قل وداعاً للإيجارات المرتفعة.. تعرف على غرف "علب الكبريت" المميزة في أرقى أحياء طوكيو!

لايف ستايل سياحة وسفر

شهدت مدينة طوكيو مؤخرا زيادة كبيرة في عدد الشقق السكنية ذات المساحات المحدودة للغاية أو كما يطلق عليها في اليابان "شقق الثلاثة حصائر"، نظراً إلى أنا مساحتها لا تتجاوز مساحة ثلاثة حصائر من التاتامي ”كل حصيرة تعادل 1.62 متر مربع“. ورغم صغر مساحة هذه الشقق إلى أنها تتمتع بشعبية كبيرة ويرجع السبب في ذلك إلى انخفاض قيمة الإيجار التي تكون في الغالب أقل من 50 ألف ين شهرياً. وعادةً ما تستهوي هذه الشقق الشباب الذين لا يجدون ضيراً في السكن في مساحات صغيرة للغاية مقابل المعيشة في مناطق تتناسب وتطلعاتهم حيث يعطون الأولوية للموقع الملائم

يعتبر شهر أبريل/نيسان من كل عام هو شهر البدايات الجديدة في اليابان، حيث بداية السنة المالية الجديدة والعام الدراسي الجديد، كما أنها الفترة التي يلج فيها المتخرجون الجدد من الجامعات والمدارس إلى ميدان العمل، لذلك ينتقل العديد منهم إلى أماكن تتناسب مع متطلبات حياتهم الجديدة. ولا يركز هؤلاء الباحثون عن مسكن جديد على الموقع والإيجار فحسب بل ومساحة الشقة أيضاً، خصوصاً عند فئة الشباب الذين أصبحوا يميلون إلى العيش في غرف صغيرة جداً "استديو".

نموذج لغرفة صغيرة في مبنى سكني يحمل العلامة التجارية الشهيرة كوكوري.
نموذج لغرفة صغيرة في مبنى سكني يحمل العلامة التجارية الشهيرة كوكوري.

شركة العقارات الشهيرة ”Spilytus“ هي المسؤولة عن إدارة الشقق السكنية التابعة لشركة كوكوري. وتتميز هذه الشقق بتصميماتها الفريدة وامتلاكها كل ما يحتاجه المرء رغم صغر مساحتها، حيث تحتوي كل شقة على غرفة للاستحمام ومرحاض منفصل مع جزء مخصص للمعيشة، وكل ذلك على مساحة ثلاثة حصائر ”كل حصيرة تعادل 1.62 متر مربع“ الأمر الذي يعني أن كامل مساحة الشقة أقل من 5 أمتار مربعة بالإضافة إلى مساحة المطبخ. الحقيقة أن مجموع المساحة قد يفوق 11 متر مربع إذا أضفنا دور علوي بمساحة 6.5 متر مربع وتوضح الصورة المرفقة أعلاه هذا النموذج الضيق من الشقق السكنية.

مخطط لمجموعة من الغرف التابعة لشركة كوكوري. تبلغ مساحة كل شقة 9 أمتار مربعة وتشمل الرواق ومطبخ صغير إضافةً إلى المرافق الأخرى.
مخطط لمجموعة من الغرف التابعة لشركة كوكوري. تبلغ مساحة كل شقة 9 أمتار مربعة وتشمل الرواق ومطبخ صغير إضافةً إلى المرافق الأخرى.

تمتلك شركة كوكوري حوالي 1200 وحدة سكنية في أشهر وأهم أحياء طوكيو، مثل شيبويا، شينجوكو، إبيسو، ونكاميغورو. ونظراً لما تتمتع به هذه الغرف من شعبية كبيرة فإنها مشغولة على الدوام، وهو ما شجع الشركة على بناء المزيد منها. ومن أكثر الأمور التي تميز هذه الشقق هو عدم وجود ما يسمى ريكين "reikin"وهو مبلغ يتم دفعه مرة واحدة عند التعاقد ولا يسترد بعد ذلك وغالباً ما يعادل قيمة شهر من الإيجار، بالإضافة إلى إلغاء رسوم تجديد العقد، فضلاً عن توفر خدمة الإنترنت المجاني مما يجعل شقق كوكوري ذات شعبية كبيرة جداً بين الشباب.

وهنا نتساءل عن ماهية الأشخاص الذين يختارون العيش في هذه النوعية من الغرف، وما هي الأمور التي يأخذونها بعين الاعتبار أثناء البحث عن مسكن. وللإجابة على هذه التساؤلات أجرينا مقابلة مع ممثل شركة سبيليتوز ليوضح لنا الأمر بشكل مفصل.

