سائقو الشاحنات هم جنود المجتمع المجهولون في اليابان

لايف ستايل

أدى انتشار عبارة ’’شحن مجاني‘‘ في كل مكان إلى ظهور جيل من المستهلكين يفترض أنه إذا لم يتمكنوا من الحصول على شيء ما مجانا، فلا ينبغي لهم الشراء على الإطلاق. تتناول هذه المقالة الحقيقة القاسية وغير المرئية وراء راحة المستهلكين.

اليابان هي موطن القول المأثور ’’الزبون بمثابة إله‘‘. ابتكر هذا القول مغني قصائد الإينكا مينامي هاروؤ في عام 1961 عندما قال إنه سعى لتقديم أداء لجمهوره في حالة نفسية هادئة، كما لو كان يصلي للإله. وفي حين أن هذا التصريح حظي بالإشادة لتواضع مينامي باعتباره فنانا، إلا أنه مع ظهور ’’كليمر (كلمة يابانية تعني العميل المتعجرف)‘‘ في أواخر الثمانينات أصبحت العبارة تستخدم بمعنى أوسع: ’’كل شيء مباح للزبائن‘‘.

ومع ترسخ فكرة أن جميع الأعمال يتم تنفيذها بهدف إرضاء العميل على نطاق واسع، يسعى الكثير من العمال اليابانيين للتفوق على منافسيهم عبر إرضاء الزبائن. وهذا يتطلب منهم تحمل المضايقات من العملاء، ما يؤدي بدوره إلى الإرهاق الجسدي والعقلي. ولا أحد يعاني أكثر من سائقي الشاحنات.

يتم نقل أكثر من 90% من الشحنات المحلية في اليابان بواسطة الشاحنات، ما يعني أن النقل بالشاحنات جزء لا يتجزأ من كل قطاع تقريبا وأن معظم المنتجات التي نراها من حولنا تُنقل بواسطة الشاحنات. وبسبب جائحة كوفيد-19 أصبح يُطلق على السائقين لقب ’’عمال أساسيين‘‘ إلى جانب المتخصصين في الرعاية الصحية. ولكن على الرغم من تمكن السائقين من إثبات أهمية دورهم أخيرا، إلا أنهم لا يحظون إلا بالقليل من الاحترام بشكل يدعو للدهشة، كما أن حقيقة ظروف عملهم غير معروفة على نطاق واسع.

الحقيقة وراء الشحن المجاني

هناك مثالان واضحان على كيفية وقوع سائقي الشاحنات تحت رحمة هوس اليابان برضا العملاء وهما: أوقات التسليم وإعادة التسليم. يمكن في اليابان للمستهلكين تحديد وقت التسليم الذي يناسبهم، واختيار الوقت الأكثر ملاءمة من اليوم لاستلام الطرد. ولكنهم غالبا لا يفكرون بأي شيء فيما يتعلق بالإخلال بالتزامهم تجاه شركة الشحن من خلال عدم عودتهم إلى المنزل في الوقت المحدد. يكون آخرون في المنزل عند وصول عامل التوصيل لكنهم يتظاهرون أنهم خارج المنزل، ويسوقون حججا بأنهم كانوا يطبخون ولم يتمكنوا من ترك الموقد في ذلك الوقت أو أنهم لم يكونوا قد وضعوا المكياج. في حين أن آخرين يتسمون بالوقاحة الكافية للاتصال بمكتب الشحن البريدي لتقديم شكوى من أن قرع جرس الباب وقت قيلولة أطفالهم أيقظهم من النوم.

يتعين على مالكي شاحنات النقل تحمل تكلفة إعادة إرسال الطرود البريدية (الحقوق بيكستا).
يتعين على مالكي شاحنات النقل تحمل تكلفة إعادة إرسال الطرود البريدية (الحقوق بيكستا).

إن أي طرد لم يُسلم في المرة الأولى يخضع تلقائيا لعملية إعادة توصيل، ولا يخجل بعض المستهلكين من إجبار شركات الشحن على القيام بمحاولات متعددة لإعادة التوصيل. انتشرت مؤخرا كالنار في الهشيم تغريدة موجهة إلى بائع تجزئة كبير عبر الإنترنت من قبل عميل شعر بالإهانة من ملاحظة تركها عامل التوصيل بعد ثلاث محاولات لتسليم الطرد تقول بغضب ’’كن هنا عندما تقول أنك ستفعل!‘‘. وعلى الرغم من أنني لا أدافع عن فظاظة عامل التوصيل في الملاحظة التي كتبها، إلا أنني أستطيع أن أفهم كيف يمكن للشخص الذي قام بتسليم 200 طرد -في الوقت المحدد- في يوم واحد، مع بقائه طوال الوقت في خوف دائم من تلقي مخالفة مرورية بسبب توقف شاحنته أثناء التوصيل، أتفهم سبب انفجاره غضبا بعد ’’الوقوف‘‘ عدة مرات بسبب الزبون ، فهل هو ’’إله‘‘ أم لا. كما أن إعادة تسليم الطرود تؤدي أيضا إلى إهدار الوقود، وهي مصاريف يتعين على المالك/المشغل تحملها بنفسه، وتؤثر بشكل كبير على صافي الأرباح في هذه الأيام التي ترتفع فيها أسعار الوقود.

