سيول 1988: فضيحة بن جونسون تعكر صفو ”أرض الصباح الهادئ“

سيول تسعة ملايين نسمة، عاصمة كوريا الجنوبية، بلاد بعيدة للغاية استضافت حدثا كبيرا جدا هو دورة الألعاب الأولمبية الرابعة والعشرين.

وكوريا الجنوبية كانت وقتذاك بلدا مضطربا في آسيا، ومحور الاهتمام العالمي، بلد الترقب والمتناقضات، سكانها أناس في إمكانهم أن يسحروا المرء أو أن يرعبوه. بلد لا يزال يبحث عن هوية، وعاصمة قفزت مباشرة من القرون الوسطى إلى عام 2000.

وسيول هي خليط من روتنبورغ وشيكاغو، ويعتبر الكوري من حيث طباعه، إيرلندي آسيا، ومن التناقضات كان يلاحظ مرور فلاح يجرّ عربة محمّلة بالخضر من أمام ناطحات السحاب في العاصمة المزدحمة، وتشييد معامل الكومبيوتر إلى جانب حقول الأرز.

ويقف الكوريون مندهشين أمام تاريخهم تماما مثل الغرباء القادمين من ”مملكة الحلم“ أو تشوزون كما سمّى الصينيون القدامى كوريا عام 2333 قبل الميلاد ”المملكة الحلم لنضارة الصباح“.

عندما وافقت اللجنة الأولمبية الدولية على منح سيول حق تنظيم الألعاب الأولمبية بـ52 صوتا في مؤتمرها المنعقد يوم 30 أيلول/سبتمبر 1981 في مدينة بادن بادن في ألمانيا الغربية، برزت كوريا الجنوبية بين عشية وضحاها في الواجهة السياسية لعالم الرياضة. وفجأة تبيّن أن الناس يعرفون القليل عنها باستثناء تذكرهم للحرب الكورية التي اندلعت ما بين 1950 و1953.

وعدا ذلك، كانت كوريا تعرف بأنها مملكة من القرن الرابع، تحدّها بلاد المغول من الشمال، والصين من الغرب، واليابان من الشمال. وأصبح البلد الهادئ مستعمرة يابانية خلال الفترة ما بين 1910 و1945.

ومع انفراط التحالف الاميركي السوفياتي عام 1945، عرفت كوريا الاضطرابات، وقسّمت الدول العظمى كوريا إلى كوريتين، وكان هذا التقسيم أقسى من تقسيم ألمانيا وأشدّ رهبة. فهناك منطقة منزوعة السلاح على خط العرض 38، وليس فيها اتصالات بريدية، ولا هاتف ولا خط مواصلات وتماما مثل معجزة الصعود الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، فان الكوريين نهضوا بقوة، وعلى رغم قلقهم من الاضطرابات السياسية التي تعكّر نموهم الاقتصادي وحلفهم الوثيق مع الولايات المتحدة، فإن الكوريين الجنوبيين يعتمدون على أنفسهم في أمور كثيرة.

والرياضة في كوريا حاجة أساسية، وهدف تسعى إليه الأجيال، ينمو ويتطور مع التقدّم الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد.

وهذه الناحية ليست جديدة على المجتمع الكوري، أرض التايكواندو، إحدى الرياضات القتالية القديمة التي مورست منذ أكثر من ألفي عام إلى جانب السيسروم، أحد أنواع المصارعة الكورية القديمة.

وفي القرن العشرين، كان الفائز الأول في سباق الماراثون في دورة برلين الأولمبية عام 1936، كوري يدعى سون كيتي (سون كي شونغ) شارك تحت أسم اليابان بسبب احتلال الأخيرة للأرض الكورية.

لكن وبدءا من عام 1948، بدأت كوريا الجنوبية تخوض المشاركات الأولمبية، وتنافس أبطالها في ظل علم بلادهم بعد نيلها الاستقلال. وبرز رياضيوها في الملاكمة، المصارعة، رفع الأثقال، الجودو، كرة السلة، كرة القدم، كرة الطاولة، الرماية بالقوس والسهم والكرة الطائرة.

وحقّقت كوريا الجنوبية أفضل النتائج في دورة لوس أنجليس 1984، حيث حصد أبطالها 19 ميدالية بينها ست ذهبيات، واحتلت المركز العاشر في الترتيب العام.

