تقييم الأوضاع وتحديد الطريق: أولمبياد طوكيو ومصير يشوبه الغموض

طوكيو 2020

من المفترض أن تكون دورة الألعاب الأولمبية بمثابة احتفالًا مبهجًا بالرياضة، لكن تأجيل الفاعليات وعدم اليقين بشأن كيفية إقامة مثل هذا الحدث الضخم وسط استمرار انتشار الوباء، أمرٌ قد ثبط العزائم تجاه دورة ألعاب طوكيو 2021.

دورة ألعاب مبسطة مسألة ليست بسيطةٌ على الإطلاق

لقد ازدهرت الألعاب الأولمبية من حيث الحجم والنطاق على مر السنين، مما أدى إلى دعوات لتقليص حجم الفاعليات، كتقليل عدد المنافسات والحد من الحضور الجماهيري في أماكن إقامة الحدث. وعلى إثر ذلك وعدت اليابان في البداية بتقديم ”الألعاب الأولمبية المدمجة“، ولكن ثبُت أن تنفيذ ذلك على أرض الواقع أمرٌ مستحيل، ومن المقرر الآن أن تكون دروة ألعاب طوكيو هي الأكبر على الإطلاق، حيث من المفترض أن تشهد 339 حدثًا في 33 رياضة مختلفة.

وفي أواخر يونيو/ حزيران من العام الحالي، اقترحت اللجنة المنظمة في طوكيو واللجنة الأولمبية الدولية على مختلف البلدان الأعضاء تخفيض الإنفاق على الألعاب. وعلى الرغم من أن الاقتراح المفصل لم يتم الإعلان عنه بعد، إلا أنه من المحتمل أن يشمل تقليل مسافة مراسم حمل الشعلة الأولمبية التي تتم بالعدو بالتتابع، وتقليص مراسم حفلي الافتتاح والختام، وتقليل مدد إقامة الرياضيين في القرية الأولمبية، والحد من الحضور الجماهيري في الفاعليات المقامة. بيد أن أيًا من هذه التوجهات لا تعتبر واقعية بالمرة.

ففي أحد المؤتمرات الصحفية الذي عقد في السادس من يوليو/ تموز، أوضح رئيس (TOC) اللجنة الأولمبية المنظمة لدورة الألعاب الأولمبية طوكيو 2020 موري يوشيرو، أن مسألة تبسيط أو تقليص حفل الافتتاح أمرٌ لن يجدى نفعًا على الإطلاق بسبب التزامات حقوق البث. فالاحتفال الأقصر وقتًا يعني وقتًا فارغًا في جدولة البث، وبموجب أحكام العقد مع محطات البث التلفزيوني، وهم الذين دفعوا مبالغ طائلة مقابل حقوق البث، ستخضع اللجنة الاولمبية المنظمة لغرامات مالية.

ومع ذلك، يجب وضع حد للحضور الجماهيري في حفل الافتتاح والمراسم الأخرى كجزء من إجراءات الوقاية من العدوى. وسيطالب الأفراد المرتبطون بالشركات التجارية الشريكة في الأولمبياد بجزء كبير من التذاكر. وانخفاض الحضور العام أو حتى الأماكن الخالية تماما من الجماهير سوف تعني تغطية إعلامية أقل، وبالتالي قيمة علاقات عامة أقل للرعاة. كما توجد عقبات أمام اختصار خط سير الشعلة الأولمبية. حيث يتم دعم مراسم عدو التتابع من قبل كبرى الشركات المحلية والأجنبية، ولا يمكن للجنة الأولمبية المنظمة وحدها أن تقرر تقليص أو تغيير المسار أو الجدول الزمني.

ومن المقرر أن تنتهي صلاحية معظم عقود الرعاة في نهاية هذا العام، على أن تبدأ قريباً مفاوضات تمديدها. ونظرًا للظروف الحالية، فإن اللجنة المنظمة ليست في وضع يُمكّنها من إملاء أية شروط جديدة.