يتفاقم الاعتقاد بأن العميل على حق دائما بسبب انتشار الشحن المجاني. وفي حين أن الترويج للمنتجات عن طريق توفير ’’شحن مجاني‘‘ أمر شائع في الخارج أيضا، إلا أن هوس اليابان بإرضاء العملاء تسبب في أن تأخذ العبارة معنى جديدا. عادة ما تستخدم الإعلانات عبارة ’’شحن مجاني‘‘ لأن المستهلكين يتلقونها بشكل إيجابي أكثر من عبارة ’’تكلفة الشحن ضمن السعر‘‘ أو ’’نحن ندفع تكلفة الشحن‘‘. ولكن عندما ينفصل ’’الشحن المجاني‘‘ عن الواقع، ينسى العملاء أن تسليم الطرود يكلف بالفعل مالا وأن السائقين موجودون بالفعل، لذلك لم يعودوا يشعرون بالذنب حيال إعادة تسليم طرودهم. نتيجة لذلك يشعر الكثير من سائقي شاحنات التوصيل أن وظائفهم ليست محل تقدير، على الرغم من الانحناء لإرضاء عملائهم. إن الإجابة على عبارة ’’شحن مجاني‘‘ تنطوي على أكثر مما يدركه الناس.

تعويضات باهظة عن خدوش عرضية للصناديق

لكن الشاحنات تحمل أكثر من الطرود التي يتم إيصالها للمنازل. يقوم الكثير من سائقي الشاحنات بنقل البضائع من المصانع ومراكز التوزيع إلى محلات السوبر ماركت والعملاء التجاريين الآخرين. وعلى عكس عمال التوصيل، نادرا ما يتفاعل هؤلاء السائقون مع المستخدم النهائي. لذلك على الرغم من حقيقة أن هؤلاء السائقين يؤمّنون بنية تحتية اجتماعية مهمة، لا يُعرف سوى القليل عن قسوة ظروف عملهم. عندما يتصدر سائقو الشاحنات لمسافات طويلة عناوين الأخبار الرئيسية، فعادة ما يكون ذلك بسبب شيء سلبي، مثل مخالفة وقوف السيارات أو خرق لقواعد السلوك.

غالبا ما تنتقد ممارسة إراحة القدمين على عجلة القيادة أثناء فترات الراحة باعتبارها سلوكا سيئا، إلا أنها وسيلة لتخفيف عناء التعب بعد ساعات من القيادة (حقوق الصورة هاشيموتو آيكي).
غالبا ما تنتقد ممارسة إراحة القدمين على عجلة القيادة أثناء فترات الراحة باعتبارها سلوكا سيئا، إلا أنها وسيلة لتخفيف عناء التعب بعد ساعات من القيادة (حقوق الصورة هاشيموتو آيكي).

بالنسبة لأولئك السائقين الذين يوصلون الشحنات بين الشركات، فإن العميل الأكثر أهمية هو المرسل. تشكل الشاحنات يوميا طوابير طويلة خارج المصانع والمستودعات في انتظار استلام البضائع أو تسليمها. لا يسمح بالتسليم قبل أو بعد الوقت المحدد. وإنما هناك نهج في الإنتاج بهدف العمل بكفاءة يعرف باسم نهج ’’في الوقت المناسب‘‘ وهو يحتم على السائقين تسليم ما هو مطلوب فقط، عند الحاجة إليه.

يصل بعض السائقين في الوقت المحدد، ولكنهم يتكبدون ساعات طويلة من الانتظار لأن السائق السابق لم ينته من التفريغ، أو لأن المستلم لم يكن مستعدا لاستلام البضائع. وفقا للسائقين الذين قابلتهم حتى الآن، يتجاوز وقت الانتظار القياسي 21 ساعة! على الرغم من هذا الوضع، فإن الأطراف التي ترسل الشحنات تكاد لا توفر مواقف سيارات أو أماكن انتظار لهؤلاء العمال المهمين.

