اليابان تطور ساعة فائقة الدقة قد تُحدث ثورة في العلوم والتكنولوجيا
تكنولوجيا- English
- 日本語
- 简体字
- 繁體字
- Français
- Español
- العربية
- Русский
أُطلق على ساعة الشبكة الضوئية التي تعتمد على السترونتيوم في اليابان وصف ”آلة قياس الزمن المثالية“. وقد طورها كاتوري هيديتوشي، أستاذ الفيزياء في جامعة طوكيو ومدير فريق أبحاث هندسة الزمكان في ريكين (معهد الأبحاث الفيزيائية والكيميائية). وتتميز هذه الساعة بدقة غير مسبوقة تقاس بمليارات الأعوام. وتتيح هذه الدقة المذهلة القادرة على قياس فروق طفيفة جدا في الارتفاعات بالاستناد إلى نظرية النسبية العامة لأينشتاين، إمكانات هائلة لاعتمادها معيارا جديدا لقياس الزمن، فضلا عن كونها أداة قيمة في مجالات متعددة مثل استكشاف الفضاء وأبحاث الزلازل وأنظمة تحديد المواقع العالمية.
نبذة موجزة عن تاريخ قياس الزمن
كان البشر في العصور القديمة يعتمدون على الحركة الظاهرية للأجرام السماوية لتقدير الوقت. وأدى تقسيم اليوم (الذي يمثل دورة كاملة واحدة للأرض) إلى أجزاء أصغر فأصغر إلى ظهور مفهوم الثانية بوصفها جزءا ضئيلا من اليوم. غير أن تقنيات قياس الزمن بدقة لم تتطور إلا في مرحلة لاحقة بكثير.
اكتشف عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي (1564-1642) في القرن السادس عشر، أن أي بندول (رقاص) ذي طول معين يتأرجح بتردد ثابت، ما مهد الطريق لاختراع ساعة البندول على يد عالم الرياضيات والفيزيائي الهولندي كريستيان هويغنس (1629-1695) (وفي الفترة نفسها تقريبا كانت الساعات المحمولة التي تعمل بنابض تشهد تطورا متزامنا). وقد بدأ عصر جديد في قياس الوقت بدقة مع تطوير ساعات الكوارتز، التي تعتمد على التردد الثابت لاهتزاز بلورات الكوارتز عند تعرضها لشحنة كهربائية. وتبلغ دقة بعض ساعات الكوارتز عالية الدقة في الوقت الحاضر حدا لا يتجاوز فيه الخطأ ثانية واحدة خلال 100 عام.
وجاء التقدم الكبير التالي خلال النصف الثاني من القرن العشرين مع تطوير الساعات الذرية. وتعتمد الساعة الذرية في قياس الوقت على تردد الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي تمتصه أو تبعثه الذرة عند انتقالها بين مستويات الطاقة المختلفة. وفي عام 1967، تم اعتماد الساعة الذرية المعتمدة على السيزيوم-133 كمعيار عالمي أساسي لقياس الزمن. ونتيجة لذلك، لم تعد الثانية تعرّف استنادا إلى حركة الأرض، بل أصبحت تعرّف بأنها 9192631770 دورة من الموجات الميكروية التي تسبب إثارة ذرات السيزيوم-133. ويقال إن أكثر أجهزة السيزيوم تطورا تبلغ دقتها النسبية نحو 1 × 10-15، وهو ما يعادل انحرافا مقداره ثانية واحدة فقط على مدى 60 مليون عام.
نشأة ساعة الشبكة الضوئية
تعد ساعة الشبكة الضوئية جيلا جديدا من الساعات الذرية التي تستخدم الضوء المرئي لتحقيق مستوى مذهل من الدقة. فالضوء المرئي يمتلك ترددا أعلى بعدة مراتب من تردد الموجات الميكروية. وهذا يعني وجود عدد أكبر بكثير من الدورات في الثانية الواحدة، وبالتالي توفير مقياس أدق بكثير لقياس الزمن. تعتمد هذه التقنية على عنصر السترونتيوم، الذي يمتلك تردد رنين يفوق تردد السيزيوم بمرات كثيرة.
