«غان فيش».. أسرار سمكة قاتلة في قلب الثقافة الغذائية اليابانية
المطبخ الياباني- English
- 日本語
- 简体字
- 繁體字
- Français
- Español
- العربية
- Русский
رقة محفوفة بالمخاطر
يبدأ الفيلم الوثائقي غان فيش أحداثه في منشأة رسمية في طوكيو مخصصة لإزالة السموم من سمك الفوغو. ووقت التصوير عام 2017، كانت المنشأة تقع في سوق تسوكيجي، وذلك قبل انتقال سوق المأكولات البحرية بالجملة الشهير عالميًا إلى حي تويوسو. وكما يوحي الاسم، كان هذا المكان مخصصاً لإزالة الأعضاء السامة من أسماك الفوغو، وهو المصطلح الياباني العام الذي يشمل جميع أنواع الأسماك المنتفخة قبل طرحها في الأسواق. وفضلاً عن ذلك، كانت المنشأة تُستخدم خلال موسم الركود الممتد من الربيع وحتى الصيف كمقر لإجراء الاختبارات اللازمة للحصول على رخصة طهي سمك الفوغو في طوكيو.
وتخضع عملية التعامل مع سمك الفوغو لرقابة صارمة بموجب قواعد محددة على مستوى المحافظات. ورغم عدم وجود معيار وطني موحد للحصول على التراخيص المختلفة أو تصنيفها، إلا أنها جميعاً تهدف في جوهرها إلى ضمان امتلاك الطهاة للمعرفة والمهارات اللازمة لتقديم هذا السمك للجمهور بأمان.

يتطلب اختبار الحصول على رخصة طهي سمك الفوغو معرفةً تفصيليةً بأنواع الفوغو المختلفة. (© الجهات المشاركة في إنتاج فيلم غان فيش)
ويتطلب الحصول على الرخصة القدرةَ على تمييز أنواع سمك الفوغو المختلفة، والتمييز بين الأجزاء الصالحة للأكل وتلك غير الصالحة في كل نوع، فضلاً عن تنظيف السمك بطريقة آمنة. ويتركز سم الفوغو، وهو نوع من مادة تيترودوتوكسين بشكل أساسي في الكبد والمبايض، إلا أن الأجزاء السامة قد تختلف باختلاف النوع، فمن بين 70 نوعاً من أسماك الفوغو التي تعيش في البحار المحيطة باليابان، هناك 22 نوعاً لحمها صالح للأكل، و18 نوعاً تُؤكل غددها التناسلية الذكرية (الخصى)، بينما تقتصر الأنواع التي يُمكن أكل جلودها وزعانفها على 11 نوعاً فقط. لذا، فإن الطريق ليصبح المرء طاهياً محترفاً في إعداد سمك الفوغو يتطلب قدراً كبيراً من المعرفة والخبرة.
وأثناء التصوير في منشأة إزالة السموم، كان الاكتشاف الأبرز لمخرج الأفلام الوثائقية أونو واتارو هى الطاهية المتدربة ناميكي يوكاري، التي أصبحت محور فيلمه الرئيسي. وظهرت يوكاري التي كانت تبلغ من العمر 23 عاماً وقت التصوير في بداية رحلتها التعليمية، حيث بدت وكأنها لم تستوعب أياً من الدروس التي تلقتها.
ويستعرض المخرج أونو مراحل تطورها قائلاً: ˮبينما كنا نصور تدريبها، كان انطباعي الأول أننا لن نتمكن من استخدام أي من تلك اللقطات. لكن بعد أسبوعين، بدا الأمر وكأننا نشاهد شخصاً مختلفاً تماماً وهو يتعامل مع سمكة الفوغو، لقد كان مشهداً مبهراً. واتصلت بصديق كان يساعدنا في التصوير وقلت له: ’لقد عثرنا على بطلة الفيلم، نحن في طريقنا لصنع فيلم حقيقي‘. أتذكر أنني كنت أشعر بحماس شديد“.