وفي 17 أيلول/سبتمبر 1988 تناست كوريا الجنوبية همومها ومشكلاتها على مدى 16 يوما، وكانت سيول قبلة العالم قاطبة وعاصمته، حيث أقيمت أضخم دورة أولمبية حتى تاريخه، وكسبت الرهان بتقديم ألعاب باهرة.

كانت بداية الانفراج بعد شدّ الأعصاب، منذ إعلان منح سيول شرف التنظيم. ففي العام 1983، احتدمت بين الشرق والغرب بعد مصرع 259 شخصا على متن طائرة بوينغ تابعة للخطوط الجوية الكورية، أسقطتها مقاتلة سوخوي سوفياتية بعدما اعتقدت أجهزة المراقبة الأرضية أنها طائرة تجسّس. لكن التفاؤل لاح في الأفق في آذار/مارس 1985، مع تولّي ميخائيل غورباتشوف السلطة في الاتحاد السوفياتي وإعلانه خطط البيريسترويكا الإصلاحية.

وفي كوريا الجنوبية ”أرض الصباح الهادئ“، كانت الغالبية العظمى من المواطنين مصمّمة على إظهار أفضل وجه لبلادها أمام العالم، وفي حفل الافتتاح تجلّى تاريخ البشرية كلّه في الاستعراض الذي أقيم في الاستاد، وخلاله تسلم كل متفرّج جهاز استقبال صغير تمكّن بواسطته من وقائع الاحتفال بثماني لغات.

وللمرّة الأولى في تاريخ الألعاب، بدأت مراسم المهرجان من خارج الملعب وتحديدا من مياه نهر هان المجاور حيث كانت سفينة كبيرة تتقدّم أسطولا من خمسة آلاف زورق وتقوم باستعراضات رائعة.

وحمل الشعلة إلى الملعب الكبير بطل ماراثون دورة برلين وسلّمها إلى العداءة لي شام هاي، الفائزة بثلاث ذهبيات في الدورة الآسيوية 1986، التي أوقدت شعلات ثلاثة أشخاص يمثلون الأكاديميين والفنانين والرياضيين، فأوقدوا بدورهم الشعلة العملاقة وفق طريقة مبتكرة.

وتلت قسم المتبارين لاعبة كرة السلة هيوغ جاي.

وخاض المنافسات 8397 رياضيا بينهم 2194 امرأة من 159 بلدا وهو رقم قياسي، وغابت تضامنا مع كوريا الشمالية كوبا وإثيوبيا ونيكاراغوا.

وشملت الدورة 237 مسابقة في 23 لعبة هي: ألعاب القوى والتجذيف وكرة السلة والملاكمة والكانوي-كاياك والدراجات والفروسية والمبارزة وكرة القدم والجمباز ورفع الأثقال وكرة اليد والهوكي على العشب والجودو والمصارعة والسباحة والخماسي الحديث وكرة المضرب وكرة الطاولة والرماية والقوس والسهم والكرة الطائرة والألواح الشراعية.

 تفوّق سوفياتي 

وسجّلت عودة كرة المضرب للمرة الأولى منذ 64 عاما، ودخول ”اللعبة الديبلوماسية“ كرة الطاولة.

وكانت بعثة الولايات المتحدة الأضخم (722 شخصا)، تلتها بعثة الاتحاد السوفياتي (655).

وفي ثاني مدينة آسيوية تستضيف الألعاب بعد طوكيو عام 1964، وتحسّبا لأي ردود فعل بعد التظاهرات الطلابية التي قمعتها السلطات قبل الدورة، خصّصت تدابير أمنية غير عادية.

وشهد أسبوعا المنافسات حصد الاتحاد السوفياتي 132 ميدالية بينها 55 ذهبية، وحلّت المانيا الشرقية ثانية بـ102 (37)، والولايات المتحدة ثالثة بـ94 (36). وكانت المفاجأة الأبرز حلول كوريا الجنوبية رابعة بـ33 ميدالية (12).

وبذلك كرّر الاتحاد السوفياتي إنجاز الصدارة للمرّة السادسة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

أما المحصلة العربية الإجمالية، فكانت ذهبية للمغربي إبراهيم بوطيب في سباق 10 آلاف م، وبرونزيات المغربي سعيد عويطة في سباق 800 م، الذي اعتبر من كبار الخاسرين في الدورة، ومواطنه الملاكم عبد الحق عشيق في وزن 57 كلغ، والجيبوتي أحمد صلاح أحمد في الماراتون.

