة لي كي تشيانغ إلى المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني في 22 مايو/ أيار 2020.

ففي مناقشته لأزمة كورونا ينص تقرير عمل الحكومة مقدمًا على أن الأمين العام شي جين بينغ تولى بنفسه المسؤولية ووضع خطة المواجهة”. ويمضي في الإشادة بالتنسيق القائم من قمة الهرم وقاعدته للاستجابة من قبل الوحدات الخاضعة تحت إدارة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومجلس الدولة (كلاهما تحت قيادة شي جين بينغ). كما أثنى على نجاح “الحرب الشاملة التي خاضها الشعب ضد الفيروس” والتي جرت بالتعاون بين “ أشخاص من جميع أطياف المجتمع”، شمل العاملين في المجال الطبي والعسكريين والعلماء والباحثين.

وربما يكون الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو إدراج ”العاملين في المجتمع“ و ”المتطوعين“ بين الجهات الفاعلة التي ساهمت في هذه الحملة على مستوى المجتمع. وتجدر هنا الملاحظة أنه لم يرد ذكر مماثل في تقارير العمل الصادرة في مارس/ آذار 2004 ومارس/ آذار 2009 والتي توضح تفاصيل مواجهة تفشي مرض السارس (متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد) في عام 2003 وزلزال سيشوان عام 2008 على التوالي، على الرغم من أن الدراسات أظهرت أن المتطوعين لعبوا دورًا مهمًا في الاستجابة.

ويجسد العاملون المجتمعيون والمتطوعون المحليون الحوكمة في أبسط مستوياتها الشعبية. ولكن تنقسم الآراء حول مغزى وجود ذكر لهم في تقرير عمل الحكومة لهذا العام. فيقضي أحد الآراء بأن الإشارة لهم، هي مجرد توضيح لمساهمة أفراد الشعب بجميع طبقاته بأمانة، وأداء واجباتهم الموكلة إليهم بموجب نظام الحزب الواحد في الصين. ولكن يمكن تفسير ذلك أيضًا على أنه اعتراف بأن القيادة من أعلى إلى أسفل للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، بدعم من الحكومة الرسمية والجهاز العسكري لم يكن أداءها وحده كافيًا لاتمام مهمة السيطرة على الوباء. وبهذا المعنى يمكن اعتبار تقرير العمل الحكومي لعام 2020 بمثابة إقرار بأن سلطة الحزب لم تعد مطلقة.

وفي الواقع يعد التعاون من العاملين في المجتمع والمتطوعين وغيرهم من الفاعلين على مستوى القاعدة، المعروفين باسم شيهوي ليانغ أو ”القوى الاجتماعية“ في الصين، أمرًا محوريًا يتعلق بطبيعة سياسة الصحة العامة اللازمة للسيطرة على الوباء على مستوى المجتمع. وأزعم أن أزمة كورونا ، علّمت قيادة الحزب أنه لا يمكنها تجاهل هؤلاء الفاعلين على مستوى القاعدة إذا كانت ترغب في الحفاظ على بسط نفوذها. ولكن هذا الإدراك في حد ذاته يطرح معضلة أخرى. فمنذ أن اختارت الصين طريق ”الإصلاح والانفتاح“ في ثمانينيات القرن الماضي تواجه الحكومات المتعاقبة، الصراع المتأصل بين جهاز حكم متكتل ومركزي من أعلى إلى أسفل من ناحية، والتعددية الاجتماعية التي تشهد نموًا وتطورًا اقتصاديًا سريعًا من ناحية أخرى. وفي أحدث تقرير عمل حكومي يمكننا أن نرى شبح صراع دائم التعمق مع استمرار حرب التحمل ضد فيروس كورونا.

التحول من النمو إلى التوظيف أولًا

يشهد تقرير العمل الحكومي لشهر مايو/ أيار عام 2020 أيضًا وجود صراع هيكلي آخر.

فكما ورد على نطاق واسع، علق واضعو تقرير هذا العام الممارسة المعتادة لتحديد أهداف كمية للنمو الاقتصادي. وعلى سبيل التوضيح أوردوا، ”بلادنا ستواجه بعض العوامل في نموها والتي قد يصعب التنبؤ بها بسبب حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن جائحة كورونا، والبيئة الاقتصادية والتجارية العالمية“. ولكن بالنسبة للصين الشيوعية، يعد هذا الحذف، تغييرًا جوهريًا في شروط ”الاتفاق الضمني“ بين الحكام والمحكومين. فحتى الآن كان تحقيق أهداف النمو المتتالية أحد الإنجازات الرئيسية التي تدعم الحكم الاستبدادي للحزب الشيوعي الصيني. وأجبرت جائحة كورونا قادة الصين على السعي وراء تعزيز مكانتها عبر معيار آخر للنجاح الاقتصادي.