ناميكي يوكاري تحدد أنواع سمك الفوغو. (© الجهات المشاركة في إنتاج فيلم غان فيش)
مستقبل صيد سمك الفوغو
يستعرض النصف الأول من الفيلم مشاهد للتدريب المكثف الذي تخضع له ناميكي، تتخللها شروحات مبسطة تتناول بيولوجيا سمك الفوغو وجوانبه الثقافية والتاريخية، لتُبرز المكانة الفريدة التي يحظى بها هذا النوع من الأسماك.
ومن المعلومات الطريفة التي تُذكر في هذا السياق، قصة تحول مدينة شيمونوسيكي الواقعة في محافظة ياماغوتشي إلى المركز الوطني لكل ما يتعلق بسمك الفوغو. فإلى جانب موقعها القريب من مناطق صيد غنية، كان هذا النوع من السمك جزءاً أصيلاً من المطبخ المحلي لفترة طويلة، إلا أن نقطة التحول الحاسمة تمثلت في كونها أول مدينة في اليابان يُرفع فيها الحظر الرسمي المفروض على تقديم سمك الفوغو. وقد تحقق ذلك بفضل جهود إيتو هيروبومي (1841-1909)، أول رئيس وزراء لليابان والمنحدر أصلاً من محافظة ياماغوتشي، الذي كان يستمتع كثيراً بتناول سمك الفوغو في شيمونوسيكي. والجدير بالذكر أن المطعم الذي تناول فيه تلك الوجبة، ويُدعى شونبانرو هو ذاته المكان الذي وُقِّعت فيه معاهدة السلام لإنهاء الحرب الصينية اليابانية الأولى (1894-1895). وقد أدى رفع الحظر إلى ازدهار مطاعم الفوغو في شيمونوسيكي، كما حفّز تطوراً سريعاً في مهارات تحضير هذا السمك وطهيه.
وقد افتُتح سوق هايدوماري في شيمونوسيكي المتخصص في أسماك الفوغو عام 1974. وتُجلب إلى هذا السوق أسماك الفوغو التي يتم صيدها من مختلف أنحاء اليابان، حيث تُزال منها الأجزاء السامة قبل شحنها لإجراء المزيد من عمليات المعالجة في جميع أنحاء البلاد. وبهذا، اكتسبت شيمونوسيكي مكانة بارزة، ليس بصفتها مركزاً لصيد أسماك الفوغو فحسب، بل كمركز لوجستي رئيسي لصناعة هذه الأسماك.

ˮمزاد الأكياس“ في سوق هايدوماري، حيث كان المشترون يعلنون عن عروض أسعارهم بصمت، مستخدمين إشارات الأصابع داخل الكيس. (© الجهات المشاركة في إنتاج فيلم غان فيش)
غير أن القوة التي كانت تتمتع بها علامة شيمونوسيكي التجارية دون منازع آخذة في التراجع اليوم. ويوضح أونو قائلاً: ˮفي حين تستحوذ الأسماك المستزرعة الآن على 90 في المائة من السوق، نجد أن مناطق صيد سمك الفوغو البري قد انتقلت تدريجياً نحو الشمال، إذ بات يُصطاد الكثير منها في خليج طوكيو، أو منطقة سوتوبو في محافظة تشيبا، أو في المياه قبالة مدينة سوما في فوكوشيما. ولقد تسارعت وتيرة التحول بعيداً عن شحن أسماك الفوغو إلى شيمونوسيكي خلال السنوات التسع التي تلت تصويرنا للفيلم، وأعتقد أن مدينة شيمونوسيكي نفسها تقف اليوم عند مفترق طرق“.
سمكة الفوغو الأصلية من أوساكا
عند الحديث عن سمك الفوغو، تبرز مدينة أوساكا إلى جانب مدينة شيمونوسيكي، كوجهة لا يمكن إغفال ذكرها، فهي تُعد أكبر سوق استهلاكية لهذا النوع من السمك في اليابان، إذ تستحوذ وحدها على 60% من إجمالي استهلاك الفوغو. ونظراً لأن العديد من المشترين يحصلون عليه مباشرة من موانئ الصيد، فإن سعره يصبح أقل تكلفة بالنسبة للمستهلكين، الأمر الذي أدى إلى تراجع شهرته في المدينة نسبيًا باعتباره صنفاً فاخراً أو باهظ الثمن. وتزخر أوساكا أيضاً بأعداد كبيرة من الطهاة المرخصين لإعداد الفوغو، وقد طورت المدينة على مر السنين نظاماً فريداً خاصاً بها لمنح هذه التراخيص، وقد حصل أونو على ترخيص رسمي لإعداد الفوغو في أوساكا عام 2017، حيث لمس بنفسه الفارق الكبير مقارنة بالوضع في طوكيو.