 سباق القرن 

وسَجّلت الدورة عودة علنية للمحترفين، ففازت الألمانية الغربية شتيفي غراف بذهبية كرة المضرب، ووصلت المنافسة بين الأميركي كارل لويس والكندي بن جونسون في سباق 100م إلى القمة، فأطلق عليه ”سباق القرن“.

وفاز جونسون مع رقم عالمي جديد مقداره 9.73 ث في 24 أيلول/سبتمبر، ثم انفجرت أشهر فضيحة في التاريخ الأولمبي بعد ثلاثة أيام حيث تبيّن أن العداء الكندي تناول منشطات فقدّمت الذهبية إلى غريمه وشطب الرقم.

واللافت في هذه الدورة تبادل الألقاب في ألعاب كانت حكرا على دولة دون غيرها، إذ دخل لقب كرة القدم في جعبة الاتحاد السوفياتي بعد مضي 32 عاما، أي منذ العام 1956، وأسقط السوفيات الاميركيين للمرة الثانية بعد الأولى عام 1972. في المقابل، انتقل لقب الكرة الطائرة إلى الاميركيين للمرة الأولى، وخرجت اليابان إمبراطورة الجودو بذهبية واحدة، وانتزع الكينيون ”عداؤو السافاري“ معظم سباقات الجري من 800 إلى 5 آلاف م بفضل بول ايرينغ وبيتر رونو وجون نغوجي وجوليوس كاريوكي، ولم يصل أي صيني إلى الدور نصف النهائي في فردي كرة الطاولة.

وعلى صعيد الأرقام القياسية، تسجّل 27 رقما عالميا في ألعاب القوى والسباحة ورفع الأثقال والرماية، وكانت هناك ميزة خاصة هي تحطيم بعض هذه الأرقام بالجملة، لا بلّ من دقيقة إلى أخرى.

ونال 34 لاعبة ولاعبا ميداليتين ذهبيتين على الأقل، والأوفر ألقابا بين الرجال هو السباح الأميركي مات بيوندي الذي أحرز سبع ميداليات منها خمس ذهبيات في سباقات 50 و100 م حرة، والتتابع 4 مرات 100 م و4 مرات 200 م حرة و4 مرات 100 م متنوعة.

وكانت الألمانية الشرقية كريستين أوتو نجمة الأحواض والأولمبياد معا، فقد انتزعت ست ذهبيات من أصل ميداليات بلادها الـ37، أي أقلّ من السدس بقليل.

ووحده الأميركي غريغ لوغانيس تمكّن من الاحتفاظ بلقبين وذلك بعد فوزه في مسابقتي الغطس المثيرتين. وهو كاد يفقد حياته خلال المنافسات إذ اصطدم رأسه باللوحة المخصّصة للقفز وهو في الهواء في اتجاه الحوض، فسقط في الماء الذي تعكر بالدم. بيد أن السباح الاميركي نجح في الخروج بمفرده من دون مساعدة ووضعت له أربع غرز.

وبعد نصف ساعة عاد لوغانيس إلى المنصة وأعاد القفزة ذاتها وحقق أفضل نقطة في الدور التمهيدي.

والى الميدالية الذهبية في سباق 100 م بعدما عادت إليه حقوقه، اجتاز الاميركي كارل لويس 8.72 م في الوثب الطويل، ما ضمن له الاحتفاظ بالذهبية أيضا.

ورافق انتصار مواطنته فلورنس غريفيث جوينر ذات الصوت العريض والأظافر الطويلة الملونة في سباقي 100 م و200 م ورقميها القياسيين العالميين المثيرين للجدل 10.54 ث و21.34 ث تساؤلات عدة. وفازت مواطنتها جاكي جوينر كيرسي بذهبية الوثب الطويل والمسابقة السباعية.

 بوبكا عاليا 

وأخيرا بات بطل العالم السوفياتي سيرغي بوبكا بطلا اولمبيا في القفز بالزانة، وهو الموقع الطبيعي للقافز الفذ، وفي سيول اجتاز إرتفاع 5.90 م فاهتزت العارضة ولم تقع ما ضمن له الميدالية الذهبية بعد مخاض عسير أمام مواطنيه روديون غاتولين وسيرغي ايغوروف.