طرح كاتوري لأول مرة مفهوم ساعة الشبكة الضوئية في عام 2001. وكان أحد أهدافه الرئيسية إيجاد وسيلة لاستخدام عدد كبير من الذرات مع تجنب الاضطرابات والانحرافات الناجمة عن التفاعلات المتبادلة بينها. وقد شكلت هذه المشكلة تحديا استعصى على الباحثين لسنوات.
في الساعة التي طورها كاتوري تؤدي أنماط التداخل لأشعة الليزر، المضبوطة على تردد يطلق عليه اسم ”الطول الموجي السحري“، إلى تكوين شبكة بصرية تشبه علبة حفظ البيض. ويجري احتجاز نحو مليون ذرة من السترونتيوم، بعد تبريدها إلى درجة تقترب من الصفر المطلق، كل على حدة داخل هذه الشبكة. ومن خلال حساب متوسط التذبذبات ذات التردد المرتفع للغاية لهذه الذرات أثناء امتصاصها للطاقة من الليزر، توفر هذه التقنية أساسا أكثر استقرارا ودقة بصورة كبيرة لتعريف الثانية.

نموذج ثلاثي الأبعاد يوضح الذرات المحتجزة داخل ”علبة البيض“ المكونة من أشعة الليزر في ساعة الشبكة الضوئية. (© جيجي برس).
وبعد أن أجرى كاتوري وفريقه البحثي سلسلة من القياسات الناجحة فائقة الدقة للترددات، بدأ عملهم يجذب اهتماما دوليا بوصفه تقنية قادرة على أداء دور محوري في إعادة تعريف الثانية. وفي وقت مبكر من عام 2006، جرى اختيار هذه التقنية بوصفها مرشحا للجيل القادم من أدوات قياس الزمن عالية الدقة. غير أن ساعة الشبكة الضوئية كانت في تلك المرحلة مجرد جهاز ضخم يثبت بصورة دائمة داخل مختبر للفيزياء. ولذلك أصبح الهدف التالي للفريق البحثي تصميم جهاز قابل للنقل.
وباشر فريق كاتوري العمل بالتعاون مع شركاء من القطاع الخاص مثل شيمادزو وجيول (مختبر اليابان للبصريات الإلكترونية). وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، كشف الفريق عن ساعة شبكة بصرية مدمجة بسعة 250 لترا، بعد تصغير النسخة الأصلية التي كانت تبلغ سعتها 920 لترا. وشكل ذلك خطوة عملاقة نحو التطبيق العملي لهذه التقنية اليابانية الرائدة.
دقة مذهلة وتطبيقات مفاجئة
أثارت نتائج الاختبارات التي نشرها كاتوري وزملاؤه خلال هذه الفترة اهتماما واسعا في الأوساط العلمية العالمية. ففي أبريل/نيسان عام 2020، نجح الفريق في استخدام ساعتي شبكة ضوئية قابلتين للنقل (وهما من النماذج السابقة للنسخة التي كشف عنها في عام 2024) لاختبار نظرية النسبية العامة التي وضعها ألبرت أينشتاين، والتي تفترض أن الزمن يمر بسرعة أكبر عند الارتفاعات الأعلى لأن قوة الجاذبية تكون أضعف قليلا.
ووضع الفريق النموذجين المتنقلين في موقعين مختلفين، أحدهما عند قاعدة برج طوكيو سكاي تري والآخر على منصة المراقبة الواقعة على ارتفاع 450 مترا من البرج. وأظهرت التجربة أن الزمن مر على منصة المراقبة أسرع بمقدار 4.26 نانوثانية يوميا مقارنة بمستوى الأرض، تماما كما تنبأت به نظرية أينشتاين. كما أثبتت التجربة أن دقة الساعات القابلة للنقل، التي تماثل دقة النموذج المختبري، كافية لقياس فروق الارتفاع الطفيفة نسبيا بالاعتماد على نظرية أينشتاين. بل إن دقة هذه القياسات تبين أنها تضاهي دقة التجارب الفضائية الحديثة التي تستخدم الأقمار الاصطناعية.

