دور "الأب الوسيم" في تربية الأبناء بين الواقع والخيال في اليابان!

مجتمع

يستحضر المصطلح الياباني "إيكومين" أو "الأب الوسيم" صورة مثالية للآباء المشاركين في تربية الأطفال، لكن البيانات تشير إلى أن الزيادة الفعلية في مشاركة الرجال ضئيلة. إذن كيف يمكن تصحيح هذا الوضع؟

مشروع "إيكومين" أو "الأب الوسيم" المخالف تماما للصورة التقليدية القديمة للأب البعيد عن الأسرة بسبب انهماكه في العمل فقط. والتعبير الياباني مشتق من كلمتين تجمعان بين رعاية الأطفال والوسامة، وقد ظهر أول مرة خلال إعلان في أوائل الألفية، حتى أطلقت وزارة الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية اليابانية مشروعا وطنيا يحمل هذا الاسم للترويج للفكرة وتشجيع الرجال على الانخراط أكثر في الحياة الأسرية.

في عام 2010 تم اختيار كلمة "إيكومين" ضمن أفضل 10 كلمات حققت شعبية آنذاك، وشعر الكثير من الناس أن المجتمع على وشك أن يشهد حدوث تغيير كبير.

وسرعان ما انتشرت الفكرة وباتت صورة "الأب الوسيم" منتشرة في كل مكان في اليابان، ولكن هل هذا التوجه الجديد يعني حقا تقدما على صعيد المساواة بين الرجل والمرأة؟ أم هو مجرد صورة براقة لا تعكس تغيرا حقيقيا بينما تكدح المرأة مع تحملها العبء الأكبر لمسؤوليات الأسرة؟ ناقش الأستاذ تسوتسوي جونيا، المتخصص في علم الاجتماع وعلم الاجتماع الكمي للأسرة في جامعة ريتسوميكان، التقلبات والتغيرات التي شهدها المجتمع الياباني تجاه الآباء الذين يقومون بتربية الأطفال أو "إيكومين".

تغير النظرة المثالية للأبوة

يقدم تسوتسوي شرحًا لتكوين مصطلح إيكومين. "لقد حدثت تغيرات على بيئة العمل في اليابان منذ أواخر التسعينيات، تسببت في زيادة عدد الأسر التي لم تعد قادرة على تدبير نفقاتها بالاعتماد على دخل الزوج فقط كعائل للأسرة. وارتفع عدد الأسر ذات الدخل المزدوج، وأدى تبدل المراكز، خارج مكان العمل، إلى تعلق آمال أكبر على كلا الشريكين لتقاسم مسؤوليات الأسرة وتربية الأطفال".

يقول تسوتسوي "لقد ولدت كلمة إيكومين استجابةً لذلك، في محاولة لزيادة زيادة نهج فعّال لمشاركة الرجال بشكل أكبر في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال". والمصطلح هو عبارة عن لعب بين الكلمات التي تجمع بين كلمة "إيكيمين"، وهي في حد ذاتها كلمة شهيرة، تستخدم لوصف الرجل الوسيم، وتم استبدالها بلفظة إيكو، والتي تعني تربية الأطفال. وأصبح الجميع في اليابان يعرف كلمة "إيكومين" التي عبرت بشكل أفضل عن صورة الأب الراعي للأسرة".

"الكلمات لها القدرة على استحضار صورة ملموسة في أذهاننا". "بفضل مصطلح" إيكومين"، يمكن للناس تخيل الآباء المشاركين في تربية الأطفال، مما يجعلها بالتأكيد ظاهرة إيجابية. لقد مضى المفهوم الشائع للأبوة شوطًا طويلاً منذ عصر شووا (1926-1989)، بعد أن كان مفهوم الأب هو رب الأسرة المستبد، هو القاعدة السائدة في ذلك الوقت.

تغيير ضئيل على الأرض

تشير القليل من البيانات إلى تغيير جوهري في دور الآباء.