وتألق بطل الجمباز السوفياتي فلاديمير ارتيموف، وأضحى الرباع التركي نعيم سليمان اوغلو بطل الملايين في بلاده الجديدة والمحرومين في موطنه السابق بلغاريا والذي لم يستطع أن ينافس تحت رايته في لوس أنجليس 1984 بسبب ”المقاطعة الشرقية“. وكانت الموهبة الفذّة أو هرقل العصر دجاجة ذهب لتركيا، وهو تمكّن في سيول من تحقيق ستة أرقام عالمية في وزن 60 ملغ، ورفع ثلاثة أضعاف وزنه!.

وللمرة الأولى تعود ميداليات مسابقة الترويض في الفروسية للسيدات، وكانت بطلاتها الألمانية الغربية نيكول ابوهوف والفرنسية اوتوكريبين والسويسرية كريستين شتوكلبرغر.

وحازت الألمانية الشرقية كريستيا لودنغ روتنبرغر الفائزة بميداليتين في دورة كالغاري الشتوية، فضية سباق السرعة للدراجات على المضمار.

وشاركت السويدية كريستي بالمه للمرة السابقة في المبارزة. وكما كان للدورة نجومها وأبطالها، فإن سجل الخاسرين يضم نجوما بارزين في طليعتهم المغربي عويطة الذي خسر رهانه وتحديه، وبطل 400 م حواجز الاميركي ادوين موزس، وعملاق المسابقة العشارية البريطاني ديلي طومسون، وسلطان رمي المطرقة السوفياتي يوري سيديخ، وبطل التجذيف الفنلندي بيرتي كاربنتينن الذي لم يخسر في الفردي منذ دورة مونتريال 1976.

وإذا كانت لا تمرّ دورة من دون مفارقات، يُسجّل في سيول بعض الاتهامات بالتلاعب بنتائج الرماية والملاكمة، والتهجم على الحكام وضربهم، ومن أبرزها تحول حلبة الملاكمة التي كانت تقام عليها مباراة الكوري الجنوبي بيون يونغ والبلغاري ألكسندر خريستوف، إلى مسرح لفوضى كبيرة واشتباكات عدة.

ففي مناسبات عدة فصل الحكم بين الملاكمين ووجّه اليهما إنذارات وعندما تلقى يونغ إنذاره الثالث طلب الحكم الرئيس من زميله على الحلبة اعطاءه نقطة جزاء، وأضيفت إلى رصيده أخرى في الجولة الأخيرة، ما منح الفوز لمنافسه البلغاري، فصعد مدرب يونغ وعدد من مواطنيه إلى الحلبة للاعتداء على الحكم الذي حماه زملاؤه. وانضمّ أعضاء أجهزة الأمن الكوري الجنوبي إلى المعتدين ووجهوا ضربات إضافية إلى الحكم.

وبمجرّد انتهاء الاشتباك صعد يونغ إلى الحلبة وجلس فوقها رافضا التحرك احتجاجا على قرار الحكم. وبقي في مكانه 67 دقيقة، وهو ”رقم قياسي أولمبي“ في الاعتصام لم يحطم حتى الآن.

كما تسجّل محاولة سرقة تمثال من أحد الملاهي الليلية، قام بها بطلا السباحة الأميركيان في فريق التتابع 4 مرات 400 م، تروي دلبي ودوغ جيرتسن.

 المنشطات تضرب 

وإلى الفضيحة المدوية في المنشطات وبطلها الكندي بن جونسون التي عكّرت ”أرض الصباح الهادىء“، أثيرت فضيحة الرباعين البلغار الذين عادوا إلى بلادهم بعدما اكتشف تعاطي مواطنيهما متكو غرابليف وأنجيل غونيتشيف الحائزين على ذهبيتي وزني 56 و67 كلغ العقاقير الممنوعة.

ولحق بهم المجريون بعدما اكتشفوا أن رباعهم أندرو تشاين الحائز على فضية وزن 100 كلغ متنشط.

أما الاكتشاف الحسّي للحالات فشمل ستة رباعين فضلا عن لاعبين في الخماسية الحديثة ولاعب جودو، و”أبطالها“ من أسبانيا وإنكلترا واستراليا.

ا ف ب/جأش/م م

© 1994-2021 Agence France-Presse