يهود كوبي: التاريخ المرير لأسرة أحد الخامات في اليابان

ثقافة

عندما اجتاحت عواصف الحرب العالمية الثانية أوروبا في عامي 1940 و1941، تدفق لاجئون فارون من الاضطهاد النازي إلى مدينة كوبي. ويقال إن أكثر من 4 آلاف لاجئ يهودي يحملون تأشيرات عبور أصدرها سوغيهارا تشيؤني نائب القنصل الياباني في ليتوانيا، وجدوا ملاذا مؤقتا في المدينة.

(كوبي شيمبون) - أحد الأسباب التي دفعت الكثيرين إلى القيام برحلة طويلة إلى المدينة هو أن كوبي، المشهورة باحتضانها لعدد كبير من السكان الأجانب، كانت بالفعل موطنا لمجتمع يهودي راسخ له كنيس خاص به يعود تاريخه إلى عام 1912. وحتى في يومنا الحالي، تعد كوبي موطنا لإحدى منظمتين يهوديتين راسختين لا يوجد غيرهما في جميع أنحاء اليابان، واحدة في المدينة والأخرى في طوكيو.

اتصلت بالكنيس التابع لمنظمة الجالية اليهودية في كانساي في كوبي أملا في معرفة المزيد عن هذا التاريخ الرائع، حيث استقبلني الحاخام صموئيل فيشيدسكي.

وُلد فيشيدسكي في نيويورك ودرس في إسرائيل قبل الانتقال إلى كوبي عام 2014. أخبرني أنه من المستحيل فهم العلاقة الوثيقة بين المدينة والشعب اليهودي دون الحديث عن الحرب العالمية الثانية. قال لي: ”أريد أن يعرف الناس في اليابان ما حدث حقا“، واستطرد ليشاركني القصة المروعة لعائلته والتي لم يكشف عنها علنا من قبل.

بدأ حديثه قائلا: ”قتل جميع أفراد أسرة جدتي في الهولوكوست“.

في عام 1941 كانت ريبيكا جدة فيشيدسكي تعيش مع عائلة شقيقها الأكبر في مدينة لينينغراد الروسية (سانت بطرسبرغ حاليا). لكن كل شيء تغير في يونيو/حزيران من ذلك العام عندما غزت القوات الألمانية الاتحاد السوفيتي. كانت لينينغراد محاصرة ومنفصلة تماما عن العالم الخارجي. تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى مليون شخص ماتوا من الجوع والبرد في المدينة المعزولة قبل كسر الحصار الألماني أخيرا بعد ما يقرب من 900 يوم.

وتابع فيشيدسكي قائلا: ”كان الأخ الأكبر لجدتي في الجيش، وبمساعدته تمكنت هي وعائلته من مغادرة لينينغراد قبل محاصرة المدينة. ولكن بالنسبة لأخيها نفسه، فقد أصبح ضحية أخرى لحملة التجويع النازية“.

وأكمل قائلا، ولكن القرية الصغيرة التي لجأت إليها ريبيكا والآخرون لم تعد آمنة أيضا. ”فقد أنشأ النازيون آنذاك أينزاتسغروبن (وحدات القتل المتنقلة)“.

كانت وحدات القتل المتنقلة سيئة السمعة عبارة عن فرق موت مرتبطة بنخبة الجيش الألماني Waffen-SS، وهي وحدات عسكرية مرتبطة مباشرة بالحزب النازي. لقد كانت تعمل خلف الخطوط الأمامية في الأراضي المحتلة بمهمة صريحة تتمثل في تعقب وإعدام اليهود وأعضاء الحزب الشيوعي وأي عناصر معادية أخرى.

أخبرني فيشيدسكي ”أجبرت وحدات القتل المتنقلة يهود القرية على حفر حفرة ضخمة. ثم أطلقت عليهم الرصاص وملأت الحفرة عن آخرها بجثثهم“.

من بين أفراد أسرة ريبيكا المكونة من والدين وسبعة إخوة وأخوات، لم تتمكن إلا هي وفردين من أسرتها من الفرار والبقاء على قيد الحياة.

صورة جواز سفر تظهر ريبيكا (إلى اليسار) ووالدة الحاخام فيشيدسكي (الصورة بإذن من صموئيل فيشيدسكي، حقوق الصورة لكوبي شيمبون).
صورة جواز سفر تظهر ريبيكا (إلى اليسار) ووالدة الحاخام فيشيدسكي (الصورة بإذن من صموئيل فيشيدسكي، حقوق الصورة لكوبي شيمبون).

