هل تتجه اليابان إلى تغيير جذري في استراتيجيتها الدفاعية؟
سياسة- English
- 日本語
- 简体字
- 繁體字
- Français
- Español
- العربية
- Русский
سياسة اليابان الأمنية المتضاربة في فترة ما بعد الحرب
في فبراير/شباط 1945، ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، اجتمع رؤساء حكومات القوى الثلاث الكبرى المتحالفة - الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والأمين العام السوفيتي جوزيف ستالين - بالقرب من يالطا في شبه جزيرة القرم لوضع مخطط للنظام الدولي في فترة ما بعد الحرب. في ذلك الوقت، تصور القادة الثلاثة ترتيباً تتعاون فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لتحييد أي قوى متبقية من النازية في ألمانيا ومن النزعة العسكرية في اليابان.
في أغسطس/آب التالي، استسلمت اليابان دون قيد أو شرط للحلفاء، مذعنةً لشروط إعلان بوتسدام، وحلّت قواتها المسلحة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1946، أصدرت اليابان دستوراً جديداً، جرت صياغته تحت إشراف سلطات الاحتلال الأمريكي، تخلّت فيه اليابان عن الحرب كحق سيادي وحُظر عليها الاحتفاظ بـ ”قدرات حربية“ (المادة 9). وقد نظر المنتصرون في الحرب العالمية الثانية إلى نزع السلاح الكامل والدائم لليابان باعتباره ركيزة أساسية في ”نظام يالطا“، بهدف ضمان سلام دائم.
لكن العلاقة التعاونية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي التي تم تصورها في يالطا لم تتحقق. في الواقع، فإن الهيكل الذي ظهر بعد الحرب كان على النقيض من ذلك تماماً: تنافس جيوسياسي متجذّر عُرف بالحرب الباردة. ومع ترسُّخ هذا الوضع، تعرضت اليابان لضغوط لدعم الكتلة الغربية من خلال إعادة التسلح وتوقيع معاهدة الأمن اليابانية الأمريكية، حتى مع تمسكها بالمادة التاسعة من الدستور، التي تحظر الاحتفاظ بقدرات حربية. وهكذا، أصبحت سياسة الدفاع اليابانية لما بعد الحرب ممزقة بين مقتضيات نظام يالطا من جهة، والحرب الباردة من جهة أخرى.
بيئة ما بعد الحرب الباردة المحفوفة بالمخاطر
انتهت الحرب الباردة رسميًا بتفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991. ومنذ ذلك الحين، ازداد الوضع الأمني في اليابان توترًا. فقد سعت الولايات المتحدة، المنهكة من ”حربها على الإرهاب“، إلى الحد من تدخلها في شرق آسيا، على الرغم من سياسة حافة الهاوية النووية التي تنتهجها كوريا الشمالية والتوسع العسكري للصين. وقد أدت هذه الظروف إلى تقويض وجهة النظر التي كانت سائدة على نطاق واسع في السابق، ومفادها أن أفضل طريقة يمكن لليابان أن تساهم بها في تحقيق السلام هي السماح للآخرين بأخذ زمام المبادرة في الأمور الأمنية. وقد أفسحت وجهة النظر السلمية السلبية تلك المجال أمام فهم متزايد بأنه ينبغي لليابان أن تنخرط بنشاط في المسائل الأمنية من أجل الحفاظ على نظام دولي مفيد لهذه الأمة ولبقية العالم وتطويره.
في 17 ديسمبر/كانون الأول 2013، اعتمدت الإدارة الأولى لرئيس الوزراء آبي شينزو أول استراتيجية رسمية للأمن القومي لليابان كأساس للمبادئ التوجيهية المنقحة لبرنامج الدفاع الوطني (التي أعيد تسميتها لاحقاً باستراتيجية الدفاع الوطني) وبرنامج الدفاع متوسط المدى (المعروف الآن ببرنامج تعزيز القدرات الدفاعية). وتُعرف استراتيجية الأمن القومي، واستراتيجية الدفاع الوطني، وبرنامج تعزيز القدرات الدفاعية حالياً بوثائق الأمن الثلاث الرئيسية لليابان.