المخرج أونو واتارو. (© Nippon.com)
ˮوعلى سبيل المثال، في طوكيو توجد نسبة نجاح محددة، فإذا لم تحقق المستوى المطلوب، يكون الرد ببساطة: ʼنراك في العام المقبلʻ. أما في أوساكا، فيستمر تدريبك حتى تكتسب المعرفة اللازمة. إذ ينصب التركيز على القدرة على إزالة الأجزاء السامة بدلاً من مهارات التحضير التفصيلية. بينما يُتوقع منك تعلم بقية مهارات الطهي اللاحقة لذلك داخل المطبخ. وتُعد هذه الفلسفة ملائمة تماماً لمدينة أوساكا التي تزخر بالعديد من مطاعم سمك الفوغو“.

كوشيدا كويئتشي، خبير الفوغو القائم على إدارة شركة كوشيدا سويسان للمأكولات البحرية في سوق تسوكيجي (سوق تويوسو حاليًا). (© الجهات المشاركة في إنتاج فيلم غان فيش)
وفي الوقت نفسه، يعمل (زينكوكو فوغو رينمي - الاتحاد الوطني للفوغو) الذي يبرز دوره بوضوح في الفيلم على تعزيز توحيد نظام التراخيص في جميع أنحاء اليابان، إذ أن غياب معيار موحد يجعل من الصعب رفع القيود المفروضة على الاستيراد في الاتحاد الأوروبي والأسواق العالمية الأخرى. وقد أثمرت جهود الاتحاد عن إصدار وزارة الصحة والعمل والرفاهية توجيهات تهدف إلى القضاء على التباين في القواعد المطبقة بين المحافظات، واستجابةً لذلك، سهلت طوكيو من المؤهلات اللازمة لإجراء الامتحان واختبار المعرفة، في حين تحولت أوساكا من نظام يعتمد على التدريب إلى نظام يعتمد على اجتياز الامتحان.

مهرجان فوكو (وهي تسمية محلية لسمك الفوغو) التذكاري السنوي في مدينة شيمونوسيكي، الذي يجمع المتخصصين في هذا النوع من الأسماك من جميع أنحاء اليابان. (© الجهات المشاركة في إنتاج فيلم غان فيش)
لحم سمك الفوغو في المطبخ الياباني
بعد أن يتلقى المشاهدون لمحةً سريعةً ومعلوماتٍ أساسيةً عن سمكة الفوغو في النصف الأول، يطرح فيلم غان فيش نقاشاً محتدماً حول سؤال جوهري في ثقافة تناول هذه السمكة: ماذا لو أصبحت سمكة الفوغو غير سامة؟
حيث تتمحور المسألة حول المحظور المتعلق بتناول كبد سمكة الفوغو. فعلى الرغم من شيوع المعرفة بأن كبدها سام، إلا أن الكثيرين مدفوعين بما يُشاع عن مذاقها اللذيذ للغاية استسلموا للإغراء وفقدوا حياتهم. وكان من بين هؤلاء الممثل الشهير لمسرح الكابوكي، باندو ميتسوغورو الثامن (1906-1975)، إذ أدت وفاته عام 1975 جراء التسمم بسمك الفوغو إلى سن قانون يفرض عقوبات صارمة على بيع أحشاء هذه السمكة.

