البابا فرنسيس وناغاساكي: رسالة قوية لتشجيع حركة نزع السلاح النووي

مجتمع

حلم زيارة اليابان

زار البابا فرنسيس بابا الفاتيكان اليابان في الفترة بين 23 و26 نوفمبر/ تشرين الثاني، كما زار ناغاساكي وهيروشيما منطلقًا من طوكيو. وقام كذلك بلقاء كلًا من الإمبراطور ناروهيتو ورئيس الوزراء شينزو آبي في زيارات رسمية بصفته رأس دولة الفاتيكان، كما استغل الفرصة في لقاء أكبر عدد من السكان، من ضمنهم سكان البلاد من الكاثوليك، الهيباكوشا (السكان المتضررين من إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناغاساكي)، وطلاب المدارس والجامعات. وبينما يعد البابا في الثمانينات من عمره حيث ولد في عام 1936، يبدو أنه مستعد لبرنامج حافل خلال الأيام القليلة التي سيمضيها باليابان.

وكان البابا، قد حلم بالذهاب إلى اليابان، التي أقنع بها المبشر الأسباني فرنسيس كسفاريوس وأحد مؤسسي الرهبنة اليسوعية العديد من الأشخاص بالتحول للمسيحية في القرن السادس عشر، من منذ كان راهبًا يسوعيًا في بلده الأم، الأرجنتين. ويقال إنه تمنى القيام بالعمل التبشيري بنفسه هناك، إلا أن هذه الأحلام قد تحطمت بسبب المتاعب الصحية المبكرة التي تعرض لها. ولكنه الآن وعلى الرغم من ذلك سيقوم كأول بابا من أمريكا الجنوبية، بالقيام أخيرًا برحلته إلى اليابان.

التحول إلى المسيحية والاضطهاد

تأسست جمعية يسوع في باريس في عام 1540. وذهب كسفاريوس كأحد مؤسسي الجمعية، بموافقة البابا، بالذهاب إلى اليابان في عام 1549، للترويج لاعتناق المذهب الكاثوليكي. وبعد 150 عامًا من بداية عصر الاكتشافات بالدخول في القرن الخامس عشر، وصل الأوروبيون لليابان لأول مرة. ومثل كل من انتشار المسيحية، بداية التجارة بين الجانبين الغربي والياباني، ودخول البنادق الحديثة إلى البلاد، نقطة تحول كبيرة في تاريخ اليابان والعالم.

حين وقعت اليابان في فترة الدول المتحاربة (1568-1467)، أدى وجود الجماهير إلى انجذابها نحو الوعد بالخلاص الذي قدمته المسيحية، وارتفعت اعداد معتنقي الديانة بشكل كبير. ووصل الانتشار كذلك إلى مستوى كبار الزعماء الإقطاعيين، وكان أول قائد يعتنق المسيحية هو أومورا سوميتادا من أومورا في اقليم هيزين (محافظة ناغاساكي حاليًا). وانتشرت الكاثوليكية سريعًا في كل أنحاء المنطقة، حتى أنه مع بداية عصر إيدو (1868-1603) كان تقريبًا كل سكان أومورا الستين ألف من معتنقي الديانة المسيحية.

وفي عام 1582، قام كبار الزعماء الإقطاعيين من أومورا، أريما وأوتومو برعاية بعثة من أربع فتيان إلى أوروبا، غادروا من ناغاساكي، حيث واستقبلهم البابا غريغوري الثامن (85-1502) في روما عام 1585. وكانت تلك أو زيارة مسجلة لشخص ياباني إلى أوروبا.

ولكن أتت الأوقات المظلمة للكاثوليكين باليابان لاحقًا. فقد أصدر تويوتومي هيديوشي (98-1537) مرسومًا بحظر المسيحية في عام 1587 وصلب 26 كاثوليكيًا من اليابانيين والأجانب على حد سواء في 1597. وفي عصر إيدو، أصدر توكوغاوا إياسو (1616-1543)، مرسومًا جديدًا في عام 1613 بحظر أنشطة القساوسة، مما زاد من قمع واضطهاد الكاثوليك وأجبرهم على التخلي عن ديانتهم. ومنذ منتصف القرن السابع عشر وحتى القرن الثامن عشر، بدأت المسيحية في التلاشي والاختفاء من البلاد.

وعلى الرغم من الحظر طوال عصر إيدو، حافظ المؤمنون على إيمانهم في أنحاء مختلفة من اليابان، بينما تظاهروا باتباع البوذية في العلن، حتى انهار نظام الإقطاع أو الشوغونية في اليابان. وقبل فترة وجيزة من إصلاحات عصر ميجي في عام 1868، حين أعادت اليابان فتح موانئها أمام السفن الأجنبية، تم اكتشاف الكثير من "المسيحيين المتخفين" في مدن أوراكامي، وناغاساكي وتم ارسالهم إلى المنفي في أماكن متفرقة باليابان، حيث توفي المئات منهم هناك. وأدت الادانات القوية من القوى الغربية لإلغاء العمل بالمرسوم المعادي للمسيحية، لاستعادة حرية الاعتقاد مرة أخرى.

ويحرص البابا فرانسيس بشكل خاص على الذهاب إلى حديقة مركز إلقاء القنبلة الذرية، التي شيدت حيث اسقطت القنبلة النووية، والنصب التذكاري للشهداء الست وعشرين، خلال زيارته لناغاساكي.

