«لن تطفئ نار المحرك الدوَّار».. لماذا أعادت مازدا إحياء محركها الفريد من نوعه في عصر تسارع التحول إلى السيارات الكهربائية؟

تكنولوجيا

أعادت مازدا، التي كانت الشركة الوحيدة في العالم التي تنتج سيارات ذات محركات دوارة بكميات كبيرة، إحياء هذه التكنولوجيا النادرة لأول مرة منذ حوالي 11 عامًا. ولكن مع التقدم السريع في التحول إلى السيارات الكهربائية في جميع أنحاء العالم، لماذا تجرؤ على خوض تحدٍّ مع تكنولوجيا كان يُعتقد أنها أصبحت شيئًا من الماضي يا ترى؟ في هذه المقالة سنقوم باستكشاف أهداف مازدا، مع إلقاء نظرة على تاريخ تطور المحركات الدوارة.

إعادة إحياء المحرك الدوار الجديد في السيارات الهجينة

الإعلان عن عودة مازدا لاستخدام المحرك الدوار في سيارتها ”MX-30 R-EV“ يعتبر حدثًا كبيرًا. العودة إلى هذا النوع من المحركات بعد فترة طويلة من الانقطاع يُظهر التزامهم بالتطور التقني والاستدامة. أطلقت مازدا سيارة مزودة بمحرك دوار لأول مرة منذ حوالي 11 عامًا منذ انتهاء إنتاج السيارة ”RX-8“ في عام 2012. واسم طراز السيارة الجديدة هو ”MX-30 e-SKYACTIV R-EV“ (يُشار إليها أدناه باسم ”MX-30 R-EV“). هذه السيارة التي تمتاز بمحرك دوار قد تكون تحفة هندسية في مجال السيارات وقد تشكل نقلة نوعية في مفهوم الأداء والكفاءة في السيارات الكهربائية.

عُرفت مازدا بأنها شركة السيارات الوحيدة الذي تطور سيارات تعمل بمحركات روتاري على مرّ عقود، وتعتبر هذه المحركات واحدة من أكثر المحركات المحبوبة في عالم السيارات، نظراً لتميزها عن غيرها بقوتها الهائلة وأدائها العالي داخل هيكل خفيف الوزن، وبأجزاء أقل حركة من محركات البنزين التقليدية.

سيارة ”MX-30 e-SKYACTIV R-EV“ التي تم إصدارها في 16/11/2023. يتراوح سعرها بين 4,235,000 ين و4,917,000 ين. © مازدا.
سيارة ”MX-30 e-SKYACTIV R-EV“ التي تم إصدارها في 16/11/2023. يتراوح سعرها بين 4,235,000 ين و4,917,000 ين. © مازدا.

تبدو تقنية السيارة ”MX-30 R-EV“ مثيرة ومتقدمة. باستخدام محرك دوار كمولد لتوليد الطاقة الكهربائية، يمكن أن يتيح ذلك للسيارة أداءًا أكثر فعالية وكفاءة. بدلاً من الاعتماد المباشر على المحرك الدوار لدفع العجلات، يتيح النظام هندسيًا توليد الطاقة الكهربائية لتغذية محرك كهربائي. يُعَدّ هذا النهج شائعًا في سيارات الهجين القائمة على البطاريات.

ويُطلق على السيارة التي تعمل بهذا النظام عمومًا اسم ”سيارة هجينة تسلسلية“، ومن أمثلة السيارات التي تم تسويقها تجاريًا بالفعل سيارة ”e-power“ من نيسان وسيارة ”e:HEV“ من هوندا وغيرها. (سيارة ”e:HEV“ ليست سيارة هجينة تسلسلية فقط، بل لديها وضع قيادة يقوم فيه المحرك بتحريك العجلات مباشرة).

ولكن أكثر ما يميِّز سيارة ”MX-30 R-EV“ هو استخدامها محركًا دوارًا ”مثلث الشكل“ يقوم بالدوران لتوليد القوة المحركة، وليس محركًا تردديًا يولد القوة المحركة من خلال الحركة الترددية للمكبس كما هو الحال في سيارتي ”e-power“ و”e:HEV“. ومن إحدى مزايها الأخرى هي أنها مزودة ببطارية ذات سعة كبيرة، مما يجعلها سيارة هجينة يمكن استخدامها مثل السيارة الكهربائية.

