أبطال رغم العوائق والتحديات

السباح إيجيما دايسكي... رحلة من رياضي لا يعرف المستحيل

رياضة

ظهر السباح المخضرم إيجيما دايسكي خبرته ويتحدث عن تصميمه على المضي قدماً للمشاركة في ألعاب طوكيو 2020 والتي يرجح أن تكون آخر منافساته في مشواره الرياضي الحافل.

إيجيما دايسكي EJIMA Daisuke

ولد عام 1986 بكيوتو بدأ السباحة عندما كان يبلغ ثلاث سنوات من العمر، أصيب بجلطة وهو في سن الثالثة عشر تسببت له بشلل نصفي في جانبه الأيسر. شارك ضمن فريق السباحة المتتابعة المتنوعة لبطولة البارالمبيك التي انعقدت في أثينا عام 2004 أين توج فريقه بميدالية ذهبية، كما شارك في ألعاب بكين ولندن في عام 2006 حطم الرقم القياسي للسباحة على الظهر لمسافة 50 متراً. تقوم شركة استشارات الأعمال سيغماكسيز برعاية نشاطاته الرياضية منذ عام 2003.

تعد السباحة هواية شائعة في اليابان، وكذلك واحدة من أكثر الرياضات البارالمبية التي تحظى بالاهتمام والمتابعة. وقد اعتلت اليابان منصة التتويج العالمية في هذه الرياضة مما زاد من الآمال في حصد ميداليات خلال دورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية في طوكيو في عام 2020. ومن بين مجموعة المواهب الكبيرة الموجودة في اليابان يبرز السباح المخضرم إيجيما دايسكي كأسطورة تسطع من الماء. لكن اللاعب الذي شارك في الألعاب البارالمبية لثلاث مرات غاب في عام 2016 عن منافسات ريو دي جانيرو بسبب المرض. لكنه عاد للظهور بقوة من خلال إحرازه الميدالية الذهبية في بطولة الألعاب الآسيوية لذوي الاحتياجات الخاصة عام 2018 التي أقيمت في إندونيسيا. يتطلع إيجيما للحفاظ على زخم فوزه هذا في ألعاب طوكيو العام المقبل. 

بداية الطريق

لقد تميز إيجيما بكونه سباحاً محباً للمنافسة منذ أن كان صغيراً. لقد نشأ وهو يحلم بالمشاركة في الألعاب الأولمبية، لكن حلمه انهار بعد تسببت جلطة تعرض لها في المرحلة الإعدادية مما تسبب له بالإصابة بشلل جانبه الأيسر. لكن الإصابة لم تبعده عن حلمه فقد قرر ممارسة السباحة، وركز اهتمامه على أن يكون الأفضل في هذه الرياضة وهو ما يعني لإيجيما الفوز بميدالية ذهبية. وبما أنه يتدرب لألعاب طوكيو فإنه لاحظ تزايد الاهتمام الشعبي بالرياضيين وكذا الإقدام على دعمهم.

يتذكر قائلاً ”عندما بدأت التدريب قبل عقدين تقريبًا، كنت في الأساس بمفردي“. ”في ذلك الوقت، كان الناس يميلون إلى النظر إلى السباحة كشكل من أشكال إعادة التأهيل وليس التنافس الجاد. الرياضيون الملتزمون بالكاد حصلوا على أي دعم. لم يكن لدي مدرب مخصص أو سباحون من ذوي الخبرة لأعتمد عليهم للحصول على المشورة، لذلك جربت أفكارًا مختلفة وطبقت الناجح منها“.

يقول إنه عندما كان طالباً في المرحلة الثانوية كان يتدرب إلى جانب زملائه الأصحاء في فريق المدرسة للسباحة وسرعان ما اكتسب سمعة جيدة كمنافس قوي. وقد تم اختياره ضمن أعضاء الفريق الوطني في سن السادسة عشر وسافر إلى الأرجنتين للمشاركة في البطولات العالمية لعام 2002. وقد شارك في مسابقة السباحة على الظهر فئة S7 وهو تصنيف يضم منافسين من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين لديهم مشاكل في القدم أو مبتوري الأطراف.

”لم يكن هناك أي منافس لي في اليابان لذلك شاركت في المسابقة وأنا كلي ثقة بالفوز“، ”لكن الأمر كان صادماً لي عندما تمكن السباح البريطاني آندريو ليندساي من هزيمتي في نهائي سباق المئة متر سباحة على الظهر. لقد قطع المسافة في وقت قياسي وغير معقول متقدماُ عليا بخمسة عشر ثانية وظفر بالميدالية الذهبية“، وكانت الهزيمة أمرا مفاجئا بالنسبة لي.