وفي تقرير العمل الحكومي لشهر مايو/ أيار 2020، يمكننا أن نلاحظ أن المعيار الجديد هو الوظائف الممكنة. ومن بين 89 هدفًا للتحسين نجد 31 هدفًا يتعلق بالتوظيف أو أوضاع الشعب المعيشية. وفي مؤتمره الصحفي مباشرة بعد اختتام المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني لعام 2020، أكد رئيس مجلس الدولة لي كي تشيانغ على هذا التحول في محور الاهتمامات. وصرح أن ”التوظيف هو الأكثر أهمية في حياة الناس“. ومن بين جميع التعليقات التي نشرها مستخدمو الإنترنت على موقع بوابة الحكومة الصينية فإن قرابة ثلثها كان يتعلق بالوظائف”.

ولكن الاستجابة للتوقعات المعقودة في هذا المجال، لن تكون بالأمر السهل. إذ يكمن التحدي في دعم التوظيف المستقر مع السيطرة في الوقت نفسه على فيروس كورونا. ويتطلب أحدهما زيادة النشاط الاقتصادي بينما يتضمن الآخر قيودًا على الحركة والاتصال بين الأشخاص. أي أن أكبر تحديين سياسيين يواجهان الحكومة هما في الأساس يتعارضان مع بعضهما البعض. ويجب أن يختلف تركيز السياسة باختلاف المكان اعتمادًا على الموقع الجغرافي ومستوى التحضر. وبهذه الطريقة أجبرت المعركة المستمرة ضد فيروس كورونا، قيادة الصين على تحويل تركيز سياستها من الحتمية الوحيدة الواضحة والشاملة للنمو الاقتصادي والتنمية، إلى الضرورات المعقدة والمتضاربة للتوظيف والسيطرة على فيروس كورونا.

أي أنه في السنوات القادمة ستحتاج القيادة الشيوعية إلى بناء قدرتها على التوفيق بين المصالح المتضاربة بين مختلف شرائح المجتمع إذا أرادت الحفاظ على حكم الحزب الواحد. وفي حالة الصين يجب أن يتضمن ”بناء القدرات“ بشكل طبيعي إجراءات لتشديد قبضة الحزب الشيوعى الصينى على المجتمع. وفيما يتعلق بالسياسة الداخلية تدرك بكين تمامًا التحديات والمخاطر المقبلة.

الاستعداد لإجراء تغيير القرن

دعونا الآن نحول تركيزنا إلى العلاقات الدولية ومسألة الأمن القومي. وكيف تنظر القيادة الصينية إلى التأثير المحتمل لكورونا على ميزان القوى العالمي؟

كان شي جين بينغ، قد صرح بوضوح في الاجتماع العام لوفد جيش التحرير الشعبي وقوات الشرطة المسلحة الشعبية خلال المؤتمر الوطني لنواب الشعب الصيني لعام 2020، عن ”التأثير العميق للوباء على المشهد العالمي وعلى أمن الصين وتنميتها أيضًا“. ثم دعا الجيش إلى ”التفكير في أسوأ السيناريوهات“وتحسين استعداده القتالي وأن يكون مجهزًا ”للتعامل مع المواقف المعقدة المختلفة في الوقت المناسب وبطريقة فعالة“.

ويجب تفسير هذه التعليقات في سياق الأفكار التي طرحها شي جين بينغ خلال السنوات العديدة الماضية، في ظل تلميحاته المتكررة إلى تحول وشيك في ميزان القوى العالمي وتغيير سيطرأ على النظام الدولي. وفي العامين الماضيين تحدث شي عن هذا التحول من منظور ”تغيير يحدث مرة واحدة في القرن“ سيجتاح الصين والعالم.