وهناك سبب وراء اعتماد مازدا للتكنولوجيا المتطورة المتمثلة في النظام الهجين التسلسلي المزود بمقبس خارجي ”MX-30 R-EV“

من مساوئ المحركات الدوارة عمومًا انخفاض الكفاءة في استهلاك الوقود، بالإضافة إلى احتواء غاز العادم الخاص بها على كمية كبيرة من الهيدروكربونات (HC). وفي الوقت الحالي الذي أصبح يتم فيه التركيز على القضايا البيئية أكثر من أي وقت مضى، فإن هذه المساوئ في المحرك الدوار تُعتبر قاتلة، ويُعتقد أنها كانت السبب في قرار الشركة بوقف الإنتاج بكميات كبيرة للسيارات المجهزة به في عام 2011.

سيارة ”RX-8“ التي تم بيعها حتى ربيع عام 2013. أصبحت آخر سيارة رياضية مجهزة بمحرك دوار. © مازدا.
سيارة ”RX-8“ التي تم بيعها حتى ربيع عام 2013. أصبحت آخر سيارة رياضية مجهزة بمحرك دوار. © مازدا.

ومن خلال الجمع بين نظام المحرك الدوار ونظام المحرك الهجين التسلسلي المزود بمقبس خارجي، تمت التغطية على مساوئ الكفاءة الحرارية وغاز العادم. ووصلت السيارة الجديدة أخيرًا إلى الأسواق.

ولكن لماذا بذلت مازدا كل هذه الجهود لإحياء المحرك الدوار يا ترى؟

صعوبات في تسويق المحركات الدوارة تجاريًّا

قامت مازدا بإنتاج المحرك الدوار، والذي كان يُطلق عليه في الماضي اسم ”محرك المستقبل“، بكميات كبيرة لأول مرة في عام 1967. ويُقال إن سيارة ”كوزمو سبورت“ التي تم إصدارها في ذلك الوقت هي ثاني سيارة ذات محرك دوار يتم إنتاجها بكميات كبيرة في التاريخ، بعد سيارة ”إن إس يو وانكل سبايدر“ التي أصدرتها الشركة الألمانية ”إن إس يو“ في عام 1964.

وفي عام 1961، شكلت مازدا تحالفًا تكنولوجيًا مع شركة إن إس يو التي كانت متقدمة في تطوير المحركات الدوارة، وحصلت على التكنولوجيا الأساسية منها. ولكن على عكس إن إس يو، التي سرعان ما تخلت عن الإنتاج بكميات كبيرة للمحركات الدوارة بسبب سلسلة من المشاكل، فقد تغلبت مازدا على العديد من الصعوبات، واستمرت في تقديم المحركات الدوارة إلى العالم لما يقرب من نصف قرن.

وعلاوة على ذلك، وبما أن هاتين الشركتين هما الوحيدتان اللتان قامتا بإنتاج سيارات مزودة بمحركات دوارة بكميات كبيرة، فليس من المبالغة القول إن مازدا هي فعليًّا الشركة الوحيدة المصنعة للسيارات التي قامت بتسويق المحركات الدوارة تجاريًّا.

ويُطلق على المحرك الدوار لشركة إن إس يو بشكل عام اسم ”محرك وانكل“ نسبة إلى مخترعه، ولكننا في هذه المقالة نستخدم الاسم الذي استخدمته مازدا، ألا وهو ”المحرك الدوار“.

سيارة ”كوزمو سبورت“ التي صدرت في عام 1967. كان لها شكل مستقبلي في ذلك الوقت، وظهرت أيضًا في برنامج الخيال العلمي ”ألترامان العائد“. © مازدا.
سيارة ”كوزمو سبورت“ التي صدرت في عام 1967. كان لها شكل مستقبلي في ذلك الوقت، وظهرت أيضًا في برنامج الخيال العلمي ”ألترامان العائد“. © مازدا.

فما هي الصعوبات التي واجهتها مازدا في عملية تسويق المحرك الدوار يا ترى؟

يُقال إن المشكلة الأكثر خطورة في المراحل الأولى من عملية التطوير كانت ظهور علامات التآكل بسبب الاحتكاك.

وعلامات التآكل هي أنماط متموجة تحدث على جدار المبيت الداخلي للمحرك الدوار، والذي يعادل الأسطوانة في المحرك الترددي، بعد فترة معينة من الاستخدام. ويُقال إنها أصبحت التحدي الأكبر في ضمان متانة المحرك الدوار.

