إحياء صناعة السفن اليابانية.. هل تصمد استراتيجية ”صنع في اليابان“ أمام نقص العمالة والضغوط الأمريكية؟

اقتصاد

في خضم المفاوضات الصعبة بشأن الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة عام 2025، لجأت اليابان إلى صناعة بناء السفن بوصفها ورقة تفاوض استراتيجية. لكن في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى إحياء قطاعي الشحن وبناء السفن من خلال خارطة طريق جديدة، تظل تساؤلات جوهرية مطروحة حول مدى قدرة هذه الخطة على استعادة تنافسية الصناعة اليابانية وضمان مستقبلها.

منذ وقت ليس ببعيد، نشرت دراسة حول العمليات السياسية والإدارية المحيطة باستخدام اليابان للإعانات من أجل إعادة بناء قطاعي الشحن وبناء السفن في الحقبة المبكرة التي تلت الحرب العالمية الثانية. بالنسبة لي، وفي الواقع بالنسبة لأي شخص على دراية بتاريخ السياسة الصناعية اليابانية، تثير التطورات الأخيرة في هذا القطاع شعورًا غريبًا بأن التاريخ يكرر نفسه. ومع ذلك، يمكن للتشبيهات السطحية أن تكون مضللة. فما الذي يحدث بالفعل بين الحكومة وصناعة بناء السفن؟ فيما يلي، آمل أن ألقي بعض الضوء على هذا السؤال، مع التركيز على التطورات التي امتدت خلال عام 2025 والنصف الأول من عام 2026.

كيف جعل ترامب بناء السفن قضية سياسية

في عام 2025، وجدت صناعة بناء السفن اليابانية نفسها فجأة موضع جدل سياسي حاد.

بدأ كل شيء في مارس/آذار بخطاب ألقاه الرئيس دونالد ترامب أمام الكونغرس، أوضح فيه تصميمه على إحياء صناعة بناء السفن الأمريكية. وفي أبريل/نيسان التالي، أصدر أمرًا تنفيذيًا بعنوان ”استعادة الهيمنة البحرية الأمريكية“. وكان الهدف المعلن هو إحياء الصناعات البحرية المحلية وتقليل اعتماد الولايات المتحدة على الصين لتعزيز الأمن الاقتصادي والمساعدة في إعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية.

للوهلة الأولى، قد يكون من الصعب رؤية ما علاقة كل هذا باليابان. لكن نظرًا إلى محدودية القدرة الإنتاجية والموارد البشرية في صناعة بناء السفن الأمريكية اليوم، كان من المؤكد أن مثل هذا المشروع سيتطلب تعاون حليف، مثل اليابان أو كوريا الجنوبية، يمتلك بالفعل قدرة إنتاجية كبيرة ويستحوذ على حصة مؤثرة من السوق العالمية. وكانت الحكومة اليابانية حريصة على التوصل إلى اتفاق مع ترامب لخفض رسومه الجمركية على السيارات اليابانية، فانتهزت صناعة بناء السفن كورقة مساومة قوية.

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى تعلن الحكومة اليابانية دعمها للسياسات الخاصة بصناعة بناء السفن. فقد دعت السياسة الأساسية لعام 2025 بشأن الإدارة الاقتصادية والمالية والإصلاح، التي أصدرها مجلس الوزراء في يونيو/حزيران، إلى اتخاذ تدابير لإحياء صناعة بناء السفن المحلية وتعزيز قدرة «الحشد البحري» الياباني على الصمود، والذي يتمحور حول قطاعي الشحن وبناء السفن. كما تناولت «السياسة الأساسية لعام 2025» هذا القطاع بمزيد من التفصيل مقارنة بالسابق، حيث تضمنت إشارة جديدة إلى التعاون بين اليابان والولايات المتحدة، كاشفةً عن استراتيجية الحكومة المتمثلة في استخدام الوعد بالتعاون لتعزيز موقفها في المفاوضات الثنائية بشأن الرسوم الجمركية.