وهناك أيضًا مجموعة من التحديات التنفيذية الأخرى. حيث يجب تحديد عدد الحضور مسبقًا بوقت كافٍ حتى تتمكن إدارة المكان من تحديد عدد المدرجات المؤقتة المطلوبة وتجهيز أفراد الأمن والمتطوعين المتواجدين على أرض الحدث والحافلات المخصصة لنقل الحضور من وإلى المواقع. كما سيؤثر عدد الحضور على حركة سير المطارات، بما في ذلك استقدام الموظفين المناسبين للتعامل مع الزوار القادمين والتعامل مع الأمور المتعلقة بمكافحة الإرهاب والإجراءات الأمنية المختلفة. وكذلك سيتعين تعديل الميزانيات والموارد الأخرى. إلا أنه أصبح من الواضح بشكل متزايد أن العمل على مثل هذه التفاصيل يتراجع في مواجهة الالتزامات التعاقدية العديدة التي تفرضها الألعاب.

عجز في الميزانية

من المتوقع أن تبلغ تكلفة دورة الألعاب الأولمبية (1,35) تريليون ين ياباني (حوالي 1,28 مليار دولار). وستقوم اللجنة الأولمبية بتغطية تكاليف ما يقدر بـ 603 مليار ين من إجمالي المبلغ (لا يشمل ذلك المبلغ الإضافي المقدر للطوارئ البالغ قيمتة 27 مليار ين)، وستقوم حكومة العاصمة طوكيو بتحمل 597 مليار ين، والحكومة المركزية بنحو 150 مليار ين. إلا أنه من المرجح أن يضيف التأجيل لمدة عام عدة مئات من مليارات الينات إلى التكلفة الإجمالية.

ومن ناحية المداخيل، تتوقع اللجنة الأولمبية أن تجلب مبيعات التذاكر 90 مليار ين، لكن الرقم الفعلي قد يكون أقل بكثير إذا أُقيمت الألعاب الأولمبية بدون جماهير. وتستدعي الترتيبات التعاقدية تدخل حكومة مدينة طوكيو لتعويض أي نقص في الميزانية، مع مسؤولية تقع على عاتق الحكومة المركزية لتعويض العجز في حالة عدم قدرة طوكيو عن الوفاء بالتزاماتها المالية.

ولقد استنفدت حكومة طوكيو بالفعل 90٪ من أموال الطوارئ في التعامل مع أزمة فيروس كورونا، وفي هذه المرحلة لم يتبق سوى 80,7 مليار ين. كما أنفقت الحكومة المركزية مبالغ طائلة على إجراءات مكافحة الفيروس التاجي، الأمر الذي خلق وضعًا بحيث ما لم يتم خفض النفقات لإبقاء الأولمبياد في حدود الميزانية، فقد يضطر دافعو الضرائب اليابانيون في نهاية الأمر إلى تحمل الفاتورة.

المشهد السياسي الداخلي

مما يزيد من حالة عدم اليقين على نحو متزايد هو المناخ السياسي المحلي غير المستقر. حيث يتوقع بعض النقاد أن رئيس الوزراء شينزو آبي، الذي أضعفته الفضائح السياسية المتتالية، سوف يدعو إلى انتخابات عامة لمجلس النواب في الخريف. وإذا تم إلغاء الأولمبياد نهائيًا، فلن يمكن التكهن بحجم الأضرار التي ستلحق بإدارته. ووفقًا لطريقة تفكير آبي، فكلما استطاع حل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات، كلما كان ذلك أفضل، لأن هذا من شأنه أن يحد من الوقت الذي يتعين على أحزاب المعارضة فيه شن هجومهم. وعلاوة على ذلك، ونظرًا لمشاركة شخصيات بارزة في الحزب الحاكم في الحكومة الجديدة، فمن المرجح أن تعطي نتائج الانتخابات مؤشرًا على مصير الألعاب الأولمبية.

ولو رجعنا إلى الوراء عدة سنوات، لوجدنا أن الألعاب الأولمبية كانت بمثابة العصا التي يتكئ عليها آبي طوال مشوار ولايته. ففي عام 2013، عندما تم منح طوكيو شرف استضافة الألعاب الأولمبية في جلسة اللجنة الأولمبية الدولية في بوينس آيرس، قام بتهدئة المخاوف بشأن الكارثة التي وقعت في محطة فوكوشيما دايئتشي للطاقة النووية بإعلانه للعالم أن الوضع في المحطة المتوقفة ”تحت السيطرة“ ثم في عام 2016، احتل عناوين الصحف العالمية بمظهره الدرامي خلال الحفل الختامي لأولمبياد ريو دي جانيرو عندما ظهر مرتديًا زي شخصية لعبة الفيديو الشهيرة (سوبر ماريو) التي أصدرتها شركة (نينتندو).

