هل تؤسس اليابان لجهاز استخباراتي أكثر قوة؟

سياسة

أقرّ البرلمان الياباني في 27 مايو/أيار تشريعًا يقضي بإنشاء المجلس الوطني للاستخبارات ليكون المركز الوطني الرئيسي لتنسيق العمل الاستخباراتي في اليابان. وتمثل هذه الخطوة أولى مراحل أجندة الإصلاح التي تتبناها تاكايتشي ساناي، كما تُعد ركيزة أساسية في الجهود الرامية إلى تعزيز منظومة الأمن القومي الياباني ورفع كفاءة جمع المعلومات وتحليلها والتنسيق بين الجهات المعنية.

هيكل استخباراتي جديد

طُرحت خطة إنشاء مجلس وطني للاستخبارات وأمانة عامة داعمة له لأول مرة في اتفاق الائتلاف بين الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب ”نيبّون إيشين نو كاي“، والذي أُبرم قبيل تشكيل إدارة تاكايتشي ساناي في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ودعا المقترح إلى تطوير مكتب الاستخبارات والبحوث التابع لمجلس الوزراء (CIRO) داخل الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ورفع مكانته إلى مستوى يعادل الأمانة العامة للأمن القومي (NSS)، التي تشرف على السياسات الخارجية والأمنية. وقد أصبح هذا الإطار الآن قانونًا مع إدخال تعديلات طفيفة للغاية.

وبموجب النظام الجديد، سيتم توحيد مجتمع الاستخبارات الياباني، الذي يتسم حاليًا بالتشتت بين جهات مثل مكتب الاستخبارات والبحوث التابع لمجلس الوزراء (CIRO)، ومكتب الأمن التابع لوكالة الشرطة الوطنية، ووكالة استخبارات الأمن العام التابعة لوزارة العدل، وجهاز الاستخبارات والتحليل التابع لوزارة الخارجية، وهيئة استخبارات الدفاع، تحت مظلة الأمانة العامة الوطنية الجديدة للاستخبارات. وستتولى هذه الجهة مناقشة وتنسيق الاستجابات للقضايا الاستخباراتية الحيوية للأمن القومي، بما في ذلك التصدي لعمليات الاستخبارات الأجنبية، وتقديم الدعم لعملية صنع القرار الحكومي.

ويعكس الدفع نحو تعزيز القدرات الاستخباراتية شعورًا متزايدًا بالإلحاح في مواجهة تهديدات أصبحت أكثر تنوعًا وتعقيدًا. وتشمل هذه التهديدات القيود التي تفرضها الصين على الصادرات الموجهة إلى اليابان، وعمليات التأثير وحملات التضليل الإعلامي التي تُنفذ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والهجمات السيبرانية. كما أسهمت المخاوف المستمرة بشأن انعزال الأجهزة البيروقراطية وضعف التنسيق بين الوكالات في دفع الجهود الرامية إلى إنشاء نظام أكثر تكاملًا، بما يضمن تزويد صناع القرار بمعلومات استخباراتية ذات جودة أعلى.

لقد وصفت تاكايتشي هذه المبادرة بأنها «الخطوة الأولى» نحو تعزيز القدرات الاستخباراتية لليابان. وأصبحت عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها تُعد الآن من المكونات الأساسية «للقوة الوطنية الشاملة»، إلى جانب الدبلوماسية والدفاع. وسيرأس المجلس رئيس الوزراء، كما سيضم كلاً من كبير أمناء مجلس الوزراء، ووزير الخدمات المالية، ورئيس لجنة الأمن العام الوطنية، ووزير العدل، ووزير الخارجية، ووزير المالية، ووزير الاقتصاد والتجارة والصناعة، ووزير الأراضي والبنية التحتية والنقل، ووزير الدفاع.

نحو سنّ قانون لمكافحة التجسس

يمثل إنشاء مركز قيادة للاستخبارات الوطنية أكبر عملية إصلاح لجهاز الأمن الياباني منذ تأسيس مجلس الأمن القومي (NSC) وأمانته العامة، الأمانة العامة للأمن القومي(NSS) ، في عام 2014 خلال إدارة آبي شينزو. وقد استُلهم هيكل مجلس الأمن القومي في طوكيو من مجلس الأمن القومي الأمريكي، ويُعد نظيره في اليابان.

ومع اكتمال الأسس القانونية للهيكل الاستخباراتي الجديد، تتطلع الحكومة بالفعل إلى الخطوات التالية، بما في ذلك إمكانية سنّ قانون لمكافحة التجسس. وقد صرّحت رئيسة الوزراء تاكايتشي بأنها تأمل في تشكيل لجنة من الخبراء لصياغة مثل هذا التشريع. بالإضافة إلى ذلك، ينص اتفاق الائتلاف على دراسة إنشاء جهاز مستقل للاستخبارات الخارجية.

