الذكاء الاصطناعي.. هل تتحول زيادة الإنتاجية إلى فخ مالي؟

تكنولوجيا

ما الفائدة من الذكاء الاصطناعي إذا كان من المتوقع أن يؤدي الموظفون مزيدًا من العمل، وبوتيرة أعلى، خلال الساعات نفسها؟ يوضح كاشيوامورا تاسوكو من معهد دايتشي لايف للأبحاث أهمية الممارسات التي توزع فوائد التكنولوجيا بشكل عادل.

تقاسم الفوائد

يُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي الآن في مختلف أنواع الصناعات، التي ترى في هذه التكنولوجيا حلًا سحريًا يمكنه تحقيق قفزات هائلة في الكفاءة في كل شيء، بدءًا من إنشاء المستندات ووصولًا إلى تحليل البيانات وخدمة العملاء. وينطبق هذا بشكل خاص على القطاع المالي، الذي يُعد من أكبر القطاعات تبنياً للذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي. ووفقًا لمسح دولي صدر في أبريل /نيسان 2026 عن مركز كامبريدج للتمويل البديل، وأُجري بالتعاون مع بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولي وجهات أخرى،(*١) فإن نحو 80% من مقدمي الخدمات المالية حول العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل بشكل أو بآخر.

ومع ذلك، توصلت الدراسة أيضًا إلى نتيجة مفاجئة: فبينما يعمل الذكاء الاصطناعي بالفعل على تعزيز الإنتاجية في مكان العمل، لم يتمكن سوى عدد قليل نسبيًا من الشركات حتى الآن من تحويل ذلك إلى تحسن قابل للقياس في الربحية. فلماذا يتعذر أن تعمّ هذه المكاسب على المؤسسة ككل؟ أعتقد أن أحد الأسباب يتمثل في عوامل بشرية أشير إليها هنا باسم ”فخ الإنتاجية“. في هذا المقال، أناقش ماهية فخ الإنتاجية وما يمكننا فعله لمعالجته.

هل يعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية حقًا؟

بادئ ذي بدء، لم يعد هناك أي شك في أن الذكاء الاصطناعي يعمل بالفعل على تحسين الإنتاجية. ففي عام 2025، نشرت المجلة الاقتصادية الربع سنوية (Quarterly Journal of Economics) ورقة بحثية بعنوان ”الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل“، من تأليف إريك برينيولفسون، ودانييل لي، وليندسي ر. ريموند. واستندت الورقة إلى دراسة أجراها فريق بحثي من جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حلل خلالها بيانات تشغيلية لـ 5,172 موظفًا في مجال دعم العملاء لدى شركة أمريكية مدرجة ضمن قائمة فورتشن 500، جُمعت قبل وبعد أن بدأت الشركة تدريجيًا في الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي.

وكانت النتائج واضحة. أولًا، أدى إدخال الذكاء الاصطناعي على الفور إلى زيادة عدد الحالات التي يستطيع الموظفون حلها في الساعة الواحدة، واستمرت هذه الفائدة طوال فترة إجراء الدراسة. ثانيًا، لم تكن مزايا الذكاء الاصطناعي موزعة بالتساوي. ففي حين أتاحت التكنولوجيا للعمال الأقل مهارة معالجة أكثر من 0.5 حالة إضافية في الساعة، لم يرَ الموظفون الأكثر مهارة سوى فوائد محدودة. ثالثًا، مكّن الذكاء الاصطناعي الموظفين الجدد من تطوير مهاراتهم بسرعة أكبر بكثير، إذ استغرق الموظفون الجدد الذين أتيح لهم استخدام التكنولوجيا منذ وقت انضمامهم إلى الشركة نحو شهرين للوصول إلى المستوى نفسه من الإنتاجية الذي لم يصل إليه زملاؤهم الذين لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي إلا بعد 10 أشهر.