وما زاد الأمر سوء هو عندما حاولت تهنئة السباح بفوزه بعد السباق فقابلني باستهزاء وغرور، لذلك حاول إيجيما العمل بجد على تغيير أسلوب تدريباته من أجل هدف واحد وهو هزيمة ليندساي.

إيجيما وهو يتدرب على السباحة على الظهر، الصورة من سيغماكسيز.
إيجيما وهو يتدرب على السباحة على الظهر، الصورة من سيغماكسيز.

البداية في الألعاب البارالمبية

كان إجيما طالباً جامعياً عندما شارك لأول مرة في دورة الألعاب البارالمبية في أثينا عام 2004، حيث فاز بالميدالية الفضية كجزء من فريق سباق التتابع المتنوع 200 متر واحتل المركز الخامس في سباق 100 متر ظهر. 

رغم التتويج بيمدالية إلا أن الفشل في الإطاحة بليندساي جعل فرحته ناقصة، إذ يقول ”لقد بذلت مجهوداً كبيراً في تدريباتي خلال العامين اللذين عقبا البطولة العالمية السابقة من أجل تجاوز الفرق وسد الفجوة التي كانت بيننا، لكن على ما يبدو أن ليندسي أيضاً قام بنفس الشيء فقد كان أسرع مما كان عليه في سباق الأرجنتين وتفوق عليا بفارق 3 ثوان.

ولكن الأمر لم يردعه بل زاد من عزيمته، حيث واصل تدريباته وشارك في ألعاب بكين 2008 وكله ثقة من النجاح، وفي الأخير احتل المركز الخامس متجاوزاً الوقت الذي مكن ليندساي من الفوز بميدالية ذهبية خلال دورة ألعاب أثينا.  في حين تمكن السباح البريطاني من التفوق عليه مرة أخرى بنصف ثانية محتلاً الترتيب الرابع. وفي طريقه إلى غرفة تبديل الملابس تفاجأ بتلقي تحية بالرأس من منافسه. إضافةً إلى الثناء عليه خلال لقاء كانت تجريه محطة بي بي سي مع ليندساي أين قام الأخير بالالتفاف إلى إيجيما قائلاً بأعلى صوت ”عظيم“.

يقول إيجيما ”لقد كان لهذه الالتفاتة غير المتوقعة دورًا في تخفيف مرارة الهزيمة، صحيح أنني فشلت في الفوز بميدالية، لكن تلك الإيماءة جعلتني أكثر تصميماً على الاستمرار في تطوير قدراتي وتحسينها“.

يقول إيجيما أن ألعاب لندن 2002 فتحت له المجال لخوض تجارب جديدة كمنافس، فقد تحول الاهتمام من الألعاب الألومبية نحو الألعاب البارالمبية وقد ساهم في ذلك التغطية الاعلامية التي قامت بها القناة المحلية الرابعة من خلال برنامج ”شاهد الأبطال“ ما ساعد على لفت اهتمام الناس إلى الرياضيين ذوي الاحتياجات الخاصة والمنافسة ككل. يضيف إيجيما أن بريطانيا قد عرفت كدولة مؤسسة لهذه الألعاب، ثم يضيف أن المناخ العام كان ينبض بالحياة، فقد احتللت المرتبة الخامسة في فئة السباحة الفراشة لمسافة 50 متراً لكن الجماهير المحلية احتفت وهللت لي كما لو كنت قد فزت بالميدالية الذهبية فلقد كان هناك الكثير من الحب والمشاعر الدافئة لكل اللاعبين.

تغير الأقدار

تعود أصول إيجيما إلى مدينة كيوتو، وكان يمارس السباحة معظم أوقاته، فقد بدأ والداه اصطحابه إلى حصص السباحة عندما كان يبلغ من العمر 3 سنوات فقط، وبدأ مزاولة التدريبات من أجل أن يصبح سباحاً منافساً عندما كان في مرحلة متقدمة من الطور الابتدائي وقد أبلى حسناً إلى أن تغيرت حياته بالكامل عندما اصيب بجلطة وهو في الصف الثامن. يقول متذكراً أنه كان يلعب كرة السلة مع رفاقه في أحد أيام شهر أفريل بعد المدرسة وبعد ذلك توجه إلى التدرب على السباحة وبمجرد وصوله إلى حمام السباحة وقع مغمياً عليه، آخر ما يتذكره هو وجوده داخل سيارة الإسعاف وتفكيره بتضييع حصة التدريب.