بعد انتظارهم الطويل، يُطلب من السائقين تحميل أو تفريغ الشحنات التي يوصلونها وأداء المهام المرتبطة بها. يضطر السائقون أحيانا إلى تفريغ آلاف السلع يدويا أو وضع الملصقات أو التحقق من عمليات التسليم أو حتى وضع البضائع على الرفوف. والمثير للدهشة أن هذه المهام غالبا ما تكون غير مدفوعة الأجر.

تحميل أو تفريغ الشحنات أيضا عمل قاس (حقوق الصورة لهاشيموتو آيكي).
تحميل أو تفريغ الشحنات أيضا عمل قاس (حقوق الصورة لهاشيموتو آيكي).

إن جعل السائقين ينتظرون والحاجة إلى أداء مهام مرتبطة بالشحن، هي أيضا أسباب مباشرة لساعات العمل الطويلة لسائقي الشاحنات. من السهل القول ’’إذا لم يعجبك العمل، فلا تقم به‘‘، ولكن في اليابان باعتبار أن العميل بمثابة ’’إله‘‘ فإن رفض مثل هذا الطلب سيكون سببا في أن يقال لك ’’إذا لم تفعل ذلك، فإن سائقا آخر سوف يفعل‘‘ ويتم تسريحك على الفور.

أحد الأمثلة على جنون مبدأ ’’الزبون دائما على حق‘‘ هو مطالبات التعويض عن الأضرار التي تلحق بصناديق التعبئة. يصر بعض المرسلين على إعادة الشحنات إذا تعرضت صناديق التعبئة لأضرار طفيفة، حتى لو كانت المحتويات خالية من العيوب. وفي كثير من الحالات، يطلب المرسل أيضا تعويضا من السائق بالإضافة إلى إعادة الشحنة.

غالبا ما يؤدي حدوث تلف للصناديق إلى مطالبات تعويض، حتى لو كانت المحتويات غير تالفة (حقوق الصورة لهاشيموتو آيكي).
غالبا ما يؤدي حدوث تلف للصناديق إلى مطالبات تعويض، حتى لو كانت المحتويات غير تالفة (حقوق الصورة لهاشيموتو آيكي).

يمكن أن تصل مطالبات التعويض إلى مئات الآلاف من الينات، ما يجعلها مشكلة بالغة الأهمية تهدد سبل معيشة السائقين. والأسوأ من ذلك هو العملاء الذين يجبرون السائقين على دفع تعويضات ولكنهم يحتفظون بالبضائع، ومنطقهم الشنيع هو أن البضائع إذا بيعت بسعر منخفض عبر تطبيق ’’سوق السلع المستعملة‘‘، فلن يتمكن العميل من بيعها بالسعر الاعتيادي. إن الصناديق في النهاية عبارة عن تغليف لا أكثر، وعند نقل الشحنات المعبأة لمسافات طويلة من المستحيل تجنب حدوث خدش عرضي. وبالتالي فإن مهاجمة السائقين لهذا السبب أمر غير عادل بشكل استثنائي.

دفعت الجهود المبذولة لوقف انتشار كوفيد-19 في السنوات الأخيرة لتزايد عدد المستهلكين المطالبين بترك شحناتهم أمام أبواب منازلهم أو وضعها في صندوق تسليم الطرود. وفي حين أن هذه الطريقة تجعل عمليات التسليم أكثر كفاءة، إلا أنها تعني أيضا تفاعلا أقل مع عامل التوصيل، وهناك مخاوف من أن يؤدي هذا التوجه إلى تفاقم مسألة عدم إدراك أهمية العمال الذين يوصلون المشتريات التي تتم بنقرة واحدة إلى أمام أبواب العملاء، ما يجعل قطاع التوزيع ذي الأهمية الكبيرة أقل تقديرا من قبل أولئك الذين يتمتعون بفوائده.

’’هل أصبحنا غير مرئيين؟‘‘ هذا هو السؤال الذي يطرحه السائقون الذين يضطرون بسبب الوعد بتوصيل السلع مجانا إلى تقديم تضحيات جسدية ومالية ونفسية. وإذا كان الزبائن بمثابة ’’آلهة‘‘ حقا، فيجب أن يكونوا أفضل في فهم مشاعر السائقين.

(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية بتاريخ 9 يونيو/حزيران 2022. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: ينام الكثير من السائقين في شاحناتهم طوال الليل (حقوق الصورة لهاشيموتو آيكي).

المجتمع الياباني الشركات اليابانية الحكومة اليابانية