تشير نتائج الدراسة الاستقصائية الخمسية التي أجرتها الحكومة اليابانية حول استخدام الوقت والأنشطة الترفيهية إلى ارتفاع تدريجي في الوقت الذي يكرسه الآباء لتربية أبنائهم، ولكنها زيادة لا تتجاوز بضع دقائق مقارنة بالاستطلاعات السابقة. ففي عام 2006، قضى آباء الأطفال الذين يصل عمرهم إلى خمس سنوات ما معدله 33 دقيقة يوميًا في مهام رعاية الأطفال. وزاد ذلك إلى 6 دقائق فقط، ليصل إلى 39 دقيقة، في استطلاع 2011، و10 دقائق إضافية، ليصل إلى 49 دقيقة، في عام 2016. ويقول تسوتسوي "من منظور اجتماعي كمي، لا يمكننا حتى الآن اعتبار أن الرجال يشاركون بشكل كبير في تربية الأطفال".

قد يكون متوسط الوقت الذي يقضيه الرجال لرعاية صغارهم في ازدياد، ولكن معدل هذا التغيير ضئيل جدًا. ويلاحظ تسوتسوي أن شعبية مفهوم الإيكومين قد يكون لها بعض التأثير، ولكنها ليست مهمة من الناحية الكمية.

في المقابل، تقضي النساء وقتًا أكبر بكثير في تربية الأطفال. ففي عام 2006، كان هناك تباين 5.7 أضعاف بين النساء (اللاتي تقضين 189 دقيقة يوميًا) مقابل 33 دقيقة للرجال في رعاية الأطفال يوميًا. وعندما تقلصت هذه الفجوة إلى حد ما إلى 4.5 أضعاف في عام 2016، كانت المرأة في الواقع تمضي وقتًا أطول في رعاية الأطفال من قبل، وصولًا إلى 225 دقيقة، في مقابل الرجال 49 دقيقة بالمتوسط.

"إن التغييرات في التشريعات المتعلقة برعاية الأطفال وإجازة مقدمي الرعاية تبدو عاملاً رئيسياً في زيادة الوقت الذي تقضيه النساء في تربية الأطفال"، بحسب ما أوضح تسوتسوي. وفي السابق، كان تخفيض ساعات العمل المقررة لرعاية الطفل لا ينطبق إلا على العمال الذين لديهم طفل يقل عمره عن سنة واحدة، ولكن في عام 2002، تم رفع هذا الشرط لتغطية الأطفال دون سن الثالثة. ونُقحت قيود العمل الإضافي في عام 2002 للعاملين الذين يرعون طفلاً قبل بدء الدراسة في المدارس الابتدائية".

وعلى المستوى العالمي، يشدد تسوتسوي على أن التوسع في إجازة رعاية الطفل يمكن أن يؤدي إلى إستدامة التقسيم التقليدي للأدوار بين الرجل والمرأة. "تستفيد النساء بنشاط من زيادة فرص الحصول على إجازة رعاية الطفل، مما يترك الرجال أحرارًا في مواصلة الالتزام الكامل بالعمل بعد ولادة الطفل".

وحتى في السويد، حيث يأخذ أكثر من 90٪ من الرجال الآن إجازة رعاية الأطفال، فقد ثارت مخاوف، في البداية، عندما ارتفع معدل إجازة رعاية الأطفال فقط للنساء. ويلاحظ تسوتسوي، "كان الحل الذي تم تبنيه هو جعل إجازة رعاية الأطفال إلزامية بالنسبة للرجال. وظهر نقاش في اليابان بشأن الإجازة الإجبارية، حيث لا يزال معدل إجازة رعاية الأطفال من قبل الرجال أقل من 10%. وإذا تم تنفيذه، يمكن أن يتقاسم الرجال مسؤولية أكبر بالأعمال المنزلية وتربية الأطفال، مما سيغير صورة الأبوة بشكل جذري".

تخفيف العبء عن النساء

قد تؤدي إلى ارتفاع كبير في الوقت الذي يقضيه الرجال في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال، إذا أصبحت إجازة رعاية الأطفال إلزامية للعمال الذكور. ولكن بدون تغيير في موقف الرجال اليابانيين، سيظلون بعيدون عن النمط المثالي.