كما استجاب الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم بمجموعة من المقترحات الطارئة لإحياء صناعة بناء السفن اليابانية (أعدتها بشكل مشترك اللجنة الخاصة للنقل البحري وبناء السفن التابعة للحزب، ومقر تعزيز الأمن الاقتصادي التابع له). ودعت التوصيات التي قدمها الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى رئيس الوزراء آنذاك إيشيبا شيغيرو، والتي يعود تاريخها أيضًا إلى يونيو/حزيران 2025، الحكومة إلى إنشاء صندوق مدعوم من الدولة ووضع خارطة طريق لتعزيز الدعم الحكومي للصناعة. علاوة على ذلك، وتحت عنوان ”تعزيز الشراكات مع الدول ذات التفكير المماثل“، شددت التوصيات على توثيق التعاون مع الولايات المتحدة، وقدمت عددًا من الأمثلة الملموسة. ومع تشديد كل من مجلس الوزراء والحزب الليبرالي الديمقراطي على الحاجة إلى تمويل حكومي ضخم، برزت صناعة بناء السفن، بعد أن أصبحت قضية مشحونة سياسيًا في سياق التعاون بين اليابان والولايات المتحدة، باعتبارها موضع تدقيق وجدل عام مكثفين.

صناعة حيوية أم ورقة مساومة؟

في يوليو/تموز 2025، توصلت اليابان والولايات المتحدة إلى اتفاق بشأن الرسوم الجمركية. وكجزء من الاتفاق، التزمت اليابان باستثمارات تبلغ قيمتها الإجمالية 550 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، مع إدراج بناء السفن ضمن الصناعات المستهدفة. وفي أكتوبر/تشرين الأول التالي، وقّعت اليابان والولايات المتحدة مذكرة اتفق فيها الجانبان على إنشاء مجموعة عمل ثنائية لبحث تدابير تعاونية محددة تتعلق ببناء السفن، بما في ذلك توسيع القدرة الإنتاجية.

وفي ديسمبر/كانون الأول، أصدرت الحكومة اليابانية خارطة طريق لإنعاش صناعة بناء السفن تدعو إلى مضاعفة الإنتاج السنوي، من مستوى عام 2024 البالغ نحو 9 ملايين طن إجمالي إلى 18 مليون طن إجمالي في عام 2035. وتمشياً مع التوصيات الطارئة للحزب الليبرالي الديمقراطي، تدعو خارطة الطريق أيضًا إلى إنشاء صندوق حكومي مدعوم من الدولة بإجمالي 350 مليار ين على مدى 10 سنوات.

لم تكن صناعة بناء السفن لتدع هذه الفرصة تفوتها. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت مجموعة تضم 17 شركة محلية عن برنامج لاستثمارات رأسمالية يبلغ إجماليها 350 مليار ين، ودعت إلى دعم حكومي لتسهيل استثمارات إضافية. ومن الواضح أن الحكومة وصناعة بناء السفن متحدتان في رغبتهما في إنعاش القطاع. لكن هناك اختلافات مهمة في الطريقة التي ينظر بها كل منهما إلى هذا الهدف ووسائل تحقيقه.

مواجهة نقص العمالة المحلية

فصناعة بناء السفن، بعد كل شيء، كانت تتبع استراتيجياتها الخاصة لتعزيز قدرتها التنافسية العالمية، حتى في الوقت الذي كانت تسعى فيه للحصول على المساعدة الحكومية. ففي يونيو/حزيران 2025، أعلنت شركة إيماباري لبناء السفن، وهي أكبر شركة لبناء السفن في اليابان من حيث الحصة السوقية، عن اتفاق للاستحواذ على سيطرة الأغلبية على أقرب منافس محلي لها، شركة اليابان المتحدة البحرية JMU. وفي ديسمبر/كانون الأول التالي، أعلنت شركات نيبون يوشن، وميتسوي أو. إس. كيه لاينز، وكاواساكي كيسن، عمالقة الشحن الثلاثة في اليابان، عن قرارها بالاستثمار في مايلز. ومايلز، التي أسستها بشكل مشترك شركتا ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة وإيماباري لبناء السفن، هي مبادرة مشتركة بين الصناعات تهدف إلى إنشاء إطار تصميم معياري لتطوير السفن من الجيل التالي. وتهدف كلتا المبادرتين إلى توحيد القطاع ودمجه في اتحاد ضخم ”ياباني بالكامل“ مجهز للمنافسة على المستوى العالمي.