في 16 ديسمبر/كانون الأول 2022، اعتمد مجلس الوزراء برئاسة كيشيدا فوميئو تعديلات جوهرية على وثائق الأمن الثلاث، جزئيًا كرد فعل على الغزو الروسي لأوكرانيا في وقت سابق من ذلك العام. وفيما وُصف بأنه تحول تاريخي في السياسة الأمنية اليابانية لما بعد الحرب، دعت هذه الوثائق إلى امتلاك قدرات الردع (التي كانت تُعتبر سابقًا غير متوافقة مع الحظر الذي يفرضه الدستور على الاحتفاظ بقدرات حربية) وزيادة الإنفاق الدفاعي من حوالي 1% إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع هذه التغييرات في السياسة، دخل مفهوم ”النهج السلمي الاستباقي“، الذي طرحته حكومة آبي عام 2013، حيز التنفيذ أخيرًا.
الاستجابة للتهديدات الأخيرة
على الرغم من حجم التحديث الذي جرى في عام 2022، فقد ازداد الوضع الأمني في اليابان خطورةً خلال السنوات الثلاث التي تلت اعتماده.
ويُعدّ التهديد الصيني المتنامي العاملَ الأبرز. إذ بلغت ميزانية الدفاع الصينية الرسمية لعام 2026 أكثر من 40 تريليون ين، أي أكثر من ضعف ما كانت عليه قبل عقد من الزمن. ومنذ عام 2022، رفعت الصين إنفاقها الدفاعي بمقدار 15.4 تريليون ين، متجاوزةً بذلك الزيادة التي تزهو بها اليابان والبالغة 3.6 تريليون ين.(*١) علاوةً على ذلك، كثّفت الصين أنشطتها العسكرية في محيط اليابان. ففي 3 مايو/أيار 2025، دخلت مروحية انطلقت من سفينة تابعة لخفر السواحل الصيني المجال الجوي الياباني فوق المياه المحيطة بجزر سينكاكو. كما أجرت الصين مناورات عسكرية متكررة في محيط تايوان. بالإضافة إلى ذلك، في 8 يونيو/حزيران 2025، تأكد عبور حاملة طائرات صينية شرق جزيرة إيو جيما اليابانية لأول مرة، مما يشير إلى تقدم الصين شرقًا في المحيط الهادئ.
ومن بين العوامل الأخرى، التطور المطرد للقدرات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية، والتعاون العسكري الذي نشأ بين روسيا والصين وكوريا الشمالية منذ دخول روسيا الحرب مع أوكرانيا.
مع أخذ هذه الظروف في الاعتبار، قررت إدارة تاكايتشي تقديم موعد مراجعة الوثائق الأمنية الثلاث، التي كان من المقرر أصلاً مراجعتها في عام 2027. وفي 27 أبريل/نيسان من هذا العام، شكّلت لجنة خبراء تضم 15 عضوًا (من بينهم ساساي كينيتشيرو، السفير السابق لدى الولايات المتحدة؛ وكوروي تيتسورو، نائب وزير الدفاع الإداري السابق؛ ويامازاكي كوجي، رئيس الأركان المشتركة السابق)، لوضع توصيات بشأن مراجعة هذه الوثائق.
تشمل بنود جدول الأعمال قدرة اليابان على المواجهة عن بُعد، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والدفاع عن المحيط الهادئ والممرات البحرية الحيوية، واستخدام الأصول غير المأهولة، بالإضافة إلى تطوير القدرات الدفاعية في مجالات الفضاء والأمن السيبراني، والمجالات الكهرومغناطيسية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في القيادة والاتصالات، وتعزيز التعاون مع الدول ذات التوجهات المماثلة. وستُشكّل الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا، والمتعلقة بأشكال الحرب الجديدة، مثل الاستخدام المتكامل للصواريخ والأصول غير المأهولة، خلفيةً بارزةً للمداولات. ولا تقل أهميةً عما سبق التدابير الرامية إلى تعزيز قاعدة الموارد البشرية اليابانية، وقاعدتها التكنولوجية، وقدرتها الإنتاجية الدفاعية.
