النشاط السياسي للرياضيين أحد أهم تحديات أولمبياد طوكيو

طوكيو 2020

خرجت لاعبة التنس المحترفة أوساكا ناومي بسبب نشاطها في حركة ”حياة السود مهمة“ عن تقليد امتناع الرياضيين اليابانيين عن التحدث علنًا عن القضايا الاجتماعية. قبل أولمبياد طوكيو، تحتاج الهيئات الحاكمة إلى إعادة التفكير في كيفية التعامل مع احتجاجات المتنافسين والنظر فيما إذا كان الوقت قد حان لتعديل الميثاق الأوليمبي.

عصر الاحتجاجات

من الطبيعي أن تمتلك أوساكا ناومي جرأة أكبر من الرياضيين اليابانيين الآخرين في الدعوة إلى نبذ العنصرية. فهي ولدت في اليابان لأب من هايتي وأم يابانية، وانتقلت إلى الولايات المتحدة عندما كانت في الثالثة من عمرها حيث شاهدت بنفسها التمييز العنصري ضد السود في المجتمع الأمريكي. يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أن موقفها هذا يتماشى مع نبرة الرياضة الأمريكية. كما يزعم الكثيرون أنها أصبحت أكثر جرأة على الصعيد السياسي بعد توقيع اتفاقية رعاية مع شركة تصنيع الأدوات الرياضية الشهيرة نايكي في عام 2019. ويبدو أيضا أن هناك حادثة تتعلق بلاعب كرة قدم أمريكية كان لها تأثير كبير على موقف ناومي.

في أغسطس/ آب 2016، تسبب كولين كايبرنيك، نجم الوسط في فريق سان فرانسيسكو 49، في إثارة ضجة من خلال الركوع على ركبة واحدة أثناء النشيد الوطني الأمريكي للاحتجاج على العنصرية. ألهمت تصرفات كايبرنيك الرياضيين الآخرين ”للركبتين“، وشجعتهم على الإعلان عن رفضهم للعنصرية من خلال القيام بنفس الحركة ”الركوع“، مما أثار حفيظة الرئيس دونالد ترامب الذي اقترح طرد هؤلاء اللاعبين بدعوى عدم احترامهم للنشيد الوطني.

ومع نهاية موسم 2016 انتهى عقد كايبرنيك وأصبح من حقه الانتقال إلى أي نادي أخر دون الحاجة إلى دفع أي مقابل مادي لناديه القديم، وعلى الرغم من هذا لم يتلق كايبرنيك أي عرض من أي نادي أخر للانضمام إليه.  وفي عام 2018 عرضت شركة نايكي صورة لـكايبرنيك الذي كان قد مُنع فعليًا من لعب كرة القدم، في إعلان مصحوبًا برسالة تقول ”عليك أن تؤمن بشيء، حتى لو كان ذلك يعني التضحية بكل شيء“.

وبعد الضجة الكبيرة التي أثارها إعلان كايبرنك، أصدرت شركة نايكي إعلان أخر مثير للجدل، ولكن في هذه المرة كانت أوساكا ناومي هي بطلة الإعلان.

يصور الإعلان التلفزيوني ناومي وهي تمارس تدريباتها بينما يحيط بها الصحفيون من كل اتجاه منهالين عليها بوابل من الأسئلة، ثم تركز الكاميرا على وجه ناومي التي تبدو ممتعضة من إلحاح الصحفيين، ثم تضع سبابتها على شفتيها في إشارة إلى الصحفيين لكي يكفوا عن الكلام، ثم تضرب الكرة بمضربها بقوة قبل أن تظهر على الشاشة عبارة ”لا تغير نفسك، بل غير العالم“.

الرسالة الموجهة للمشاهدين من كلا الإعلانين هي أن الرياضة يمكنها أن تتجاوز الحدود العرقية والجنسية. ويبدو أن شركة نايكي استطاعت رفع قيمة علامتها التجارية بشكل كبير جداً عن طريق استخدام الرياضيين كوسيلة للتعبير عن مبادئ الشركة، وذلك على عكس الشركات اليابانية التي تميل إلى تجنب الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة مثل التمييز العنصري.