يقول إيجيما: لم يكن لدي أدنى فكرة عما حدث، فقد أفاق بعد يومين من غيبوبته ليجد نفسه عاجزاً عن تحريك القسم الأيسر من جسده. اشتبه الأطباء بجلطة لكنهم لم يتمكنوا من معرفة سبب حدوث ذلك. يضيف كان يمكن للأمر أن يكون وقعه مختلفاً لو كنت قد تعرضت لحادث أو أي شيء آخر لكن عدم معرفة السبب صعب عليا أمر تقبل الشلل الذي أصبت به.

لقد وقع الأمر بمرارة يصعب بلعها بالنسبة لصبي في سن 13 من عمره، يقول إيجيما أنه بكى دون توقف طيلة الأسبوع الأول، فأنا لم أقو على استيعاب الأمر مستدركاً صدمته عندما تم اخباره بأنه سيمضي بقية حياته على كرسي متحرك. إضافة إلى وجود تشخيص آخر أكثر قسوة يقضي بوجود احتمال كبير بأن يُصاب بجلطة أخرى قاتلة. فأن تجد نفسك مضطراً للتعامل مع إعاقة دائمة وبشكل مفاجئ مع احتمالية الموت أمر مربك للغاية، لذلك كان كل ما يمكنني فعله هو البكاء لفترة طويلة.

ولكن بمجرد أن خف وقع الصدمة بدأ إيجيما بالنظر إلى الوضع من زاوية أخرى، حيث يقول: لقد أدركت أن البكاء لن يغير أي شيء ومن الأفضل لو ركزت اهتمامي وكرست طاقتي في العمل على إعادة تأهيل جسمي. لقد كان إيجيما عازماً على تحسين حالته الصحية وبخضوعه للعلاج تمكن من استعادة قدرته على استخدام ساقه اليسرى بشكل جزئي.

وقد عاد إيجيما إلى مقاعد الدراسة لاحقاً من نفس العام، وخلال صيف ذلك العاك شاهد بإثارة السباحة ناريتا مايومى وهي تحصد ست ميداليات ذهبية خلال ألعاب سيدني البارالمبية. متأثراً بذلك التحدي قرر إيجيما أن يصبح سباحاً محترفاً واستمر بالذهاب إلى ثانوية خاصة بها فريق للسباحة. وعندما طلب من المدرب أن يسمح له باستخدام ممر مفتوح من حوض السباحة من أجل التدرب أخبره المدرب بأنه قد تم اتخاذ قرار بضمه إلى الحصص التدريبية.

يقول إن موقف مدربه وزملائه ساعده على تغيير وجهة نظره كلاعب من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يقول: لقد تدربت وكنت أنافس زملائي مثل أي شخص آخر طبيعي رغم أني كنت بطيئا بعض الشيء لكن شعوري بكوني شخصاً مختلفاً تلاشت وتوقفت عن استخدام اعاقتي كحجة.

حلم الميدالية الذهبية

لم يتبق على ألعاب طوكيو سوى سنة أو ما يزيد وإيجيما لا يكف عن العمل بجد والتحضير لهذه الألعاب. فهو يبلغ الآن 33 عاماً ويقول السباح المحارب أن محفزاته قد تغيرت منذ أن كان يحاول تجاوز ليندساي ومنافسته على منصة الميداليات. مثلما فعلت ناريتا من قبل يريد إيجيما اليوم أن يكون نجاحه مصدر إلهام لغيره من ذوي الاحتياجات الخاصة لحثهم على اقتحام عالم الرياضة خصوصاً السباحة، حيث يقول إنه إذا كان بإمكانك أن تطفو فبإمكانك أن تسبح ثم يضيف أتمنى أن أفوز بالميدالية الذهبية لأحفز الناس على الدخول إلى المسبح.

ثم يصرح مضيفاً أن ألعاب طوكيو ستنزل الستارة على مشواره التنافسي. لكن الأمر لا يعني نهاية علاقته بهذا النوع من السباحة وبعد تعليق مشواره التنافسي يتمنى الانخراط في العمل التدريبي للأجيال القادمة من السباحين. وبالتأهب للمشاركة في البطولة الرابعة له يعد إيجيما معجبيه بالكثير من الإنجازات.

(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية، الصور من هاناى توموكو. صورة العنوان: إيجيما دايسكي يعرض ميداليته الذهبية التي فاز بها خلال سباق 100 متر سباحة حرة عام 2018 خلال ألعاب آسيا لذوي الاحتياجات الخاصة والميدالية الفضية في ألعاب أثينا 2004)

الألعاب الأولمبية رياضة