ويقول تسوتسوي "يميل الرجال اليابانيون إلى الاعتقاد بأنهم أكفاء في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال، حتى عندما لا يشاركون بنشاط في أي منهما". "في الواقع، الأمر أصعب مما يفترضون. على سبيل المثال، عند إعداد وجبات الطعام، يميل الرجال إلى التسوق فورًا لشراء المكونات بدلاً من فحص محتويات الثلاجة وشراء ما يحتاجونه فقط. وكما هو الحال مع أي وظيفة، فإن الأمر يتطلب خبرة لتصبح بارعا في التدبير المنزلي وتربية الأطفال".

وتشير الدراسة الاستقصائية التي أجرتها الحكومة بشأن استخدام الوقت والأنشطة الترفيهية إلى أنه على الرغم من أن الرجال قد خصصوا المزيد من الوقت لهذه الأنشطة، إلا أنه لم يكن هناك انخفاض في الوقت الذي تقضيه النساء في نفس الأمور. فقد قضى الأزواج الذين لديهم طفل أقل من ست سنوات وقتًا إضافيًا يوميًا في رعاية الأطفال وفي الأعمال المنزلية في عام 2016 مقارنة بعام 2006، حيث ارتفع الوقت المخصص لذلك من 60 إلى 83 دقيقة للرجال، ومن 447 إلى 454 دقيقة للنساء.

ويواصل تسوتسوي: "تشير البيانات إلى أن الرجال لا يصنعون فرقًا كبيرًا. إذا كان الأزواج يشاركون في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال، فيجب أن يخفف هذا من العبء عن الزوجة، ولكن هذا ليس هو الحال. فإن تقاسم المسؤوليات لا يكون ذا معنى إلا إذا نظرنا في كيفية تخفيف عبء الزوجة ".

ويقول تسوتسوي إن إجازة رعاية الطفل الإجبارية ستكون عاملاً مهماً في تغيير مواقف الرجال. "سيكون له تأثير كبير على الأرجح، لأن اليابانيين يميلون إلى تنفيذ شيء ما عندما يتم وضع إطار عمل لتحقيقه".

ويتابع حديثه، "لعل تلاشي "إيكومين" ككلمة طنانة هو علامة جيدة". "إذا أصبح من المعتاد أن يشارك الرجال في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال، فقد يختفي المصطلح تمامًا".

يغير المجتمع الياباني منهجه في رعاية الأطفال، كما يبدو في ظاهرة "إيكومين". ويتنامى الوعي المحيط بمشاركة الرجال في تربية الأطفال، لكن الواقع لا يزال لا يواكب ذلك، بسبب مشاكل في المنظومة. وتعتبر إجازة رعاية الأطفال الإلزامية مشكلة ملحة بالنسبة لليابان. ولكن بدلاً من مجرد انتظار الإصلاح القانوني، يجب على الناس أن يفكروا فيما يمكنهم تغييره. وسيستطيع الرجال الذين يقوموا بذلك بالتأكيد تحسين علاقاتهم الزوجية والأسرية.

البروفيسور تسوتسوي جونيا

عالم اجتماع وأستاذ بجامعة ريتسوميكان. أكمل دراسات الدكتوراه في العلوم الاجتماعية بجامعة هيتوتسوباشي، وحصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع. تشمل مجالات بحثه الرئيسية علم الاجتماع الكمي، وعلم اجتماع الأسرة، والتوازن بين العمل والحياة. من كتاباته، كيكون تو كازوكو نو كوريكارا – توموباتاراكي شاكاي نو غينكاي (الزواج والأسرة: حدود مجتمع الدخل المزدوج)، و شيغوتو تو كازوكو: نيهون وا نازي هاتاريكيزوراكو، أومينيكوي نوك ا (العمل والأسرة: لماذا يصعب العمل وميلاد الأطفال؟). مدونته باللغة اليابانية: http://jtsutsui.hatenablog.com

(نشر النص الأصلي باللغة اليابانية على موقع FNN’s Prime Online في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2019. الترجمة من الإنكليزية. تمت ترجمته وتحريره بواسطة Nippon.com)

https://www.fnn.jp

[كل الحقوق محفوظة لشبكة فوجي الإخبارية]

الأسرة الأطفال أخبار فوجي