مشكلة عالمية

إن قضايا التمييز العنصري ليست مقتصرة على الولايات المتحدة وحدها. فلا تزال حوادث الإهانات العنصرية التي تنهال من المدرجات على اللاعبين من أصحاب البشرة السوداء شائعة جدًا في مباريات كرة القدم الأوروبية. وحتى هنا في اليابان في السنوات الأخيرة شهد الدوري الياباني لكرة القدم للمحترفين حالات تمييز عنصري، مثل حادثة عام 2014 التي علق فيها أنصار نادي أوراوا ريدز لافتة عند مدخل المدرجات كتب عليها ”لليابانيين فقط“، مما دعا اتحاد الكرة الياباني الى توقيع عقوبة اللعب بدون جمهور على نادي أوراوا الذي خاض مباراته التالية على أرضه أمام مدرجات فارغة، وهو ما يعني خسارة الإيرادات. وهذه ليست هي الحالة الوحيدة، هناك العديد من حالات التمييز الاخرى، مما يدعم الانطباع بأن التعصب يترسخ تدريجيًا في الرياضة اليابانية. فلم تعد العنصرية مجرد مصدر قلق للهيئات الرياضية في البلدان الأخرى، إنها شيء يحدث هنا أيضًا.

يمتد تاريخ التمييز العنصري في الرياضة اليابانية إلى فترة ما قبل الحرب. الحالة الأكثر شهرة هي لعدائي الماراثون الكوريين سون كي تشونج ونام سونج يونج اللذين شاركا في ماراثون أولمبياد برلين عام 1936 كممثلين عن اليابان عندما كانت شبه الجزيرة الكورية تحت الحكم الياباني. بدأت المشكلة خلال حفل الافتتاح عندما اصطف اللاعبين خلف علم اليابان واستعدوا للسير في طابور واحد لتحية الجمهور، حينها تذمر أحد لاعبي سلاح الفرسان الياباني قائلاً ”لماذا يتقدم هؤلاء الكوريين موكب اليابان“، هنا تدخل أوشيما كينكيتشي ”الذي أصبح فيما بعد قائد الفريق الياباني لألعاب القوى في أولمبياد طوكيو عام 1964“ حيث وبخ لاعب سلاح الفرسان على تصرفه وأخبره انهما أيضاً يابانيين والجميع هنا من أجل نشر قيم السلام وليس من أجل نشر العنصرية. هناك أيضاً رواية تقول إن أوشيما انفعل علي اللاعب بشدة وقال له ”إذا كان الأمر لا يروق لك، من فضلك أترك هذا المكان فوراً“.

وخلال هذه الأولمبياد استطاع سون ونام الكوريين الفوز بالميداليتين الذهبية والبرونزية على الترتيب بصفتهما لاعبين يابانيين. ولكن صحيفة Donga-A Ilbo الكورية نشرت صورة اللاعبين فوق منصة التتويج مع إزالة رمز الشمس من العلم الياباني بجانبهما ليبدو كأنه مجرد راية بيضاء، على الفور قامت السلطات اليابانية بمصادرة هذا العدد من الصحيفة، وأغلقت المؤسسة الصحفية مؤقتاً، كما أودعت الصحفي المسؤول السجن.

بعد الأولمبياد استمر نام في المشاركة في سباقات الماراثون حيث ظهر في ماراثون بوسطن على سبيل المثال، لكن سون لم يعد إلى اللعب مجدداً خوفًا من أن تؤدي مشاركته إلى نشوب صراع عرقي بين اليابانيين والكوريين. ومع ذلك لم ينس أبدًا شجاعة أوشيما في برلين، وظل الرجلان صديقين حتى بعد الحرب. وفي سيرته الذاتية Ā Gekkeikan ni Namida ”دموع تحت إكليل الغار“ كتب سون ”علمني أوشيما قيمة الصداقات الدولية في الرياضة“.

المحرمات الرياضية

يثير الحادث السؤال حول كيفية تعامل الرياضيين اليابانيين اليوم مع قضايا مماثلة للتمييز العنصري أو العرقي. يمكن للناس بسهولة التعبير عن آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما يميل الرياضيون اليابانيون إلى البقاء صامتين بشأن هذا النوع من القضايا الحساسة. من المحتمل أن ينبع هذا التحفظ من الفكرة اليابانية العميقة الجذور المتمثلة في إبقاء الرياضة والسياسة منفصلين مثل المثالية اليابانية المتمثلة في التفاني في الرياضة مع استبعاد كل شيء آخر.

