الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات: من آفاق المختبر إلى أمل البشرية

اليابان على أعتاب ثورة طبية بأعضاء مصغّرة قد تنقذ حياة الملايين

تكنولوجيا

لا شك أن زراعة الأعضاء تنقذ الأرواح، لكن النقص الحاد في الأعضاء المتبرع بها لا يزال تحديًا عالميًا مستمرًا. وفي مواجهة هذا الواقع، يتجه الباحثون إلى نهج مبتكر يعتمد على الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات (iPS) لإنتاج أنسجة عضوية ثلاثية الأبعاد تُعرف باسم الأورغانويدات، أو ”الأعضاء المصغّرة“. في هذه المقالة، نستكشف آفاق هذا التوجّه الواعد من خلال جهود البروفيسور تاكيبي تاكانوري، الذي يلعب دورًا رياديًا في تطوير هذه التقنيات، بما قد يفتح الباب أمام حلول جديدة لأزمة نقص الأعضاء في المستقبل.

تاكانوري تاكيبي TAKEBE Takanori

من أبرز رواد أبحاث الطب التجديدي والأورغانويدات، يشغل مناصب متعددة منها بروفيسور علم تجديد أنظمة الأعضاء في كلية الدراسات العليا للطب بجامعة أوساكا، وبروفيسور خاص في مركز أبحاث العلوم الطبية المتقدمة بجامعة مدينة يوكوهاما، وبروفيسور في معهد الأبحاث المتقدمة بجامعة طوكيو للعلوم. كما يدعم الأبحاث الأساسية في المركز البحثي التابع لمستشفى سينسيناتي للأطفال في الولايات المتحدة. حاصل على درجة الدكتوراه في الطب من كلية الطب بجامعة مدينة يوكوهاما. فاز في عام 2024 بجائزة نوبل للحماقة عن اكتشافه قدرة الثدييات على امتصاص الأكسجين عبر الشرج.

محاولات لتجاوز عقبات زراعة الأعضاء

بالنسبة إلى الأشخاص الذين تراجعت وظائف أعضائهم بسبب أمراض خطيرة أو حوادث أو أسباب أخرى، تعد زراعة الأعضاء الوسيلة الأكثر فاعلية لاستمرار الحياة. غير أنه وفقا لما ذكرته الشبكة اليابانية لزراعة الأعضاء، يواجه نحو 16 ألف مريض في اليابان يرغبون في إجراء مثل هذه الزراعة، نقصا حادا في الأعضاء المتبرع بها، ولا يتجاوز عدد من يجرون زراعة أعضاء سنويا 500 إلى 600 شخص تقريبا. وبسبب طول فترات الانتظار، يفقد عدد ليس بالقليل حياتهم خلالها.

ومن الأبحاث التي تحمل إمكانية تغيير هذا الواقع الطبي من جذوره، دراسة ”الأورغانويدات Organoids (الأعضاء المصغرة)“، حيث يتم تخليق جزء من الأعضاء من خلايا جذعية مستحدثة متعددة القدرات.

إن ”الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات“ -التي تسمى اختصارا ”آي بي إس“ (iPS)- هي خلايا أُعيدت برمجتها بإضافة عدد قليل من الجينات إلى خلايا الجسم، مثل خلايا الجلد أو الدم، مما يُعيدها إلى حالةٍ تُمكّنها من التمايز إلى أنواعٍ مختلفة من الخلايا. وعندما تتمايز هذه الخلايا في ظروف استزراع مناسبة، تتنظم خلايا متعددة ذاتيًا، مُشكّلةً أنسجةً صغيرة ثلاثية الأبعاد ذات بنيةٍ تُحاكي الأعضاء - وهي الأورغانويدات

تخليق أعضاء ثلاثية الأبعاد من الخلايا الجذعية

تاكيبي هو باحث تمكن في عام 2013 بعد عامين على تخرجه من كلية الطب في جامعة مدينة يوكوهاما من الجمع بين خلايا كبدية مشتقة من الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات iPS، وخلايا الأوعية الدموية، والخلايا اللحمية المتوسطة التي تربط بين الخلايا، بهدف تخليق ”أورغانويد“ يسمى ”برعم كبدي“، يشبه بنية الكبد في مراحله الجنينية المبكرة.