وللتغلب على ذلك قامت مازدا بتدابير مضادة مثل استخدام مادة كربونية ذاتية التشحيم في الختم العلوي للمحرك الدوار (يعادل حلقة المكبس في المحرك الترددي) الذي يضمن إحكام إغلاق غرفة الاحتراق، والعمل مع الشركات المصنعة للزيوت لابتكار طرق تشحيم جديدة، وإضافة طلاء الكروم الصلب إلى الجدار الداخلي لمبيت المحرك الدوار.

وبالإضافة إلى ذلك، قامت بإدخال التحليل الحاسوبي في وقت مبكر في عام 1963 من أجل توضيح الاهتزازات داخل المحرك التي تسبب حدوث علامات التآكل.

وهكذا راكمت مازدا مجموعة متنوعة من المعرفة فيما يتعلق بالمواد، ومعالجة الأسطح، وتحليل الاهتزازات، وتحليل الاحتراق وغيرها من الأمور الأخرى. وقامت بوضع الأساس لتكنولوجيا تطوير المحركات ذات المستوى العالمي التي لا تزال مازدا تمتلكها حتى اليوم.

وما جلبه المحرك الدوار لمازدا لم يكن فقط تراكم القدرات التكنولوجية. حيث لعب المحرك الدوار دورًا مهمًا في نمو مازدا لتصبح ”شركة تصنيع سيارات متكاملة“ كما هي اليوم.

المحرك الدوار المستخدَم في الجيل الثالث لسيارة ”RX-7“ التي صدرت في عام 1991. كان يفخر بقوة محرك بلغت 255 حصانًا مع المحرك التوربيني المزدوج على الرغم من حجمه الصغير (في وقت الإصدار. كانت قوة الطرازات اللاحقة 280 حصانًا) © مازدا.
المحرك الدوار المستخدَم في الجيل الثالث لسيارة ”RX-7“ التي صدرت في عام 1991. كان يفخر بقوة محرك بلغت 255 حصانًا مع المحرك التوربيني المزدوج على الرغم من حجمه الصغير (في وقت الإصدار. كانت قوة الطرازات اللاحقة 280 حصانًا) © مازدا.

في أوائل الستينيات من القرن الماضي، كانت الحكومة اليابانية تسعى إلى دمج مصنعي سيارات الركاب في ثلاث مجموعات من أجل تعزيز القدرة التنافسية الدولية لصناعة السيارات المحلية. وتلك المجموعات هي: مجموعة السيارات ذات الإنتاج بكميات كبيرة، ومجموعة السيارات الرياضية/السيارات الفاخرة، ومجموعة سيارات الركاب الخفيفة. وكانت شركة مازدا (تويو كوغيو في ذلك الوقت)، التي دخلت سوق سيارات الركاب بالسيارات الخفيفة في عام 1960، كانت على وشك الدخول في مجموعة سيارات الركاب الخفيفة، لكن هذا ليس ما ترغب فيه الشركة التي كانت تحلم بأن تصبح شركة تصنيع سيارات متكاملة في وقت مبكر. لذلك، من أجل إظهار قدرتها على النمو لتصبح شركة تصنيع سيارات متكاملة، سعت مازدا إلى توظيف التكنولوجيا المتقدمة الخاصة بها عمليًّا، وقامت باختيار المحرك الدوار كرمز لذلك.

وتم تأجيل تطبيق اقتراح دمج شركات تصنيع سيارات الركاب إلى ثلاث مجموعات بسبب النمو السريع لشركات تصنيع السيارات اليابانية. ويمكن القول إن المحركات الدوارة لعبت دورًا مهمًا ليس فقط من ناحية زيادة القدرات التكنولوجية، بل أيضًا من ناحية توسيع حجمها كشركة لتصنيع السيارات المتكاملة.

التحدي هو كفاءة الطاقة

وبالعودة إلى الحديث عن سيارة ”MX-30 R-EV“، عندما قامت مازدا بإعادة إحياء المحرك الدوار، لم توظف النظام الهجين التسلسلي المزود بمقبس خارجي فحسب، بل أعادت أيضًا تصميم المحرك الدوار نفسه، وعملت على تحسين كفاءة استهلاك الوقود والأداء البيئي.