معظم المستأجرين من الشباب

يعود الفضل في نشأة فكرة شقق كوكوري إلى السيد ناكاما كيسوكى رئيس الشركة، حيث اعتاد السيد ناكاما أن يمضي ساعات طويلة في العمل كل يوم، حيث يستقل أول قطار في الصباح للذهاب إلى العمل وآخر قطار في المساء للعودة إلى البيت، لذلك فكر عما إذا كان بإمكانه استئجار شقة بالقرب من الشركة من أجل توفير وقت التنقل لصالح العمل. إلا أن إيجار شقة صغيرة بالقرب من مكان عمله الكائن بمنطقة شينجوكو كان لا يقل عن 100 ألف ين شهرياً، وهو مبلغ كبير مقارنة بنوع الشقة وحجمها، حيث تفتقر أغلب هذه الغرف للتجديد ويتم دمج المرحاض فيها بالحمام على خلاف ما تتميز به البيوت في اليابان، وهو مايتنافى مع رغبته في العيش في غرفة حديثة بإيجار منخفض بغض النظر عن مساحتها، كل هذه المعطيات ساعدت على نشأة فكرة شقق كوكوري التي تستوفي شروط وتطلعات السيد ناكاما.

ويستقطب هذا النوع من الغرف الرجال أكثر من النساء، وغالباً ما يكون المستأجرون في سن العشرينات أو الثلاثينات. إذ يكون 60 ٪ من موظفي الشركات و30٪ من الطلبة، أما 10٪ الباقون فتزيد أعمارهم عن سن الأربعين، حيث يستأجر بعضهم هذه الشقق رغم امتلاكهم لمنازل عادية. يختلف الإيجار من منطقة إلى أخرى إلا أنه غالباً ما يتراوح بين 50 ألف ين و80 ألف ين في الشهر، وتتواجد أكثرها رقياً وحداثة بمنطقة إيبيسو بوسط طوكيو وهي منطقة يقطنها الصفوة.

أهمية الموقع والأسعار في اختيار السكن

يهتم أغلب المستأجرون اليوم بسعر الإيجار وموقع الشقة الذي يشترط أن يكون قريباً من محطة القطار أو في مكان يسهل الوصول إليه بغض النظر عن المساحة.

وفي شهادة لأحد المستأجرين والذي أقام لمدة أربعة أعوام في إحدى هذه الشقق، يقول أن صغر حجم الغرفة لم يكن يسبب له أي ضيق، بل على العكس فقد كان راضياً تماماً عن هذا النموذج من الغرف، إلا أن العيب الوحيد كان يتعلق بالضوضاء التي تصدر عن الجيران بالإضافة إلى انعدام وجود شرفات.

ويضيف مستأجر آخر يقطن في غرفة مماثلة منذ 3 أعوام أنه قد صدم من صغر حجم الشقة عندما رآها لأول مرة، ولكن بحكم كونه دائم الانشغال فلم يعد يعر ذلك أي أهمية فهو يستغل تلك الشقة للنوم فقط.

يذكر أن الشركة تقوم بتثبيت ألياف زجاجية بين الألواح الخشبية المزدوجة للجدران من أجل عزل الصوت والحرارة، وبدأت الشركة مؤخراً في استخدام الخرسانة في البناء بالإضافة إلى الخشب الذي يتم الاعتماد عليه بشكل أساسي في بناء البيوت في اليابان.

متجر الحي هو ثلاجتي!

بطبيعة الحال، هناك أيضاً فوائد تعود على شركة العقارات من توفير هذا النوع من الغرف. فالمساكن الأكثر اتساعًا تعطي مرونة أكبر في تصميم الغرف والمطبخ والحمام ومساحة التخزين، ولكن كل ذلك يحتاج إلى وقت أطول في التصميم وتكلفة أعلى في الإنشاء، أما في حالة غرف كوكوري فالأمر أسهل بكثير وهو ماينعكس بالتالي على الوقت والتكلفة.

غالباً ما يكون مستخدمو هذه الغرف ممن يتبنون فكرة المنيماليست القائمة على مبدأ امتلاك الأشياء الضرورية فقط، حيث أن الكثير من المستأجرين لا يمتلكون جهاز تلفاز وعوضاً عن ذلك يستخدمون هواتفهم الذكية أو الكمبيوتر المحمول من أجل مشاهدة برامجهم المفضلة.

يروي لنا ممثل شركة سبيليتوز بعض الأمور النادرة التي شهدها عند بعض المستأجرين، أحدهم لم يكن يملك ثلاجة بغرفته حيث كان يعتمد بشكل كلي على متجر صغير بالقرب منه. بينما استطاع أخر أن يفقد 15 كيلوغراماً من وزنه بعد أن انتقل إلى شقته أين أصبح يخرج للجري صباحاً مستغلاً الوقت الذي كان يمضيه فيما سبق في المواصلات.