بعبارة أخرى، لا يعمل الذكاء الاصطناعي كمجرد أداة لزيادة الإنتاجية، بل يتيح للموظفين الأقل خبرة تطوير مهاراتهم بسرعة أكبر، مما يساعد على سد فجوة المهارات بينهم وبين زملائهم الأكثر خبرة. وقد يكون هذا طوق نجاة للشركات اليابانية التي تواجه نقصًا متزايدًا في العمالة.

فخ الإنتاجية

من وجهة نظر الموظف، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا. لنفترض أن العامل يستطيع، باستخدام الذكاء الاصطناعي، إنجاز مهمة كانت تستغرق ثماني ساعات في ست ساعات. تكمن المشكلة في أن العامل لا يستطيع بالضرورة استخدام الساعتين المتبقيتين في الترفيه أو الأنشطة الإبداعية.

ويدعم هذا التخوفَ بياناتٌ عن أماكن العمل في اليابان. فوفقًا لدراسة شملت 3000 موظف دائم في اليابان وأجرتها شركة بيرسول للأبحاث والاستشارات في أكتوبر/تشرين الأول 2025،(*٢) استغرقت المهام التي أُنجزت باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي وقتًا أقل بنسبة 16.7% في المتوسط. ومع ذلك، لم يشهد سوى 25.4% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي انخفاضًا فعليًا في ساعات عملهم. في الواقع، حتى أولئك الذين شهدوا انخفاضاً في ساعات العمل قاموا بإعادة استثمار ما متوسطه 61.2% من الوقت الذي وفروه في العمل مجدداً، حيث تمثلت 75.4% من هذه النسبة في مهام روتينية يومية. وبعبارة أخرى، فإن الوقت الذي يوفره الذكاء الاصطناعي يُستنزف مجدداً في مهام أخرى متكررة قبل أن يتسنّى استغلاله في أنشطة ترفيهية. وبالتالي، تعني زيادة الإنتاجية أن الموظفين يعملون الساعات نفسها بينما يتولون مزيدًا من العمل بوتيرة أعلى. علاوة على ذلك، تظل رواتبهم وتقييماتهم من جانب الموارد البشرية دون تغيير. وعندما يدرك العاملون أن تحسينات الإنتاجية لا تؤدي إلا إلى جعل أوضاعهم أسوأ، يبدأون في تجنب الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، أو يحاولون إخفاء مكاسب الكفاءة التي حققوها. ويمكن تسمية ذلك شكلًا من أشكال «التكاسل الذكي». وعندما يصبح التكاسل الذكي أكثر انتشارًا داخل المؤسسة، سيكون الاستثمار الضخم الذي قامت به في الذكاء الاصطناعي قد ذهب سدى، وسيتوقف النمو على مستوى المؤسسة.

ثلاث ممارسات لتعزيز الحافز

لتجنب الوقوع في هذا الفخ، من الضروري تطبيق ممارسات تتمحور حول الإنسان عند إدخال تقنيات جديدة. وينبغي للشركات التركيز على الممارسات الثلاث التالية.

أولًا، يجب توزيع فوائد تحسينات الإنتاجية بشكل عادل بين القوى العاملة. ويتعين على الشركات قياس مكاسب الكفاءة التي يحققها الذكاء الاصطناعي، وتخصيص نسبة محددة من تلك الفوائد في شكل مكافآت وزيادات في الأجور. ويمكن أن يتخذ ذلك أيضًا شكل تجربة أسبوع عمل من أربعة أيام أو السماح للموظفين بالعمل من المنزل بوتيرة أكبر. وتحتاج الشركات إلى البدء بمنح العاملين الثقة بأن تحسين الإنتاجية سيُكافأ بمزايا واضحة.

ثانيًا، تحتاج الشركات إلى استحداث أدوار جديدة ومعايير تقييم جديدة للموظفين الذين تحرروا من المهام الروتينية بفضل الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الموظفين ذوي المهارات الذين دعموا المؤسسة في الماضي. وبدلًا من تقييم الموظفين استنادًا إلى حجم العمل الذي يعالجونه، تحتاج الشركات إلى البدء في تقييمهم استنادًا إلى جودة حلهم للمشكلات، ونتائج تدريبهم للموظفين الأقل خبرة، ومساهماتهم في تحسينات الذكاء الاصطناعي.