البروفيسور كاتوري هيديتوشي من جامعة طوكيو خلال مؤتمر صحفي عقد في مدينة كاواساكي بتاريخ 12 مايو/أيار عام 2026 للإعلان عن اتفاق مع المكتب الدولي للأوزان والمقاييس لتقييم ساعة الشبكة الضوئية بوصفها مرشحا لإعادة تعريف الثانية (© جيجي برس)
في وقت سابق، خلال فبراير/شباط عام 2015، اختبر فريق كاتوري نموذجين من ساعات الشبكة الضوئية، وتبين أن الفارق بينهما لا يتجاوز ثانية واحدة خلال 16 مليار عام. وهذا يعني أنه من الناحية النظرية لن تنحرف مثل هذه الساعة إلا بمقدار ثانية واحدة فقط خلال مدة تعادل عمر الكون تقريبا (نحو 13.8 مليار عام). أما أحدث النماذج فقد حقق درجة من الخطأ في حدود 10-18، وهو ما يعني خطأ مقداره ثانية واحدة فقط خلال نحو 30 مليار عام. ولا شك أن هذه الساعة هي آلة قياس الزمن المثالية.
في مارس/آذار عام 2025، أعلنت شركة شيمادزو بدء بيع أول ساعة شبكة ضوئية تجارية في العالم. أطلق على الساعة اسم Aetherclock OC020 ويبلغ طولها 114 سم وعرضها 108.3 سم وعمقها 65 سم، بينما يبلغ معدل انحرافها نحو ثانية واحدة كل 10 مليارات عام. وعند الإعلان عنها، اقترحت الشركة سعرا للبيع بالتجزئة قدره 500 مليون ين ياباني (أي نحو 3.3 ملايين دولار أمريكي آنذاك)، مستهدفة بيع 10 ساعات خلال الأعوام الثلاثة التالية.
وبعد أن أثبتت التقنية إمكاناتها العملية، تمكنت شركة شيمادزو وريكين من إبرام مذكرة تفاهم مع المكتب الدولي للأوزان والمقاييس، الذي يعتزم اعتماد تعريف جديد للثانية في عام 2030. وبموجب مذكرة التفاهم التي أعلن عنها في 12 مايو/أيار، اتفق الطرفان على التعاون في الأبحاث والاختبارات التطبيقية المتعلقة بساعات الشبكة الضوئية. وستتنافس ساعة كاتوري على مكانة المعيار العالمي القادم مع ابتكارات أخرى، من بينها ساعة الأيون المفرد التي طورها باحثون في أوروبا والولايات المتحدة. غير أن ساعة الشبكة الضوئية تعد من أبرز المرشحين بفضل مستوى الاستقرار المتفوق الذي تتمتع به.
وقد أثارت مذكرة التفاهم اهتماما كبيرا بوصفها خطوة مهمة نحو تبني ساعة الشبكة الضوئية المعتمدة على السترونتيوم كمعيار دولي. وخلال مؤتمر صحفي أعقب مراسم التوقيع، قال كاتوري ”يسعدني أن تكون الأداة التي طورناها لمقارنة الزمن قد أسهمت بأي شكل في تسريع عملية إعادة تعريف الثانية“.
إمكانية رصد البراكين والزلازل
حصل كاتوري على درجة الدكتوراه في الفيزياء التطبيقية من كلية الدراسات العليا للهندسة في جامعة طوكيو عام 1994. وشغل مناصب عدة، من بينها باحث زائر في معهد ماكس بلانك للبصريات الكمية في ألمانيا، وأستاذ مشارك في كلية الهندسة بجامعة طوكيو، وباحث رئيسي في برنامج CREST للأبحاث الأساسية الاستراتيجية التابع لـوكالة اليابان للعلوم والتكنولوجيا، قبل أن يتولى منصب بروفيسور في جامعته الأم عام 2010. وقد فاز بجائزة نيشينا التذكارية عام 2013، وجائزة الأكاديمية اليابانية عام 2015، وجائزة هوندا عام 2022 التي تمنحها مؤسسة هوندا. ويعد حاليا أحد أبرز المرشحين لنيل جائزة نوبل.
وفي 17 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2022، وخلال مراسم تسليم جائزة هوندا في طوكيو، ألقى كاتوري محاضرة بعنوان ”العلم المدفوع بالفضول بوصفه طريقا إلى المستقبل“. وقال في كلمته الافتتاحية ”كلما تقدمت في العمر، ازداد حرصي على توظيف هذه التقنية [الشبكة الضوئية] لترك بصمة تعود بالنفع على المجتمع والبشرية“.
وفي الواقع، لا تقتصر أهمية ساعة كاتوري الرائدة على تمهيد الطريق لإعادة تعريف الثانية فحسب، بل يتوقع أيضا أن تفتح الباب أمام مجموعة واسعة من الفروع التكنولوجية ذات التطبيقات المفيدة.