بالطبع، يقوم برنامج الحكومة لإنعاش صناعة بناء السفن أيضًا على نهج ياباني بالكامل. وتسلّط خارطة الطريق المذكورة أعلاه الضوء على تدابير لتعزيز التكامل الرأسي والأفقي داخل الصناعات البحرية. لكن هناك متطلبًا رئيسيًا آخر، من منظور الأمن الاقتصادي، يتمثل في تطوير نظام تُبنى فيه جميع ”السفن اليابانية في اليابان“. وبالمثل، تشدد التوصيات الطارئة للحزب الليبرالي الديمقراطي على ضرورة أن تكون ”السفن اليابانية مبنية ومملوكة من قبل اليابانيين“ لأسباب أمنية. باختصار، فإن مفهوم الحكومة لنظام شحن ياباني بالكامل يرتكز على هدف تعزيز القدرة الإنتاجية المحلية، في حين تتمحور رؤية الصناعة حول القدرة التنافسية من حيث التكلفة. والهدفان ليسا متوافقين بالضرورة.

نتيجة لذلك، توجد تناقضات بين خارطة الطريق التي وضعتها الحكومة واستراتيجيات الأعمال الخاصة بالقطاع، وهذا التناقض لا يبشر بالخير بالنسبة إلى التنفيذ. كما تقترح خارطة الطريق الحكومية دمج الصناعة فيما بين مجموعة واحدة وثلاث مجموعات بحلول عام 2028. لكن ليس كل من في الصناعة مؤيدًا لفكرة إعادة التنظيم التي تقودها الحكومة.

تحديات إعادة الهيكلة بقيادة الحكومة

توجد سوابق لاستخدام الإعانات الحكومية كحافز لدمج الصناعة، لكن من الصعب تصور أن تقبل شركات بناء السفن اليابانية، التي بذلت بالفعل قدرًا كبيرًا من الجهود في إعادة الهيكلة، خطة الحكومة. وإدراكًا منهم للمقاومة المحتملة، ترك واضعو خارطة الطريق تفاصيل الدمج غامضة. ومن خلال الإشارة إلى ”العمل على أساس مجموعات“ و”إمكانية اتخاذ أشكال مختلفة من الدمج والتعاون“، يبدو أنهم يتركون مجالًا للتوصل إلى حلول وسط.

في الوقت نفسه، بينما تدعو الحكومة إلى زيادة الإنتاج المحلي، تتبع شركة تسونيشي لبناء السفن، وهي جهة فاعلة رئيسية أخرى في الصناعة، استراتيجية توسع مختلفة تمامًا، إذ تنشئ أحواضًا لبناء السفن في الخارج، حيث يمكن تأمين المهندسين بسهولة أكبر. وهدفها الأخير للتوسع هو تيمور الشرقية. يشير التاريخ إلى أنه لا بد من وجود شركات في قطاعي الشحن وبناء السفن تختلف فلسفتها المؤسسية واستراتيجيتها التجارية عن توجهات السياسيين والإداريين. وتُعد حالة شركة سانكو للملاحة البخارية في ستينيات القرن العشرين مجرد مثال واحد على ذلك، ومن هنا يأتي الشعور المذكور آنفًا بأن التاريخ يكرر نفسه.

فعلى سبيل المثال، في أواخر أربعينيات القرن العشرين، شرعت الحكومة اليابانية في اتباع سياسة صناعية لإحياء قطاعي الشحن وبناء السفن المحليين. وتمحورت هذه الخطة حول ”بناء السفن بشكل مخطط له“، حيث كان البيروقراطيون يقررون عدد السفن التي ستُبنى، ويخصصون حصة معينة من ذلك الإنتاج لكل شركة، ويقدمون المساعدة المالية وفقًا لذلك. وقد تطلب هذا التوفيق بين مطالب شركات الشحن الكبرى بالحصول على الأولوية في التخصيص ومصالح الجهات الأصغر في الصناعة. كما كان من التحديات الأخرى ضمان توافر قدرة كافية لأحواض بناء السفن في حال حدوث انتعاش في النشاط التجاري، عندما يتلقى بناة السفن اليابانيون طلبات من الخارج.