في غضون ذلك، فإن مجموعة جديدة من المبادئ التي تُنظّم نقل المعدات الدفاعية، والتي اعتمدها مجلس الوزراء بقرارٍ في 21 أبريل/نيسان، ستفتح الباب أمام تصدير الأسلحة الفتاكة. ويُمثّل هذا تحولاً تاريخياً عن الحظر الفعلي طويل الأمد المفروض على جميع صادرات الأسلحة والذي تم تبنّيه عام 1976. والهدف هو بناء القاعدة التصنيعية والتكنولوجية الدفاعية لليابان، وتعزيز التعاون مع الدول ذات التوجهات المماثلة من خلال تبادل المعدات الدفاعية والبنية التحتية للإنتاج والصيانة.
فلسفة متطورة
في ظل ”مفهوم قوة الدفاع الأساسية“ (الذي اعتُمد رسميًا عام 1976)، ركزت اليابان على تطوير الحد الأدنى من القوة الدفاعية، مع إيلاء اهتمام ضئيل للتهديدات المحتملة أو العمليات الفعلية. إلا أنه بعد عام 2010، تحول المفهوم التوجيهي لبرنامج الدفاع الياباني من فلسفة ”ما وراء التهديد“ إلى نهج ”مواجهة التهديد“، مع تركيز جديد على العمليات الدفاعية. وهذا يعني أن المتطلبات العملياتية أصبحت القوة الدافعة وراء تعزيز القدرات الدفاعية اليابانية. ومن المتوقع أن يُسهم تعديل إدارة تاكايتشي للوثائق الأمنية الثلاث في استمرار هذا التوجه نحو دفاع موجه عملياتياً ومُهيأ لمواجهة تهديدات محددة.
في هذا السياق، يبرز هدفان رئيسيان هما: (1) التغلب على مواطن القصور، و(2) الاستعداد لحروب طويلة الأمد. ثمة حاجة متزايدة لمواجهة القصور الذي تعاني منه اليابان في الدفاع البري والبحري والجوي من خلال عمليات متعددة المجالات تستفيد بشكل متكامل من مجالات جديدة، مثل الفضاء السيبراني والطيف الكهرومغناطيسي. كما يُعد الاستعداد لقتال طويل الأمد أمرًا حيويًا. يُشتبه في أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما كان سيعيد النظر في غزوه لأوكرانيا لو علم مسبقًا أن أوكرانيا قادرة على الصمود بفعالية لأكثر من أربع سنوات. وبناءً على ذلك، تستطيع اليابان تعزيز قدرتها الردعية بشكل كبير من خلال تطوير دفاعها العملياتي لمواجهة التهديدات، بهدف التغلب على جوانب القصور العسكري لديها والاستعداد لحرب طويلة الأمد.
إلى أين تتجه المبادئ المناهضة للأسلحة النووية؟
في خضم هذا التحول المستمر نحو دفاع نشط مضاد للتهديدات، أشار بعض المراقبين إلى أن إدارة تاكايتشي تعتزم التخلي عن ”المبادئ الثلاثة المناهضة للأسلحة النووية“ التي تتبنّاها اليابان أو إضعافها، وهي المبادئ التي تحظر امتلاك الأسلحة النووية أو إنتاجها أو إدخالها إلى اليابان. لا شك أن تاكايتشي نفسها دعت إلى مراجعة هذه القواعد، التي اعتُمدت أصلاً عام 1967. وفي مجموعة مقالات حول الدفاع الوطني، قامت تاكايتشي بتحريرها عام 2024، كتبت أن إعادة التأكيد الصريح على المبادئ الثلاثة المناهضة للأسلحة النووية في استراتيجية الأمن القومي لعام 2022 سيصبح ”عائقاً“.(*٢) ويشير هذا الموقف إلى صعوبة التوفيق بين مبدأ ”عدم إدخال الأسلحة النووية“ واعتماد اليابان على الردع النووي الأمريكي الموسع.
ومع ذلك، عندما سُئلت تاكايتشي في البرلمان بتاريخ 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد توليها منصب رئيسة الوزراء، صرّحت بأنها متمسكة بالمبادئ الثلاثة المناهضة للأسلحة النووية، ونفت أنها أصدرت تعليمات للجنة المكلفة بمراجعة وثائق الأمن الرئيسية بمراجعة هذه المبادئ.