وكما سبقت الإشارة، توفر ساعة الشبكة الضوئية وسيلة لقياس فروق الارتفاع حتى عندما تكون ضئيلة للغاية. بل إن أحدث ساعات الشبكة الضوئية فائقة الدقة قادرة على رصد فروق في الارتفاع لا تتجاوز بضعة سنتيمترات فقط. وهذا يجعلها أداة واعدة للغاية في المجال الناشئ حديثا المعروف باسم ”الجيوديسيا النسبية“.
ومن بين التطبيقات التي يجري النظر فيها داخل اليابان استخدام ساعات الشبكة الضوئية بوصفها مستشعرات فائقة الدقة لمراقبة النشاط البركاني والزلزالي. ومن المعروف أن البراكين تشهد تغيرات في تضاريسها قبل ثورانها نتيجة حركة الصهارة وغيرها من الضغوط الداخلية. ومن خلال نشر عدد من ساعات الشبكة الضوئية وربطها ضمن شبكة، يفترض أن يصبح بالإمكان اكتشاف تغيرات دقيقة يصعب رصدها باستخدام وسائل المراقبة التقليدية. ويمكن استخدام مثل هذه الشبكات في المراقبة المستمرة للنشاط البركاني، وكذلك في تحسين رصد التشوهات الأخرى التي تصيب القشرة الأرضية ذات الصلة بأبحاث الزلازل والتنبؤ بها.
أداة جديدة للرصد والمراقبة
إلى جانب دور ساعات الشبكة الضوئية في الوقاية من الكوارث، فهي تمتلك إمكانات كبيرة واعدة بوصفها أداة للرصد والاستكشاف الفضائي. وعلى صعيد أكثر ارتباطا بالحياة اليومية على الأرض، يدرس المهندسون استخداماتها المحتملة في تطوير نظام تحديد المواقع العالمي، والجيل القادم من تقنيات الاتصالات، وأنظمة القيادة الذاتية، وغيرها من التقنيات المرتبطة ارتباطا وثيقا بالتكنولوجيا التي تدخل في حياتنا اليومية. وتعد آلة قياس الزمن المتقدمة التي طورها كاتوري مرشحة لأن تحتل مكانة لا تقتصر على كونها معيارا لقياس الوقت فحسب، بل تمتد أيضا لتشمل دورها كأداة أساسية للرصد والمراقبة بدقة فائقة للعالم الذي نعيش فيه.

ملخص تجربة برج طوكيو سكاي تري. (بإذن من البروفيسور كاتوري هيديتوشي، جامعة طوكيو)
وفي حوار مع بالبروفيسور الفخري بجامعة طوكيو موراكامي يوئيتشيرو برعاية مؤسسة هوندا، قال كاتوري:
”كانت أول فكرة خطرت لي عند اختيار موضوع بحثي هي أن أجري أبحاثا بعيدة عن المنافسة. لكنني كنت أريد أيضا اختيار موضوع شيق يستمتع الفريق بالعمل عليه. وكانت تلك نقطة البداية بالنسبة إلي. وفي الوقت نفسه، أدركت أنه لا جدوى من البحث إذا لم يكن مفيدا للمجتمع. وكنت أفكر في أن أبحاثنا الأساسية يمكن أن تحقق نتائج تقدم فوائد حقيقية خلال نحو عشرين عاما. وأنا سعيد للغاية لأن أبحاثنا، بعد مرور عشرين عاما، وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها تسهم في خدمة المجتمع“.
يرتبط تطوير ساعات أكثر دقة ارتباطا مباشرا بتطور البنية التحتية لمجتمعاتنا. وقد يتوقف المستقبل الذي تتصوره البشرية إلى حد كبير على تقنيات قياس الزمن الدقيقة. ومن هنا تنبع الآمال الكبيرة المعقودة على ساعة الشبكة الضوئية فائقة الدقة المعتمدة على السترونتيوم التي ابتكرها كاتوري هيديتوشي.
(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: ساعة Aetherclock OC020 من شركة شيمادزو، وهي أول ساعة شبكة ضوئية تجارية في العالم. الصورة ملتقطة بتاريخ 5 مارس/آذار عام 2025. © جيجي برس)