وقد لاقت هذه الجهود الرامية إلى إصلاح المنظومة الاستخباراتية ترحيبًا من أعضاء تحالف العيون الخمس (Five Eyes) لتبادل المعلومات الاستخباراتية، والذي يضم الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأستراليا، وكندا، ونيوزيلندا، حيث أفادت تقارير بأن هذه الدول عرضت تقديم الدعم. ومن شأن تعزيز التعاون مع تحالف العيون الخمس أن يعمل على تقوية قدرات اليابان في جمع المعلومات الاستخباراتية وتبادلها في مواجهة الدول ذات الأنظمة السلطوية المحيطة بها، وهي الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وأن يعمّق أيضاً التنسيق مع الشركاء ذوي التوجهات المتقاربة.

ضمان الشفافية والرقابة

على الرغم من المبررات الاستراتيجية لهذا الهيكل الاستخباراتي الجديد، إلا أنه يواجه عددًا من التحديات التشغيلية. ويتمثل أبرزها في ضرورة ضمان ألا تؤدي عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية إلى انتهاكات غير مبررة للبيانات الشخصية أو الخصوصية. ولا تقل أهمية عن ذلك إقامة آليات تكفل تقديم تقارير إلى البرلمان في الوقت المناسب وبالشكل الملائم، بما يضمن الشفافية والرقابة التشريعية.

ورغم أن هذه النقاط وردت صراحة في القرار التكميلي المرفق بالتشريع التأسيسي للهيكل الجديد، إلا أن إدارة تاكايتشي لم تُبدِ حماسًا كبيرًا لتطبيق مثل هذه الضمانات. وسيتمثل أحد أبرز التحديات في المرحلة المقبلة في كيفية ترسيخ اليابان عمليًا لآليات الشفافية والرقابة والإشراف على الأنشطة الاستخباراتية مع بدء إنشاء المؤسسات الجديدة.

على النقيض من ذلك، تحتفظ الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي بلجان دائمة للاستخبارات في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ لمراقبة الأنشطة غير القانونية لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) من خلال جلسات الاستماع وغيرها من أدوات الرقابة. كما توجد هيئات رقابة برلمانية مماثلة في كل من بريطانيا وألمانيا. أما البرلمان الياباني فلا يضم حاليًا أي آلية رقابية متخصصة من هذا النوع.

وقد أعرب بعض مسؤولي الإدارة، بصورة غير معلنة، عن قلقهم من وضع الأمانة العامة الجديدة للاستخبارات على المستوى المؤسسي نفسه الذي تتمتع به الأمانة العامة للأمن القومي (NSS)، فكل من الأمانة العامة للأمن القومي، المكلفة بتنسيق السياسات الأمنية بصورة متكاملة، والإطار الاستخباراتي الجديد، المسؤول عن جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها، سيحصل على صلاحية طلب المعلومات من مختلف الوزارات، وهو ما قد يؤدي إلى تداخل سلاسل القيادة وإحداث ارتباك في سير العمل.

ورغم وجود اختلافات مؤسسية بين اليابان والولايات المتحدة، فإن مجلس الأمن القومي الأمريكي يحتل بوضوح موقع مركز القيادة الاستراتيجي الأعلى، ويتمتع بصلاحيات راسخة لصياغة السياسات والاستراتيجيات وتقديم المشورة للرئيس بشأنها. أما مجتمع الاستخبارات الأمريكي فله منسّق أعلى مستقل هو مدير الاستخبارات الوطنية، وهو مسؤول على مستوى وزاري يشرف على وكالات الاستخبارات الفيدرالية، إلا أن دوره يظل في المقام الأول استشاريًا داخل مجلس الأمن القومي.

في ظل البيئة الأمنية المتزايدة الصعوبة التي يشهدها العالم اليوم، يتعين على اليابان تعزيز قدراتها الاستخباراتية. غير أن نجاح أي إصلاح في هذا المجال سيظل مرهونًا بتوافر الفهم والدعم من جانب الرأي العام. وبصفتها دولة ديمقراطية، يتعين على اليابان أن تحدد بعناية دور وطبيعة المجلس الوطني للاستخبارات والأمانة العامة التابعة له، مع ضمان أن تعمل هذه المؤسسات بكفاءة وأن تخضع للمساءلة.

(نُشر المقال الأصلي باللغة اليابانية في 10 يونيو/حزيران، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: مكتب رئيس الوزراء، يناير/كانون الثاني 2023 © جيجي برس)

اليابان أمن جهاز الاستخبارات