أول أورغانويد كبدي في العالم جرى تخليقه من خلايا iPS في 7 يوليو/تموز عام 2013، جامعة مدينة يوكوهاما. (© كيودو نيوز)
أول أورغانويد كبدي في العالم جرى تخليقه من خلايا iPS في 7 يوليو/تموز عام 2013، جامعة مدينة يوكوهاما. (© كيودو نيوز)

وعند تمت زراعة برعم كبدي لم يتجاوز حجمه نحو 4 مليمترات في فئران تعاني من فشل كبدي، نما البرعم إلى حالة امتلك فيها بصورة ذاتية شبكة أوعية دموية وجزءا من وظائف الكبد، وارتفعت معدلات بقاء الفئران على قيد الحياة بشكل كبير. وعند نشر هذه النتائج، التي أظهرت أن أنسجة مخلّقة من الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات iPS يمكنها أن تعمل داخل الجسم، في المجلة العلمية البريطانية ”نيتشر“، حظيت باهتمام عالمي واسع.

يقول البروفيسور تاكيبي ”أعتقد أن هناك نقطتين مهمتين في هذه النتيجة. الأولى أننا تمكنا من طرح مسألة مفادها أنه عند التفكير في تجديد الأعضاء، من الأهمية بمكان اعتبار آليات أكثر تعقيدا تشمل استخدام خلايا متعددة بدلا من خلية واحدة بمفردها. أما الثانية فهي أن البرعم الكبدي الذي خلّقناه كان نسيجا يوازي نسيج الكبد في أولى مراحله داخل جسم الجنين. وقد كان من أبرز ما توصلنا إليه أننا استطعنا البرهان على فكرة أن زراعة مثل هذه الأنسجة غير الناضجة داخل الجسم قد يقود إلى العلاج“.

من محدودية طب زراعة الأعضاء إلى الطب التجديدي

الدافع الذي ألهم البروفيسور تاكيبي لاختيار المسار الطبي هو إصابة والده بنزيف دماغي عندما كان في الصف الثالث الابتدائي. وقد دخل والده في حالة خطرة لفترة من الزمن، وبدأ يدرك معنى الموت –رغم صغر سنه– وكانت مشاعر القلق تراوده مرارا. وبعد أن نجا والده من الموت بأعجوبة، وشاهد كيف تعافى حتى عاد إلى المجتمع من جديد، ترسخ في ذهنه معنى ”العمل الذي ينقذ حياة الناس“. واختار الالتحاق بجامعة مدينة يوكوهاما، ويعقّب ضاحكا ”لأنني انجذبت إلى ميزة الخصم المخصص لسكان يوكوهاما“.

وفي الجامعة، وضع نصب عينيه منذ البداية هدف التخرج كجراح متخصص في عمليات زراعة الكبد. وقد تأثر بواقعة شهد فيها وفاة والد زميل له أصغر سنا كان مقربا منه في المرحلة الثانوية، وذلك بعد بضعة أشهر من خضوعه لزراعة كبد من متبرع حي. غير أنه أثناء انخراطه في مجال طب زراعة الأعضاء، صُدم بواقع النقص الحاد في الأعضاء المتاحة للزراعة.

”انجذبت إلى زراعة الأعضاء بسبب بساطة فعاليتها العلاجية، حيث تعالج الأمراض من جذورها. ولكن في ظل محدودية التبرع بالأعضاء، لا يمكن في الواقع إنقاذ جميع المرضى على قائمة الانتظار. وكان ينتابني شعور بأن الطبيب لا يعالج المرض بقدر ما يختار من يمكن إنقاذه، وقد كان ذلك صعبا للغاية“.