وفي ستينيات القرن العشرين، تم استخدام ”بناء السفن بشكل مخطط له“ للمضي قدمًا في إعادة هيكلة قطاع الشحن. لكن بعض شركات الشحن، بما فيها شركة سانكو للملاحة البخارية المذكورة آنفًا، رفضت المشاركة في خطة إعادة الهيكلة الحكومية، مفضلةً اتباع استراتيجياتها التجارية الخاصة. وعلى الرغم من أنها دعمت هدف إنعاش القطاع، فإن مصالحها المؤسسية الخاصة اختلفت عن توجه الحكومة، وقد كان لعدم التوافق هذا تأثيره على تنفيذ السياسة الصناعية اليابانية خلال تلك الفترة.

نحو تحقيق التعاون بين الصناعات

في ضوء كل ما سبق، أود أن أشير إلى نقطتين رئيسيتين ينبغي وضعهما في الاعتبار عند التفكير في الكيفية التي يُرجح أن يتطور بها الوضع الحالي من الآن فصاعدًا.

النقطة الأولى هي أن القدرة على بناء السفن تعتمد على موارد مثل العمالة والمواد. وقد كان النقص المزمن في العمالة هنا في اليابان عاملًا رئيسيًا دفع استراتيجية التوسع الخارجي التي تتبعها شركة تسونيشي. كما أن بناء السفن يتطلب الصلب، ومع ارتفاع أسعار الصلب، سيكون التعاون والشراكات مع صناعة الصلب أمرًا بالغ الأهمية. في مارس/آذار 2026، اجتمع ممثلون عن قطاعات الشحن وبناء السفن والصلب والمعدات البحرية المحلية في أول اجتماع ضمن سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى الهادفة إلى بناء إطار للتعاون بين الصناعات. وإذا استمرت اعتبارات الأمن الاقتصادي في اكتساب أهمية متزايدة، فمن المحتمل أن يمتد التكامل الرأسي والأفقي الذي شهدته مبادرة بناء السفن اليابانية بالكامل إلى ما هو أبعد من الشحن وبناء السفن ليشمل صناعات أخرى ذات صلة.

والنقطة الأخرى التي ينبغي وضعها في الاعتبار هي أن الزخم وراء دعم صناعة بناء السفن بالإعانات سيعتمد إلى حد كبير على الكيفية التي يتقدم بها التعاون بين اليابان والولايات المتحدة. وقد عقدت مجموعة العمل اليابانية الأمريكية المعنية ببناء السفن اجتماعها الأول في الولايات المتحدة في فبراير/شباط 2026، ولكن لم يصدر أي تقرير عن وضع أي خطط ملموسة حتى وقت كتابة هذا المقال. وسيكون التوفيق بين التعاون الدولي وفلسفة خارطة الطريق القائمة على ”صنع في اليابان“ عملية موازنة صعبة، تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين بناة السفن اليابانيين والحكومة استجابةً للمطالب القادمة من الجانب الأمريكي، بما في ذلك مطالب الرئيس ترامب، الذي أبدى اهتمامًا شديدًا ببناء السفن.

لكن إجراء نقاش مغلق بين عدد قليل من خبراء الحكومة والصناعة لن يكون كافيًا لإقناع الجمهور المتشكك بضرورة تقديم إعانات ضخمة لصناعة بناء السفن. وإذا كانت الحكومة ملتزمة بهذه السياسة الصناعية، فعليها أن تبذل الجهود اللازمة لبناء توافق وطني من خلال زيادة الوعي العام بالقضايا وإثراء النقاش حولها. ومع تزايد الاهتمام ببناء السفن، آمل أن يقدم هذا التحليل المتواضع مزيدًا من الأفكار للتفكير في مزايا دعم السياسات ومخاطره.

(نُشر النص الأصلي باللغة اليابانية في 9 يوليو/تموز 2026، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: حوض لبناء السفن اليابانية يطل على مضيق كوروشيما في بحر سيتو الداخلي، إيماباري، محافظة إهيمي، ديسمبر/كانون الأول 2024. ©  جيجي برس)

اليابان اقتصاد صناعة السفن