في شهادة أخرى أمام البرلمان، أوضحت تاكايتشي أنها تعتبر مبدأ ”عدم إدخال الأسلحة النووية“ بمثابة توجيه سياسي. وفي هذا الصدد، أشارت إلى تصريحات أدلى بها وزير الخارجية أوكادا كاتسويا عام 2010، حين كان الحزب الديمقراطي الياباني في السلطة. ففي جلسة استجواب أمام البرلمان في 17 مارس/آذار من ذلك العام، أقرّ أوكادا بأنه في حال وصول أمن اليابان إلى وضع لا يمكن فيه ضمان الأمن إلا بالسماح لسفينة أمريكية مسلحة نووياً بالدخول إلى أحد موانئها، فسيتعين على الحكومة آنذاك اتخاذ القرار المناسب، ” مخاطرةً بوجودها وبقائها بناءً على ذلك القرار“.
عملياً، ترتبط مسألة السماح بدخول الأسلحة النووية إلى الأراضي اليابانية ارتباطاً وثيقاً بالسياسات العملياتية الأمريكية. ففي الوقت الراهن، لا ينشر الجيش الأمريكي أسلحة نووية غير استراتيجية على متن سفنه أو طائراته، كما أنه لا يُشغّل غواصات هجومية مزودة بصواريخ كروز تُطلق من البحر. وهذا، إلى حد ما، يُغني عن الحاجة إلى تغيير جذري في السياسة اليابانية.
ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن توصيات الحزب الليبرالي الديمقراطي لمراجعة وثائق الأمن الثلاث لا تدعو إلى مراجعة المبادئ المناهضة للأسلحة النووية. في ظل هذه الظروف، يبدو من المرجح أن ينصب تركيز الحكومة في الوقت الحالي على تعميق الحوار المحلي حول هذه القضية من منظور استراتيجي يتمثل في تعزيز الردع الموسع.
تزايد الشكوك حول حليفنا
لا شك أن الهجوم الذي شنّته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 سيؤثر على المداولات المتعلقة بمراجعة الوثائق الأمنية الرئيسية الثلاث. في نسخ عام 2022، أكدت الحكومة اليابانية مجددًا التزامها بدعم النظام الدولي القائم على القانون الدولي والدفاع عنه. لكن للأسف، هناك حجة قوية لإعلان أن استخدام ترامب للقوة ضد إيران يشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
هل هذه الإجراءات الأمريكية تعد انحرافاً مؤقتاً أم اتجاهاً طويل الأمد؟ بناءً على الإجابة، قد يكون من الضروري إعادة النظر في التحالف الياباني الأمريكي لاحقًا.
ثمة قلق أكثر إلحاحًا يتمثل في خطر تحويل الموارد والاهتمام الذين كان من المفترض أن تخصصهما الولايات المتحدة لشرق آسيا إلى الحرب في إيران. في ظل هذه الظروف، فإن الحاجة إلى تعزيز الاستقلال الذاتي لليابان في مجال الأمن واستقلاليتها في اتخاذ القرار ستبرز بلا شك بشكل واضح ضمن المخاوف التي تدفع نحو صياغة ”نسخة تاكايتشي“ من وثائق الأمن الثلاث لليابان.
(نُشر النص الأصلي باللغة اليابانية في 8 مايو/أيار 2026، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: رئيسة الوزراء تاكايتشي ساناي تلقي كلمة في الاجتماع الأول للجنة خبراء مُشكّلة لصياغة تعديلات على وثائق الأمن الثلاث الرئيسية لليابان، بما في ذلك استراتيجية الأمن القومي، وذلك في المقر الرسمي لإقامة رئيس الوزراء في 27 أبريل/نيسان 2026. © وكالة أخبار كيودو)
(*١) ^ وزارة الدفاع، البيئة الأمنية المحيطة باليابان
(*٢) ^ تاكايتشي ساناي، محررة، (Kokuryoku kenkyū—Nihon rettō o tsukoku, yutaka ni) دراسات القوة الوطنية - جعل الأرخبيل الياباني قويًا ومزدهرًا (طوكيو: منشورات سانكي شيمبون، 2024)، ص 19.