يمكن العثور على مثال على التأثير السلبي لخلط الرياضة والسياسة في قرار اللجنة الأولمبية اليابانية بمقاطعة أولمبياد موسكو 1980، وهي خطوة نابعة من خضوع الحكومة اليابانية للولايات المتحدة. حينها ضغطت الحكومة على اللجنة الأولمبية لمقاطعة الألعاب من خلال التلميح إلى أنها ستوقف منح التدريب الوطنية إذا رفضت اللجنة المقاطعة ذات الدوافع السياسية. لا يزال هذا الحدث جرحاً مؤلمًا في جسد المجتمع الرياضي الياباني. لكن يبدو أن إرث العبث السياسي لم يكن كافيًا لاستفزاز الرياضيين والهيئات الحاكمة لشجب الحكومة المركزية التي اختطفت أولمبياد طوكيو وحولتها إلى مشروع وطني. لقد التزموا الصمت بنفس القدر بشأن تحديات ضمان صحة وسلامة المشاركين خلال جائحة الفيروس التاجي، مفضلين ترك الحكومة واللجنة المنظمة للسيطرة على مجريات الأمور.

أعتقد أنه لا ينبغي للرياضيين اليابانيين التهرب من مشاركة وجهات نظرهم، عليهم أن يسيروا على خطى نظرائهم في البلدان الأخرى الذين يتخذون مواقف نشطة بشأن القضايا الاجتماعية. للرياضيين تأثير كبير على الرأي العام، ويتعين على المتنافسين في اليابان اتخاذ موقف بشأن قضايا التمييز العنصري والعرقي.

الروح الحقيقية للميثاق الأولمبي

من السهل أن نتخيل أن يؤدي النشاط السياسي للرياضيين إلى اضطرابات عديدة. و كإجراء وقائي تنص القاعدة 50 من الميثاق الأولمبي على أنه ”لا يُسمح بأي نوع من المظاهرات أو الدعاية السياسية أو الدينية أو العرقية في أي مواقع أو أماكن أو مناطق أولمبية“ فهناك احتمال حقيقي بأن يتم استغلال الرياضيين لتحقيق غايات سياسية من قبل الدول التي تسعى إلى ممارسة هيبتها الدولية.

ولكن مع اكتساب حركة حياة السود مهمة زخمًا كبيرًا، ظهرت دعوات متزايدة من جميع أنحاء العالم لإزالة القاعدة 50 من الميثاق. فعند زيارة اليابان لأول مرة في أكتوبر/تشرين الأول، أعرب رئيس ألعاب القوى العالمية سيباستيان كو عن دعمه لحقوق الرياضيين في الركوع على ركبة وحدة على منصة التتويج، قائلاً ”إن الرياضيين جزء من هذا العالم، ويجب أن تترك لهم حرية التعبير“.

أعتقد أنه بدلاً من تأطير العنصرية كقضية سياسية، يجب أن ننظر إليها على أنها إهانة لحقوق الإنسان العالمية، وينبغي على العالم بأسره العمل على القضاء عليها. نحتاج إلى مناقشة هذه المسألة بالرجوع إلى المادة 6 من المبادئ الأساسية للميثاق، والتي تنص على أن الحقوق والحريات المنصوص عليها في الوثيقة مضمونة ”دون تمييز من أي نوع“.

يواجه العالم خطرًا متزايدًا في أن يصبح أكثر انقسامًا حيث تدفع ضغوط العولمة الدول إلى حماية مصالحها، كذلك القيود المفروضة على السفر بسبب جائحة الفيروس التاجي حدت من حركة الناس بشكل كبير. هل يمكن للأولمبياد أن تساعد على حل الخلافات بين الأمم؟ آمل أن يعيد العالم النظر في الأهمية الحقيقية للأولمبياد كمنتدى لقبول تنوع الآخر من خلال الرياضة.

(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية، صورة العنوان: أوساكا ناومي ترتدي كمامة كتب عليها اسم جورج فلويد خلال مقابلة في بطولة الولايات المتحدة المفتوحة في سبتمبر/ أيلول 2020. غيتي/ كيودو)

طوكيو الرياضة الألعاب الأولمبية الحكومة اليابانية