وتعرف هذه الشركة تزايداً في الإقبال على شققها لدرجة أنها لا تتمكن من تلبية كل الطلبات وتقوم بوضع أسماء بعض المتقدمين على قائمة الانتظار بسبب عدم وجود شقق شاغرة.

حكايات مستأجر

ولكي نستمع إلى الجانب الأخر من الرواية قمنا في المقابل بمحاورة بعض المستأجرين الأخرين أين تخبرنا أيكو ”اسم مستعار“ عن تجربتها في العيش في إحدى شقق كوكوري حيث انتقلت إليها من منطقة كانساي منذ عامين بعد أن تم تحويل مقر عملها إلى العاصمة طوكيو حيث تعمل في إحدى شركات السياحة .

وقد اختارت أيكو الشقة الصغيرة أولاً لأنها كانت مناسبة تماماً لاحتياجاتها، فشقتها بها غرفة نوم في الطابق العلوي ومرحاض منفصل عن الحمام في الأسفل ولم تكن تهتم بالمساحة الأرضية. رغم أنها لا زالت تتذكر إنطباعها الأول عند رؤية هذه الشقة أين صدمت من صغر حجمها..

وتضيف بالنسبة لما تراه من إيجابيات وسلبيات السكن في مكان بذلك الضيق، فقد ساعدها الأمر على اعتماد فكرة عدم تكديس الأشياء، كما أنها قررت توظيف ابداعها في خلق مساحة للمعيشة والاسترخاء إلا أنها تشتكي من صغر حجم المساحة المخصصة لتخزين الأحذية خصوصاً وهي من محبي اقتناء الأحذية الرياضية.

و على الرغم من صغر مساحة المطبخ، إلا أن أيكو قررت استخدام طاولة الطعام في عدة مهام غير الأكل. ومن الأمثلة الأخرى على ابتكاراتها شراء منتجات التنظيف الأصغر حجما وجمعها في صندوق واحد مخصص لحفظ المستندات.

صورة لغرفة أيكو المنظمة بشكل مثالي.
صورة لغرفة أيكو المنظمة بشكل مثالي.

أيهما أفضل الغرف الصغيرة أم الكبيرة؟

مع مرور الوقت تحولت طاولة الطعام إلى أهم مكان بالنسبة لأيكو فهي تستخدمها للقراءة والدراسة وتحضير الطعام، ولا تستخدم المساحة العليا إلا للنوم. كما أنها لا تمتلك جهاز تلفاز وليس في نيتها اقتنائه مستقبلاً، حيث تحبذ أن تولي أهمية للمساحة التي تمتلكها لتستخدمها في شيء أكثر نفعاً.

وعندما سألنا أيكو عما إذا كانت تفضل المساحات الكبيرة أم الصغيرة، ردت بأنها كانت تسكن فيما سبق في بيت كبير الأمر الذي كان يدفعها لشراء الكثير من الأشياء، بالإضافة إلى الصعوبة الكبيرة التي كانت تجدها في تدفئة كل أركان ذلك البيت في فصل الشتاء، لكنها منذ أن انتقلت إلى شقتها الحالية لم تعد ترى نفسها أفضل حالاً في مكان أكبر.

وتضيف مؤكدة أنها تعتزم البقاء في هذه الغرفة لأن ظروف المعيشة بها تتناسب تماماً ومتطلباتها، كما أن طابع اللون الأبيض الذي تتميز به شقتها من جدران وأرضية يعطيانها حرية اقتناء الأثاث الذي تريد أياً كان لونه. فالعيش في مكان تم تصميمه بشكل ذكي يجعلها تشعر بالسعادة والرضا.

وفيما يخص النصائح التي تقدمها أيكو لغيرها من قاطني الغرف الصغيرة، فهي ترى بأنه وبالقليل من البراعة وحس الإبداع يمكن جعل شقة صغيرة تبدو وكأنها بيت كبير من خلال إعتماد فكرة امتلاك أقل قدر ممكن من الأشياء، وهذا ما يبدو بشكل واضح على شقتها المرتبة بشكل جيد دون وجود أشياء لا تحتاج إليها.

 صورة من الطابق العلوي.
 صورة من الطابق العلوي.

ومما لا شك فيه أن سبب شعبية الشقق ذات الحصائر الثلاثة يعود وبشكل كبير إلى انتشار فلسفة المينيماليست التي تعتمد على التجرد من المادية واقتناء ما يتم استخدامه فقط، ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه لفترة أطول نظراً لما تمليه ظروف الحياة اليوم.

(النص في الأصل باللغة اليابانية على موقع برايم أون لاين في 11 فبراير/شباط 2020. تمت ترجمته وتحريره من قبل Nippon.com. كل الصور الفوتوغرافية من Spylitus)

https://www.fnn.jp

[كل الحقوق محفوظة لشبكة فوجي الإخبارية]

الشباب العمل أخبار فوجي السكان