ثالثًا، تحتاج الإدارة إلى التأكيد على حقيقة أن الذكاء الاصطناعي يجعل العمل أسهل. ويعني ذلك مراقبة ساعات العمل الإضافي، والرضا الوظيفي، وغيرها من المؤشرات بانتظام قبل اعتماد الذكاء الاصطناعي وبعده، وإبلاغ جميع الموظفين بالنتائج بطريقة شفافة. ويكمن مفتاح اعتماد الذكاء الاصطناعي في القدرة على جعل الموظفين يرون الذكاء الاصطناعي ليس باعتباره شيئًا موجودًا لسرقة وظائفهم، بل شريكًا موثوقًا يجعل العمل أكثر إنسانية.

بطبيعة الحال، لا يستطيع كل مكان عمل تقييم فوائد تحسين الكفاءة من الناحية الرقمية. ومع ذلك، لا يزال بإمكان المديرين جعل موظفيهم يدركون أنه كلما جعل الذكاء الاصطناعي وظائفهم أسهل، زادت استفادتهم هم أنفسهم. ويمكن للمديرين رد شيء من هذه الفوائد إلى موظفيهم من خلال تقليل الحاجة إلى العمل الإضافي، وتسهيل الحصول على الإجازات، وتوفير فرص لتعلم مهارات جديدة، واتخاذ إجراءات أخرى مناسبة لأماكن عملهم.

تركيز المستثمرين على التعايش

لقد أصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي موضوعًا محوريًا في تقييمات الشركات في أسواق الأسهم العالمية. ومع ذلك، يمكن للشركات التي تتقاسم فوائد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مع موظفيها، وبالتالي تساعدهم على التطور، أن تتوقع تحقيق ربحية أعلى بكثير على المدى المتوسط إلى الطويل مقارنة بتلك التي، رغم استثمارها المبلغ نفسه في الذكاء الاصطناعي، لديها ممارسات تشجع على التكاسل الذكي. وفي المستقبل، لن يكون المقياس الذي يستخدمه المستثمرون لقياس أهداف الاستثمار هو مقدار ما استثمرته الشركة في الذكاء الاصطناعي، بل ما إذا كانت الشركة لديها أنظمة تتيح للذكاء الاصطناعي والبشر التعايش دون احتكاك.

في نهاية المطاف، فإن الاعتبارات الأهم عند تبنّي الذكاء الاصطناعي لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في أثرها على الأفراد؛ إذ أؤمن بأن المؤسسات التي تشارك موظفيها ما يوفره الذكاء الاصطناعي من وقت وما يحققه من مزايا، هي وحدها القادرة على جني ثماره بالكامل.

(نُشر النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان الرئيسي من © بيكستا)

(*١) ^ حملت الدراسة اسم تقرير الذكاء الاصطناعي العالمي في الخدمات المالية لعام 2026: التبني والتأثير والمخاطر، وقد أُجريت بشكل مشترك من قبل مركز كامبريدج للتمويل البديل CCAF (التابع لكلية جادج لإدارة الأعمال بجامعة كامبريدج)، وبنك التسويات الدولية (BIS)، وصندوق النقد الدولي (IMF)، والمنتدى الاقتصادي العالمي، وشملت 628 مؤسسة مالية وموردًا للذكاء الاصطناعي وهيئة تنظيمية في 151 دولة ومنطقة.

(*٢) ^ ”دراسة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي وأساليب العمل“ (Seisei ēai to hatarakikata ni kansuru jittai chōsa)، بيرسول للأبحاث والاستشارات (2026). استندت الدراسة إلى مقابلات أُجريت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 مع مجموعة مكونة من 3000 عامل بدوام كامل جرى اختيارهم من تعداد أولي بلغ 19,855 شخصًا.

اليابان الذكاء الاصطناعي اقتصاد