ومن هنا اتجه إلى أبحاث الطب التجديدي التي تهدف إلى إنتاج الأعضاء. كانت أبحاث الطب التجديدي آنذاك تستخدم الخلايا الجذعية الجنينية متعددة القدرات (خلايا ES). وكانت هذه الخلايا، التي تُنتج من أجنة البويضات المخصبة في مراحلها المبكرة، تثير إشكالات تتعلق بأخلاقيات الحياة، ولذلك لم يكن مسموحا باستخدامها في جامعة مدينة يوكوهاما. ”ثم ظهرت خلايا iPS، فأصبح الوصول إلى هذا المجال ممكنا حتى لباحث مبتدئ مثلي. لا نزال لا نعرف على وجه اليقين ما العلاج الأمثل البديل عن الزراعة، لكنني أعتقد أن نهج الطب التجديدي القائم على تخليق الأعضاء انطلاقا من الخلايا قد يكون أحد المسارات الواعدة“.

الأعضاء تعيش ضمن شبكة مترابطة

تقدمت أبحاث البروفيسور تاكيبي نحو رؤية تعتبر العضو ليس نسيجا منفردا قائما بذاته، بل بنية ترتبط بأعضاء أخرى داخل الجسم.

وفي عام 2019، نجح البروفيسور تاكيبي وفريقه في تخليق ”أعضاء مصغرة متعددة“ مكونة من كبد وقناة صفراوية وبنكرياس مترابطة معا، وذلك انطلاقا من خلايا iPS بشرية. ينشأ الكبد في الأصل ويعمل داخل بنية ترتبط عبر القناة الصفراوية بالبنكرياس وغيره من الأعضاء. وقد أعاد الفريق محاكاة بيئة النمو التي تتولد فيها هذه الأعضاء.

ثم في عام 2025، نجح الفريق كذلك في إنتاج أورغانويد كبدي يمتلك بنية قريبة من بنية الكبد البشري الحقيقي. في الكبد تتقاسم الخلايا ذات الوظائف المختلفة الأدوار، فمنها خلايا تفكك العناصر الغذائية، ومنها خلايا تنتجها. وفي هذا المشروع، أعيدت محاكاة هذا التنوع الخلوي والتوزع المكاني المختلف، ما يجعلنا أقرب خطوة نحو التطبيق العلاجي.

”في كثير من أبحاث علوم الحياة، يجري تفكيك العناصر وتبسيطها من أجل كشف العلاقات السببية. فعلى سبيل المثال، إذا كانت الدراسة عن الكبد، تعزل خلايا الكبد فقط وتتم دراستها، أما منهجي فهو مختلف تماما. إذ أحاول دمج الخلايا والأنسجة لصنع حالة أكثر تعقيدا. فالكبد في الواقع لا يتكون من خلايا جذعية وحدها، كما أنه لا يوجد منفردا داخل الجسم. إنه يعمل ضمن بنية متصلة بالقناة الصفراوية والبنكرياس والأمعاء. وأعتقد أنه من الأهمية بمكان النظر إلى مجمل هذا ’الترابط‘ بأسره“.

نحو العلاج باستخدام الأورغانويدات

جهاز دوران الدم خارج الجسم (مقدمة من جامعة طوكيو للعلوم)
جهاز دوران الدم خارج الجسم (مقدمة من جامعة طوكيو للعلوم)

تتقدم الأبحاث في الوقت الراهن نحو مرحلة التطبيق العملي. ومن الأمثلة على ذلك تطوير ”جهاز دوران الدم خارج الجسم“ باستخدام أورغانويدات كبدية. ويمكن تصور هذا الجهاز على أنه مشابه لجهاز الغسيل الكلوي الاصطناعي، إذ يجري تدوير دم المريض خارج الجسم عندما تنخفض وظائف الكبد بصورة حادة، وخلال هذه العملية يسند إلى الأورغانويدات جزء من وظائف الكبد، بما يتيح دعما مؤقتا للوظيفة الكبدية المتراجعة.

يضم الجهاز نحو 1000 أورغانويد كبدي صغير مشتق من خلايا iPS، موضوعة داخل كبسولات كروية صغيرة تسمى ”بطارخ اصطناعية“. ثم توضع مئات من هذه الكبسولات داخل خرطوشة، ويُمرر الدم خلالها لتحاكي جزءا من وظائف الكبد، مثل إزالة السموم والتمثيل الغذائي.