الزيارة البابوية الأولى

في عام 1868، بدأت اليابان بعد أقرانها الغربيين طريق الإمبريالية. وأكدت الانتصارات التي حققتها في الحروب مع الصين بين 95-1894 وعلى روسيا 1905، مكانتها كواحدة من القوى العالمية. وكان حادث منشوريا في عام 1931، هو المرحلة الأولى في الصراع الجديد ضد الصين، وأوسعت اليابان نطاق الحرب أكثر بمعاداة بريطانيا، الولايات المتحدة، وهولندا في عام 1941. وأربع سنوات لاحقًا، كانت اليابان على حافة الهزيمة الساحقة.

ونجحت الولايات المتحدة في صنع القنبلة الذرية، وأمر الرئيس الأمريكي هارولد إس. ترومان بإسقاط قنبلتين على هيروشيما وناغاساكي لكتابة نهاية مبكرة للحرب. وقتلت القنبلتان ما مجموعه 210 ألف شخص. وفي ناغاساكي، سقطت القنبلة على منطقة أوراكامي، حيث كان يعيش أغلب أحفاد المسيحيين المتخفين. وكانت نسبة الكاثوليك 8 آلاف شخص من بين إجمالي الضحايا 73 ألف.

وذهب البابا يوحنا بولس الثاني إلى هيروشيما وناغاساكي حين قام بزيارته الأولى لليابان في عام 1981. وقال في كلمته أمام العالم "الحرب هي من فعل الإنسان. وهي تدمير لحياة الإنسان. الحرب هي الموت". وكان ذلك دعمًا مؤثرًا للحركات المطالبة بالسلام والتخلي عن الأسلحة عن الأسلحة النووية.

وعندما وصل عدد السكان المحليين من الكاثوليك إلى تقدم ملحوظ نحو التعافي من هزة الحرب المدمرة، واشترك العديد بهمة في تلك المساعي. ودفعتهم كلمات البابا ليكونوا جزءًا من أحد الحركات.

 البابا يوحنا بولس الثاني وسط تحيات من الحشود في مدينة ناغاساكي في 26 فبراير/ شباط عام 1981. جيجي برس.
البابا يوحنا بولس الثاني وسط تحيات من الحشود في مدينة ناغاساكي في 26 فبراير/ شباط عام 1981. جيجي برس.

خطوة إلى الوراء

أتى البابا فرانسيس لليابان بحماسه القديم للبلاد واحترامه لتاريخ شهدائها. ويشعر بحزن من نوع خاص تجاه الأطفال الذين تعرضوا للإشعاع جراء قصف ناغاساكي.

وهناك صورة من التقطها المصور العسكري الأمريكي جو أودونيل بعد فترة وجيزة من القصف الذري على ناغاساكي، والتي تظهر صبيًا يقف منتصبًا بأحد مواقع حرق الجثث، حاملًا جثمان أخيه الصغير على ظهره. ويعض على شفتيه من الألم قبل حرق جثمان أخيه. وتأثر البابا فرانسيس كثيرًا من تلك الصورة، وقام بتوزيع بطاقة تحمل الصورة المعاد طبعها على نطاق واسع، بل وقام كذلك بالحديث مرارًا عن الحاجة للتخلص من الأسلحة النووية.

وبينما كان نزع السلاح النووي قد أحرز تقدمًا، بدأ التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وروسيا وإنهاء معاهدة القوة النووية المتوسطة المدى الثنائية في أغسطس/ آب، في التسبب في انتكاسة لهذا التقدم. وأعلن البلدان أن الموقف النووي قد تغير، وأنهما ستزيدان من إنتاج الأسلحة الصغيرة.

وفي عام 2016، أصبح الرئيس الأمريكي باراك أوباما، أول رئيس أمريكي في الحكم يقوم بزيارة هيروشيما. وفي كلمته أمام النصب التذكاري بحديقة السلام، تحدث عن تطوير الولايات المتحدة للأسلحة النووية واستخدامها في هيروشيما وناغاساكي، وانتقد استمرار وجود مخزون من الأسلحة النووية. ففي حين أن الإنسانية كانت لديها المعرفة لصنع أسلحة نووية، فإنها لا تزال تفتقر إلى الحكمة الأخلاقية للتخلي عنها.

ومن المؤكد أن البابا فرانسيس قد سمع أو قرأ خطبة أوباما. وكأحد أهم القيادات الروحية العالمية، سيتحدث مما لا شك فيه حول الوضع النووي المؤسف حاليًا. وسيكون هناك اهتمام واسع بالكلمات التي سيوجهها للأمم التسع التي تمتلك الأسلحة النووية حاليًا.

وفي مجموعتنا للسلام بناغاساكي، نرى أن جميع الأشخاص حول العالم كمواطنين عالميين، يعيشون بقدر متساو تحت وطأة تهديد هذه الأسلحة. وقد تتسبب حرب نووية واسعة النطاق في دمار البيئة، والقضاء على الزراعة وستجلب المجاعة وانقراض محتمل للجنس البشري. لذا نحتاج تفهم كون الأزمة تطال كل شخص، أي كان من دولة تمتلك السلاح النووي أم لا.

والآن في القرن الواحد والعشرين، يجب أن تقنع رسالة البابا من هم في أماكن الصراع المتواصل وهؤلاء المستمرون في دعم حيازة الأسلحة النووية كطريقة للحفاظ على السلام من خلال القوة، أنهم يتحملون مسؤولية ثقيلة لضمان سلامة مواطني العالم.

(النص الأصلي باللغة اليابانية. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: صلوات من أجل ضحايا القنبلة الذرية في ناغاساكي في قداس أقيم بكاتدرائية أوراكامي في ناغاساكي في 9 أغسطس/ آب عام 2019، الذكرى الرابعة والسبعون للمناسبة. جيجي برس)

الإسلام الدين المسيحية