كما حذر من المخاطر الأمنية التي قد تصاحب مثل هذا التحول التاريخي. وفي كلمته أمام كبار المسؤولين على مستوى المقاطعة في جلسة دراسة للحزب الشيوعى الصينى فى يناير/ تشرين الثاني 2019، لفت شي الانتباه إلى التهديدات المتعددة لأمن الصين واستقرارها ودعا إلى درجة عالية من اليقظة ضد مخاطر ما يطلق عليه ”البجعة السوداء“، أو احتمال حدوث آثار ضخمة ناجمة عن حدث غير وارد وقوعه، باعتبارها تهديدات ذات احتمالية عالية ولكن يجري تجاهلها، بالتوازي مع ما يسمى مخاطر ”وحيد القرن الرمادي“، أي الآثار الجسيمة الناجمة عن حدث متوقع ولكن يجري تجاهله. ثم دعا إلى اتخاذ موقف دفاعي يهدف إلى تفادي الأزمات وإدارتها ونهج ”استراتيجي استباقي“ يهدف إلى ”تحويل الأزمات إلى فرص“.

وفي المؤتمر الوطني لنواب الشعب الصيني لعام 2020، تناول شي الموضوع هذه المرة، مؤكدًا التأثير المحتمل لفيروس كورونا على التغيير الذي يحدث مرة واحدة في القرن والتداعيات المحتملة على الأمن القومي الصيني.

كما ذكرت آراء شي جين بينغ بشأن البيئة العالمية المتغيرة والتهديد الأمني الذي تشكله على الصين لدعم الهدف الأخير المتمثل في نمو 6.6٪ في الإنفاق العسكري السنوي والذي تم الإعلان عنه خلال المؤتمر الوطني لنواب الشعب لعام 2020. وردًا على سؤال حول الزيادة في مؤتمر صحفي خلال الجلسة، بدأ المتحدث باسم وفد جيش التحرير الشعبي والشرطة الشعبية المسلحة باقتباس كلمات جي شين بينغ حول مبدأ الموازنة بين التنمية والأمن والحاجة إلى ”الاستعداد دائمًا للحماية من الأخطار المحتملة في وقت السلام “. وأوضح أنه ”عندما نضع ميزانية الدفاع يجب أن نأخذ العوامل الاقتصادية والأمنية بعين الاعتبار“ ثم تابع مستفيضًا في الحديث عن تفاصيل ”المخاطر والتحديات الجديدة“ التي تواجه الصين في مجال الأمن القومي.

ومما سبق يبدو واضحًا أن القيادة الصينية ترى خطرًا متزايدًا في مجال علاقات الأمن القومي، وبالمثل تمامًا في المجال المحلي.

هونغ كونغ كمثال؟

كما أشرت سابقًا كان على الحزب الشيوعي الصيني بعد أن قرر السير على طريق التنمية الاقتصادية التي تقودها المشاريع الحرة أن يتعامل مع الصراع المتأصل بين أوتوقراطية الحزب الواحد والمجتمع التعددي بشكل متزايد. وأدت أزمة فيروس كورونا الجديد إلى زيادة انعدام الأمن لدى قيادة الحزب فيما يتعلق بقدرتها على الإبحار في المياه الخطرة للسياسة المحلية في سياق هذا الصراع الأساسي. وفي الوقت نفسه فقد زاد من مخاوف بكين فيما يتعلق بالتحديات الأمنية للتغير العالمي المنتظر الذي يحدث مرة واحدة في القرن.

وفي مواجهة التحديات المتزايدة على الصعيدين المحلي والدولي دعت القيادة العليا في الصين إلى اتباع نهج ”استراتيجي واستباقي“ يهدف إلى ”تحويل الأزمات إلى فرص“. وحتى الآن لم تقدم أي وصف ملموس لنوع العالم الذي تتخيله على الجانب الآخر من حرب التحمل ضد فيروس كورونا والتغيير القادم مرة كل قرن. ومع ذلك إذا كانت سياسات بكين الأخيرة تجاه هونغ كونغ تمثل أي دلالة على رؤيتها لفترة ما بعد فيروس كورونا، فلا يمكننا أن نتوافق مع الطموحات الصينية لإنشاء نظام عالمي جديد.

(النص الأصلي باللغة اليابانية. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: عرض فيديو داخل عربات مترو أنفاق بكين يظهر الرئيس شي جين بينغ يترأس الحفل الختامي للدورة الثالثة من المؤتمر الشعبي الثالث عشر28 مايو/ أيار 2020. وكالة أنباء كيودو).

الصين الاقتصاد العلاقات اليابانية الصينية الحكومة اليابانية