في تجارب على الجرذان، تأكد تحسن معدلات البقاء على قيد الحياة. ومن المأمول أن يشكل هذا النهج وسيلة علاجية تساعد المرضى المصابين بفشل كبدي حاد وغيرها من الحالات التي تشهد تراجعا سريعا في وظائف الكبد على تجاوز المرحلة الحرجة إلى أن يستعيد الجسم قدرته الذاتية على التعافي. وقد تبدأ التجارب السريرية في النصف الثاني من عام 2027 على أقرب تقدير.

”الكبد عضو يشرف على مئات العمليات الأيضية، ولذلك ما زال من الضروري التحقق مستقبلا من الوظائف التي يستطيع جهاز دوران الدم خارج الجسم تغطيتها، وإلى أي مدى يمكنه ذلك. لكن لهذا الجهاز تأثيرين. فإلى جانب دوره في تعويض وظائف الكبد مؤقتا، اتضح أيضا أن المواد التي تفرزها الأنسجة الكبدية الفتية يمكن أن تؤثر في الكبد المريض، ما يعزز التعافي والتجدد“.

أبحاث تستخرج مكنونات قوة الحياة

يجمع البروفيسور تاكيبي بين الخلايا الكبدية، والأوعية الدموية، وخلايا النسيج اللحمي المتوسط، ليصنع ”ترابطا“ يمتد من الكبد إلى القناة الصفراوية ثم البنكرياس. فما السبب الذي جعل هذا النهج غير المسبوق يحقق هذا القدر من النجاح؟

”المنطلق الأساسي هو الإيمان بالقوة التي تمتلكها الحياة أصلا. فمن خلية واحدة هي البويضة المخصبة، يولد الإنسان بعد نحو 10 أشهر. وهذا يعني أنه إذا جرى تهيئة البيئة المناسبة، فإن الخلايا تنمو وتتطور من تلقاء نفسها“.

وهذا التصور يطبق بصورة ملموسة في ميدان البحث أيضا.

”عندما نراقب الخلايا، تظهر أحيانا تغيرات أو مؤشرات غير متوقعة. وغالبا ما يجري تجاهلها لأنها تختلف عن هدف البحث الأصلي، لكنني أرى أن لها دلالة. ولذلك أفكر في كيفية توجيه تلك المؤشرات، بينما أهيئ الظروف اللازمة لاستخراج القوة التي تمتلكها الحياة بطبيعتها“.

من المعتقد في المرحلة الحالية أن يقتصر تطبيق أورغانويد الذي قام البروفيسور تاكيبي بتخليقه على العلاج المؤقت للحالات الحادة، وذلك بسبب عدم القدرة بعد على محاكاة مسار إفراز العصارة الصفراوية من القناة الصفراوية إلى الاثني عشر. غير أنه إذا أمكن تخليق مثل هذا الترابط، بما يشمل ”مخرج الصفراء“ من الكبد والقناة الصفراوية والبنكرياس إلى الاثني عشر، فقد ينفتح الطريق أمام علاج الأمراض المزمنة.

”إن ’الترابط‘ لا يعني مجرد اتصال الأعضاء ببعضها اتصالا مباشرا. ففي داخل الجسم، تؤثر أعضاء متعددة ببعضها البعض عبر الأوعية الدموية وغيرها. ويكمن التحدي في كيفية محاكاة هذا التفاعل الذي يشمل منظومة الجسم بأكملها. وإذا استطعنا الإعلان عن إنجاز كبير جديد، فأظن أنه سيكون في هذا المجال، ولذلك آمل أن ترتقبوا ذلك“.

الأمر لا يقتصر على ”صناعة“ الأعضاء فحسب، بل محاكاة ”الترابط“ أيضا. إن الطب التجديدي باستخدام الأورغانويدات المخلّقة من خلايا iPS يتهيأ الآن لاتخاذ خطوة جديدة نحو المرحلة التالية.

(النص الأصلي باللغة اليابانية. الإعداد والنص من قبل سوغيهارا يوكا، تم إعداد النص بالتعاون مع باور نيوز. صورة العنوان وصور النص: من تصوير يوكوزيكي كازوهيرو في حرم يوشيما التابع لجامعة طوكيو للعلوم)

الطب التجديدي خلايا iPS الرعاية الطبية والصحية زراعة الأعضاء