في تلك الأثناء قامت مجموعة أخرى بذبح جميع اليهود في القرية التي يوجد بها منزل ريبيكا، من بينهم سبعة آخرون من أقاربها. وبلغ إجمالي عدد الضحايا في أسرة جدة فيشيدسكي وحدها عشرات الأشخاص.

وبعد أن تمكنت ريبيكا من النجاة بحياتها بصعوبة فرت إلى مدينة غوركي البعيدة (نيجني نوفغورود اليوم) شرق موسكو. وهناك تزوجت في نهاية المطاف. وقد أنجبت هناك أربعة أطفال قبل أن تهاجر إلى إسرائيل عام 1967.

أخبرني فيشيدسكي: ”لم تتحدث جدتي مطلقا بأي كلمة عن الهولوكوست عندما كانت على قيد الحياة. لا بد أنها كانت مروعة للغاية لدرجة أنها لم ترغب حتى في الحديث عنه“.

في الواقع، إن معظم ما استطاع فيشيدسكي معرفته عن التاريخ المخفي لجدته جاء بدلا من ذلك من الناجين الآخرين من الهولوكوست الذين عرفوها جيدا.

وبينما كان يتحدث عن مأساة الهولوكوست التي أودت بحياة ما يقدر بـ6 ملايين يهودي، لم يسمح الحاخام أبدا بظهور أدنى مؤشر على الكراهية أو الغضب.

قال لي: ”حتى في تلك الأوقات البائسة، عندما كانوا يتعرضون للاضطهاد والسلب والتعذيب والقتل، كان الشعب اليهودي لا يزال متمسكا بالأمل بأن تنتهي معاناته يوما ما“.

أخبرني الحاخام أن الدين اليهودي يؤمن أنه عندما تتحقق إرادة الله ومهمته، سينتهي كل صراع وحرب. مضيفا ”هذا ينطبق على العالم بأسره، على البشرية جمعاء. ولتحقيق هذه الغاية، يجب علينا جمعيا التحلي بمزيد من اللين والرحمة“.

يوجد مكان آخر مفعم بالتاريخ اليهودي في إحدى زوايا حي كيتانو في كوبي بالقرب من كنيس فيشيدسكي. لا تزال توجد هنا الجدران الحجرية لجمعية كوبي اليهودية والتي كانت مركز إغاثة اللاجئين اليهود الذين وصلوا إلى المدينة قبل الحرب العالمية الثانية، ويزورها اليهود من جميع أنحاء العالم حتى اليوم لرؤيتها.

كان الراحل إيواتا تاكايوشي مدير جمعية كوبي لأبحاث الاستيطان الأجنبي، غالبا ما يقود جولات تعريفية بالمستوطنة الأجنبية القديمة بالمدينة. ولكنه لم يستطع إخفاء دهشته عندما شاركت معه ما كشفه لي صديقه المقرب الحاخام فيشيدسكي.

عادت في السنوات الأخيرة حملات كراهية الأجانب والحملات المناهضة للأجانب للظهور مرة أخرى، والانقسامات الاجتماعية آخذة في الاتساع. اعتاد إيواتا التأكيد على أن ”تاريخ الهولوكوست يعلمنا أنه لا يوجد شيء أكثر أهمية من ضمان عدم استبعاد المختلفين عنا“. لقد كان دائما يصر على أن الشعب الياباني بحاجة إلى معرفة المزيد عن واقع تلك الأيام المظلمة.

كيف ننقل ذكريات الحرب إلى الأجيال القادمة؟ أخبرني فيشيدسكي أنه في السنوات الأخيرة كانت والدته تحث ريبيكا على مشاركة قصة ما مرت به مع الآخرين، حتى تعرف الأجيال القادمة حقيقة ما حدث بالفعل.

قال لي: ”إن الاستماع إلى تجارب جدتي يملأ قلبي بالرحمة والفخر والشعور بالواجب للمضي بها إلى الأمام“.

(النصل الأصلي منشور باللغة اليابانية. الترجمة من الإنجليزية. صورة العنوان: صموئيل فيشيدسكي حاخام كنيس كوبي. النص والصور الفوتوغرافية لسوغيياما ماساتاكا)

[الحقوق لكوبي شيمبون]

الحرب العالمية الثانية تاريخ اليابان صحيفة كوبي شيمبون