ومع تفاقم انتشار الوباء خلال فصل الربيع، كان آبي هو السَبَّاق في اتصال هاتفي مع رئيس اللجنة الأولمبية الدولية (توماس باخ) دعا من خلاله لتأجيل الأولمبياد إلى صيف عام 2021. وبالنظر إلى أن فترة آبي كرئيس للحزب الليبرالي الديمقراطي، وبالتالي فترته الرئاسية كرئيس للوزراء، ستنتهي في سبتمبر/ أيلول 2021، يعتقد الكثيرين في الأوساط السياسية أنه يعتبر الألعاب الأولمبية بمثابة مسك الختام.

وفي غضون ذلك، تضاءل حماس سكان طوكيو تجاه الألعاب الأولمبية بشكل ملحوظ. ففي انتخابات محافظ طوكيو التي جرت في الخامس من يوليو/ تموز الماضي، دعا اثنان من المرشحين البارزين إلى إلغاء الأولمبياد تمامًا، بينما اقترح آخرون تأجيلها لمدة تتراوح ما بين عامين إلى أربعة أعوام أخرى. لكن هذه القضية لم يكن لها تأثير يذكر على الناخبين الذين أعادوا انتخاب (كويكي يوريكو) المحافِظة الحالية بأغلبية ساحقة. وتشير استطلاعات الرأي التي أجرتها الصحف إلى أن أقل من نصف سكان طوكيو يريدون إقامة الألعاب الأولمبية الصيفية المقبلة. ومثل هذه التداعيات المتمثلة في نقص الحماسة بين مواطني المدينة المضيفة هو أمر تتابعه اللجنة الأولمبية الدولية عن كثب.

وفي مقابلة صحفية بمسقط رأسه في أستراليا، صرح (جون كوتس)، رئيس لجان التنسيق والشؤون القانونية باللجنة الأولمبية الدولية والتي تشرف على مدى جاهزية طوكيو، بأن شهر أكتوبر/ تشرين الأول سيكون فترة حرجة للجنة الأولمبية الدولية لتقييم ما إذا كانت الألعاب الأولمبية ستقام في الصيف المقبل أم لا. وهو البيان الذي صدم معه المنظمين اليابانيين، الذين كانوا في حاجة ماسة لإنقاذ الألعاب، الأمر الذي دعاهم بسرعة لوضع اقتراحًا بنسخة مبسطة من الأولمبياد.

وعندما تم الإعلان عن التأجيل، تعهد آبي بإقامة الألعاب الأولمبية ”بشكل كامل“، متجاهلاً حقيقة أن اللجنة الأولمبية الدولية قد تستخدم سلطتها لاتخاذ قرار بإلغاء الألعاب على أية حال. وكان الهدف من تقديم خطة بديلة لعقد نسخة مصغرة تأجيل القرار النهائي من خلال إعطاء اللجنة اقتراحًا جديدًا للنظر فيه.

سيل من الرياضيين المتقاعدين

ودفع تأجيل الأولمبياد عددًا من كبار الرياضيين إلى التقاعد. حيث أعلن لاعب الرغبي (فوكوكا كينكي)، الذي كان من المتوقع أن ينافس مع المنتخب الياباني في منافسات الرغبي، اعتزاله من أجل بدء دراسته بكلية الطب. وهو الذي كان له الفضل في حصول (Brave Blossoms) (الزهور البواسل – اللقب الذي يشتهر به المنتخب الياباني–) على النقاط الحاسمة في كأس العالم للرغبي 2019، حيث قرر أنه لا يستطيع الانتظار لمدة عام آخر لإنهاء مسيرته في الملاعب.

كذلك قامت لاعبة المنتخب الياباني للكرة الطائرة للسيدات، (شينّابى ريسا)، بإنهاء مسيرتها، معربة بعد تعرضها لسلسلة من الإصابات عن عدم ثقتها في قدرتها على البقاء في أفضل حالة بدنية لخوض غمار المنافسة في عام 2021. وكانت (شينّابى) عضوًا في الفريق الحائز على الميدالية البرونزية في أولمبياد لندن 2012.