طبق تقليدي من محافظة إيشيكاوا يتكون من مبايض سمك الفوغو المُخللة، وهي أجزاء تضاهي الكبد في خطورتها، والطريقة الوحيدة لجعلها صالحة للأكل تكمن في هذا الأسلوب التقليدي القائم على تخميرها لأكثر من ثلاث سنوات في محلول ملحي ونخالة الأرز. (© الجهات المشاركة في إنتاج فيلم غان فيش)
ولكن في عام 2004، نجح فريق بحثي من جامعة ناغاساكي كان يعكف على دراسة سم سمكة الفوغو في إنتاج أسماك فوغو مُربّاة في المزارع وخالية من السموم، وهو إنجاز أثمر عن نشر مقال حوله في مجلة نيتشر العلمية الصادرة باللغة الإنجليزية. ولو أصبح كبد سمكة الفوغو آمناً للأكل، لشكّل ذلك بلا شك نقطة تحول فارقة في ثقافة الطعام اليابانية.
وقد سعت محافظة ساغا إلى الاستفادة من هذا الإنجاز في إطار خطة للإنعاش المحلي، إذ تقدمت بطلب إلى وزارة الصحة والعمل والرفاهية للحصول على تصنيف خاص كمنطقة لكبد سمك الفوغو، يُسمح فيها ببيع واستهلاك كبد سمك الفوغو المُربَّى في المزارع والخالي من السموم. وكما كان متوقعاً، عارض الاتحاد الوطني لسمك الفوغو ومدينة شيمونوسيكي هذه المبادرة، معتبرتين أن وقوع حادثة واحدة قد يقوّض الثقة في ثقافة طهي سمك الفوغو في البلاد بأسرها. وقد قوبل هذا المشروع بالرفض من قِبَل الوزارة ثلاث مرات، ليتم التخلي عنه تماماً في نهاية المطاف.
ويتناول الفيلم الوثائقي هذا الجدل الدائر حول تناول الكبد، مستعرضاً وجهات نظر المؤيدين والمعارضين، وذلك في سياق استكشافه للوضع الراهن لمطبخ سمك الفوغو في اليابان.
ˮأعتقد أنه لولا كون سمك الفوغو ساماً، لما كان لدينا فيلم من الأساس. إنني ألمس طابعاً يابانياً خاصاً يتجلى في القيم المتعارضة التي يبرزها هذا الجدل. لقد أردت منح كلا الطرفين القدر ذاته من الاحترام، ولذا أطلقت عليهما اسمي ʼالمغامرونʻ وʼالحُراسʻ. فلا يوجد طرف خَيِّر وآخر شرير، فكل منهما يتبنى موقفاً يتمسك فيه بمبادئه ومعتقداته ويعمل بمقتضاها. وأجد في ذلك أمراً رائعاً حقاً.“

يستعرض كاميي كازوهيرو (على اليمين)، وهو الطاهي ومالك مطعم فوغو ريوري تومويء في كيوتو، أسلوب تقطيع الفوغو ساشيمي. (© الجهات المشاركة في إنتاج غان فيش)
المخاطرة بحياتهم من أجل الفوغو
يُعرّفنا الفيلم على أشخاص يعملون مع سمك الفوغو في أدوار متنوعة، حيث يعبّر كل منهم عن شغفه الخاص بهذا النوع من الأسماك. ورغم اختلاف مواقعهم المهنية، إلا أنهم يتشاركون المبادئ ذاتها المتمثلة في توسيع نطاق الأطباق المُعدّة من هذه السمكة الفريدة، والحفاظ على ثقافة طهيها، ورعايتها لضمان استمراريتها في المستقبل.
ويقول المخرج: ˮأثناء مونتاج الفيلم، ترسخت لدي قناعة بأن جمع كل هؤلاء الأشخاص في فيلم واحد هو أمر لا يمكن لأحد سواي القيام به. وتلك واحدة من أهم الدروس التي تعلمتها من هذه التجربة بأكملها“.

يُعد كيتاهاما كيتشي، مالك مطعم كيتاهاتشي في أوساكا ومؤسس متحف الفوغو، واحداً من أبرز الباحثين في العالم المتخصصين في سمك الفوغو، وهو يؤكد أن ˮالفوغو يجمع الناس معاً“. (© الجهات المشاركة في إنتاج غان فيش)
وفي المجمل، انقضى عقدٌ من الزمن منذ بدء التصوير وحتى اكتمال الفيلم الوثائقي، وهي فترةٌ تزامنت مع جائحة فيروس كورونا.
ويضحك أونو قائلًا: ˮقبل أن أبدأ البحث في الأمر، كان لدي نفس التصور عن سمك الفوغو مثل معظم الناس، إنها سمكة سامة للغاية. لم أتخيل أبدًا أنني سأنغمس في الأمر إلى هذه الدرجة! لا بد أن هذا هو الخطر الحقيقي للفوغو!“
الإعلان (باللغة اليابانية)
(المقال الأصلي نُشر باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة الموضوع: الطاهي والمالك ماكيتا يويئتشي من مطعم أوينو سانتومو العريق في طوكيو، المتخصص في تقديم سمك الفوغو والذي تأسس عام 1928. يشغل ماكيتا أيضاً منصب مدير الاتحاد الوطني للفوغو. (© الجهات المشاركة في إنتاج غان فيش)