وعلى سبيل المثال، بالإضافة إلى قيامها بتحسين الكفاءة من خلال اعتماد نظام الحقن المباشر الذي يقوم بحقن الوقود مباشرة في غرفة الاحتراق، وجعل عملية حرق الوقود أكثر دقة من خلال الحقن المباشر، وتقييد كمية حقن الوقود عند درجات الحرارة المنخفضة، قامت بإعادة النظر في شكل غرفة الاحتراق بشكل جذري، وتمكنت من تحقيق الاحتراق السريع، ويقال إن هذه الأمور ساعدت في تحسين كفاءة المحرك. وعلاوة على ذلك، فإن المبيت الجانبي، الذي يعد أحد مكونات المحرك المهمة، مصنوع من الألومنيوم لتقليل وزنه بأكثر من 15 كغ، كما أن سطحه مطلي بطلاء رش السيراميك الحراري لتحسين المتانة.

وإذا قمنا بمقارنة المحرك الدوار الذي تمت إعادة إحيائه، والمعروف باسم ”8C“، بالمحرك الترددي، فإنه تحفة فنية تضاهي المحركات المصممة حديثًا من كتلة الأسطوانة ورأس الأسطوانة وحتى المكبس. وهو منتج تم تطويره حديثًا ”بشكل كامل“، لدرجة أنه يمكن القول إنه محرك تمت إعادة بنائه من الصفر.

وحدة القيادة الكهربائية في سيارة ”MX-30 e-SKYACTIV R-EV“. يتم تثبيت المولد والمحرك على نفس محور المحرك الدوار المدمج صغير الحجم في الأساس، مما يؤدي إلى الحصول على وحدة موفرة للمساحة. © مازدا.
وحدة القيادة الكهربائية في سيارة ”MX-30 e-SKYACTIV R-EV“. يتم تثبيت المولد والمحرك على نفس محور المحرك الدوار المدمج صغير الحجم في الأساس، مما يؤدي إلى الحصول على وحدة موفرة للمساحة. © مازدا.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن كفاءة الطاقة في ”MX-30 R-EV“ عالية بشكل خاص. حيث تبلغ كفاءة استهلاك الوقود في دليل الاستخدام 15.4 كم/لتر (وضع WLTC). وعلى الرغم من أنه لا يمكن إجراء مقارنة بسيطة نظرًا لعدم وجود العديد من الطرازات المشابهة، إلا أنه تم الإعلان عن أن سيارة تويوتا ”RAV4 الهجينة المزودة بمقبس خارجي“ تتمتع بكفاءة في استهلاك الوقود تبلغ 22.2 كم/لتر، وأن سيارة ”بيريوس الهجينة المزودة بمقبس خارجي“ تبلغ كفاءة استهلاكها للوقود 26.0 كم/لتر. ومن الواضح أن سيارة ”MX-30 R-EV“ في وضع غير منافس من حيث كفاءة استهلاك الوقود.

لذلك، حتى لو تم تزويدها بنظام هجين مزود بمقبس خارجي، فإن هذا لا يعني أن مستقبل المحركات الدوارة مستقر. ولذلك، تحاول مازدا ربط المحرك الدوار بالمستقبل من خلال تحسين جاذبية منتجها، ليس فقط من حيث كفاءة الطاقة، بل أيضًا من حيث صنع سيارة وتحقيق أداء قيادة يعبر عن شركة مازدا. وذلك لأن المحرك الدوار يمثل هوية مازدا بحد ذاتها.

وكجزء من هذا الجهد، أعلنت مازدا عن السيارة النموذجية ”أيكونيك إس بي (ICONIC SP)“ في معرض السيارات الياباني الذي تمت إقامته مؤخرًا، والتي تستخدم النظام الهجين المزود بمقبس خارجي الذي يوظف المحرك الدوار الثنائي الذي تم تطويره من المحرك الدوار الأحادي المستخدم في سيارة ”MX-30 R -EV“، في هيكل سيارة رياضية ذي تصميم أنيق، ويشير ذلك إلى إمكانيات القيادة باستخدام المحرك الدوار.

لقد علنت مازدا بقوة عند إعلانها عن سيارة ”MX-30 R-EV“ أنها ”لن تطفئ نار المحرك الدوار“. وآمل أن تتحقق أمنياتها.

(النص الأصلي باللغة اليابانية، صورة العنوان الرئيسي: المحرك الدوار ذو الشكل المثلث الذي يرمز إلى المحرك الدوار المستخدَم في سيارة ”MX-30 e-SKYACTIV R-EV“. يدور هذا الجزء داخل مبيت على شكل شرنقة، ويولد الطاقة من خلال تكرار عمليات الضغط، الانفجار، إصدار العادم، © مازدا)

تكنولوجيا هوندا السيارات نيسان تويوتا مازدا