وبالمثل قرر (سوطومورا تيتسويا)، لاعب الترامبولين وصاحب المركز الرابع في أولمبياد بكين 2008، إيقاف مسيرته. حيث قال أنه وصل إلى أقصى حدود قدراته الجسدية والعقلية في اللعبة، وأن البيئة التنافسية المتغيرة بشكل كبير نتيجة انتشار فيروس كورونا جعلت من الصعب عليه الصمود لمدة عام آخر.

ويعتقد وزير الأولمبياد السابق (إندو طوشيأكي)، والذي يشغل الآن منصب نائب رئيس اللجنة الأولمبية المنظمة، أن القرار النهائي بشأن إقامة الألعاب سيُتخذ في مارس/ آذار 2021، وهي وجهة نظر تضعه على خلاف مع (كوتس). مع عدم وجود رؤية واضحة تبزغ في الأفق، الأمر الذي ترك الرياضيين في حيرة من أمرهم.

هل يمكن خوض منافسات الأولمبياد بجماهير محدودة العدد؟

لا توجد أية بشائر على انحسار الوباء، ومن المتوقع حدوث موجة ثانية من العدوى خلال الأشهر الأخيرة من العام الحالي. وفي ظل هذه الظروف، من غير الموجح أن تخفف اليابان قيودها الحالية على الدخول إلى البلاد في أي وقت قريب.

ويتسابق الباحثون في جميع أنحاء العالم لتطوير لقاح لفيروس كورونا. وأحد التطورات الأخيرة هو إعلان الباحثون في مشروع مشترك بين شركة الأدوية العملاقة (أسترا زينيكا) وجامعة أكسفورد بأنهم على الطريق الصحيح لإنتاج ملياري جرعة من اللقاح بحلول نهاية العام. وستستورد اليابان نسخة مركزة لتصنيع اللقاح للاستخدام المحلي، لكن لا أحد يعرف عدد الأشخاص الذين يمكن تلقيحهم بحلول الصيف المقبل. وسيكون اختبار الفيروس عاملاً رئيسيًا في تحديد ما إذا كان بإمكان الألعاب الأولمبية المضي قدمًا بشكل واقعي أم لا، ولكن من غير الواضح أيضًا كيف سيتم إجراء مزيج من اختبارات الـ (PCR) (بي سي آر) والأجسام المضادة والمستضدات.

وباستثناء وجود تطوير ناجح للّقاح، يبدو أن الخيار الوحيد سيكون في تقليل أعداد الجماهير. وعلاوة على ذلك، ونظرًا لإغلاق الحدود ومتطلبات الحجر الصحي، قد يكون أحد الخيارات هو قصر الجمهور على المقيمين في اليابان فقط.

وفي أحد المؤتمرات الصحفية بعد جلسة اللجنة الأولمبية الدولية التي عقدت في السابع عشر من يوليو/ حزيران، قال (باخ) إن إقامة الألعاب الأولمبية بحضور جماهيري محدود هو أحد الخيارات التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار. وعلى الرغم من إضغافه للتكهنات القائلة بأن الألعاب الأولمبية قد تقام خلف الأبواب الموصدة أو أن حفل الافتتاح قد يتم تقليص حجمه، إلا أنه معروف بالواقعية، ويبدو أنه يفكر مليًا في إمكانية المضي قدمًا مع فكرة تقليل أعداد الجماهير.

وتوصف الألعاب الأولمبية بأنها مهرجان يحتفل بالسلام العالمي من خلال الرياضة. وحتى لو كانت مدرجات الجماهير فارغة، فإن القيم الأساسية ودور الحركة الأولمبية ستبقى دون تغيير. وإذا تم الاتفاق على إقامة فاعليات الألعاب في شكلٍ مبسط، فيمكن أن يلتف العالم معًا مجتمعين عبر شبكة الإنترنت من خلال تكنولوجيا المعلومات لخلق طريقة جديدة للاحتفال بالرياضة. ولكن للأسف لا أحد في حالة مزاجية تسمح له بالاحتفال في الوقت الراهن، ولا يمكن لأحد أن يتكهن متى ستنقشع الغيوم لتسمح بنفاذ شعاع الضوء معلنًا انكشاف الغمة.

(النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية، الترجمة من اللغة الإنكليزية. صورة الموضوع: النصب التذكاري للحلقات الأولمبية في حي أودايبا بطوكيو. وكالة كيودو الإخبارية)

طوكيو الرياضة الألعاب الأولمبية